الجمعة 1439/01/30 هـ
الأخبار ||

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة الثالثة

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة الثالثة
8/1/2017 12:58:53 PM
الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا الحلقة الثالثة

ورة العربية

وأباطيل الجماعات الوظيفية

كتاب عبد العزيز الريس نموذجا

بقلم: محمد بن مبارك الهاجري

(3)

بسم الله الرحمن الرحيم

إنكار ابن ريس لتوحيد الله في الحاكمية نصرة للأنظمة الطاغوتية:

من أصول الخطاب الديني المبدل بعد سقوط الخلافة الإسلامية على أيدي الحروب الصليبية في الحرب العالمية الأولى، العمل على تبرير هذا الواقع الجديد الذي سقطت فيه الخلافة ووحدة الأمة والحكم بشريعة الإسلام، ومن أوائل هؤلاء الشيخ الأزهري والقاضي علي عبد الرزاق في كتابه (الإسلام ونظام الحكم) حيث قرر فيه أن الإسلام لم يأت بنظام سياسي ولا لإقامة الدولة ولا بالحكم الدنيوي، وإنما جاء برسالة روحية؛ وهذا تماشيا مع الواقع الجديد الذي جاء به الاحتلال. ونجد اليوم الجماعات الوظيفية تسير على هذا الخطى في تبريرهم للأنظمة الطاغوتية والدول الوظيفية التي جاء بها الاحتلال، وعندما ثار العالم العربي رافضا للظلم والطغيان التي تمارسه الأنظمة العربية الوظيفية تحت مسمى العلمانية والديمقراطية والجمهورية، وأرادت هذه الشعوب العودة إلى دينها وهويتها كما حصل في مصر، وعندها تكالب عليهم الغرب الصليبي ودوله الوظيفية وأجلبوا عليهم بخيلهم ورجلهم ومكرمهم {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}. فأرادوا عودة هذه الشعوب الثائرة للحضيرة والحكم الديكتاتوري باسم العلمانية والديمقراطية، وأما عودة الإسلام فدون ذلك الحرب والقتل والدمار، ولذا فقد صرح قيادات الثورة المضادة بعد قتلهم المستضعفين في ميداني رابعة والنهضة في مصر أنهم يرفضون عودة الإسلام وحكمه كما قال السيسي في تصريح له: (أنه لا مكان للدين في الحكومة، وأنه يجب أن يكون هناك فصل بين الدين والدولة،من الآن مصر وإسرائيل وأمريكا: ستبقى مصائرنا متشابكة للأبد).([1]وقال مؤخرا سفير الإمارات في واشنطن يوسف العتيبة: (أن ما تريده الإمارات والسعودية والأردن ومصر والبحرين للشرق الأوسط بعد عشر سنوات هو حكومات علمانية مستقرة ومزدهرة) وقال عن سبب مقاطعة دولة قطر: (أن قطر دعمت خلال السنوات الخمس عشرة الأخيرة جماعات مثل الإخوان المسلمين وحماس وطالبان وجماعات مسلحة في سوريا وليبيا).([2])

فحقيقة الصراع اليوم بين ثورة الأمة والثورة المضادة هو صراع عقدي بين حكم الإسلام وأن يكون الدين كله لله وبين حكم الطاغوت وأن يكون الدين لغير الله!

فما يطرحه سدنة الطغاة من الجماعات الوظيفية هو يصب في جانب دعم الثورة المضادة وأهدافها، ولذا فهم يقررون أن الإسلام لا يشترط لشرعية الحاكم إلا أن يدعي الإسلام بلسانه، فلا يشترطون أي شرط لشرعية من يحكم المسلمين إلا شرط الإسلام ولو كانت دعوى بلا برهان! فمن حكّم الطاغوت وتحاكم إليه، ومن نصبه الاحتلال حاكما على المسلمين، ومن والى الكافرين وظاهرهم على المسلمين، ومن استعبد الشعوب المسلمة واستبد بأمرها ونهب ثرواتها، بمجرد ادّعائه الإسلام يصبح حاكما شرعيا تجب طاعته وموالاته ونصرته، وكل ذلك باسم السلفية وعقيدة أهل السنة والجماعة كذبا وزورا!

ومن هؤلاء ابن ريس فقد قرر في كتابه هذا الباطل وزينه بشبه وتحريفات بدعية، ومن ذلك قوله المنكر في إنكاره لتوحيد الله في الحاكمية؛ ليبرر للطغاة حكمهم الطاغوتي! فقد نقل ابن ريس تحت عنوان (غلوه في الحاكمية) كلام الدكتور حاكم في كتاب الحرية عندما تحدث عن البند السابع من مبادئ الخطاب المنزل وهو: (وأن الحاكمية والطاعة المطلقة لله ورسوله) ثم قال د.حاكم: (وقد جعل القرآن الحكم لله وحده، فهو الذي له الحق وحده في التشريع المطلق لعباده، وله حق الطاعة المطلقة؛كما قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألاّ تعبدوا إلا إياه}، فاعتقاد وحدانية الله في حاكميته هو الأصل الذي يقوم عليه توحيده في عبادته وطاعته. والأمر الوارد في الآية (أمر)، هو فرد من أفراد (الحكم)، ونوع من أنواعه، فلكون الحاكمية لله عز وجل، ولكونها حقا من حقوقه التي لا ينازعه فيها أحد؛ لهذا أمر ألا يعبد إلا هو فلا يُعرف التوحيد من الشرك، ولا الطاعة من المعصية، ولا الإيمان من الكفر إلا بحكم الله فمن لم يثبت هذا الأصل الإيماني العظيم أي توحيد الله المطلق في حاكميته وإفراده بها لم يسلم له توحيد الله في عبادته وطاعته؛ إذ العبادة والطاعة لله لا تعرف إلا عن طريق حكم الله وشرعه، ولا سبيل لالتزام حكم الله إلا بالإقرار والإيمان بأنه وحده الذي له الحكم والتشريع كما له الخلق:{ألا له الخلق والأمر} ).([3])

فعدّ ابن ريس - الذي يدعو لطاعة الطغاة ويدعي شرعيتهم مع حكمهم بالطاغوت وتحاكمهم إليه - هذا الكلام من غلو الخوارج في الحاكمية فقال معلقا: (غلوه هذا غلو الخوارج في الحاكمية)!([4])

وفي المقابل يحذر ابن ريس الشعوب الثائرة على هذا الطاغوت فقال: (الفساد المترتب على عدم الالتزام بمنهج السلف في أصل الإمامة نراه بأعيننا اليوم فيما يسمى بالربيع العربي).([5])

وهذا من عجائب ابن ريس، فقد حمله إرجاؤه الشديد وغلوه في موالاته للحاكمين بغير ما أنزل الله والطواغيت ودعاة العلمانية ومن جاء بهم الاحتلال والثورة المضادة، إلى نفي توحيد الله المطلق في الطاعة والحاكمية والتشريع! بل ورميه لدعاة التوحيد بالغلو بمذهب الخوارج! مع أنه لا خلاف بين المسلمين جميعا أن الطاعة المطلقة والتشريع المطلق والحكم المطلق حق لله وحده لا شريك له، ومن ادعى أن أحدا له حق الطاعة والتشريع والحكم المطلق مع الله فهو مشرك كافر، وكما قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} وقال: {ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا} وقال: {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} وقال: {ألا له الخلق والأمر} وقال: {أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا} وقال: {قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} وقال {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}، وقال {ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليآئهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} و قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: (إن الله هو الحكم وإليه الحكم).([6])

وغيرها من الآيات والأحاديث الكثير الدالة على تفرد الله سبحانه في الطاعة والتشريع والحكم المطلق، سواء كان الحكم الشرعي أو القدري أو الجزائي في الآخرة، فمن جعل مع الله مطاعا ومشرعا وحاكما في التشريع والحكم المطلق، كمن جعل معه ربا ومعبودا وإله، كلاهما في الشرك سواء. قال ابن أبي العز الحنفي فيما يجب للنبي - صلى الله عليه وسلم -: (فيوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما وحد المرسل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل. فهما توحيدان، لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما: توحيد المرسل، وتوحيد متابعة الرسول، فلا يحاكم إلى غيره، ولا يرضى بحكم غيره).([7])

قال ابن حزم: (فإن قال قائل كيف اتخذ اليهود والنصارى أربابا من دون الله وهم ينكرون هذا وقلنا وبالله تعالى التوفيق أن التسمية لله عز وجل فلما كان اليهود والنصارى يحرمون ما حرم أحبارهم ورهبانهم ويحلون ما أحلوا كانت هذه ربوبية صحيحة وعبادة صحيحة قد دانوا بها وسمى الله تعالى هذا العمل اتخاذ أربابا من دون الله وعبادة وهذا هو الشرك بلا خلاف).([8])

وقال ابن القيم: (فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم من عبادة الله إلى عبادة الطاغوت وعن التحاكم إلى الله وإلى الرسول إلى التحاكم إلى الطاغوت).([9])

وقال العز بن عبد السلام: (وتفرد الإله بالطاعة لاختصاصه بنعم الإنشاء والإبقاء والتغذية والإصلاح الديني والدنيوي، فما من خير إلا هو جالبه، وما من ضير إلا هو سالبه... وكذلك لا حكم إلا له فأحكامه مستفادة من الكتاب والسنة والإجماع والأقيسة الصحيحة والاستدلالات المعتبرة، فليس لأحد أن يستحسن ولا أن يستعمل مصلحة مرسلة، ولا أن يقلد أحدا لم يؤمر بتقليده: كالمجتهد في تقليد المجتهد أو في تقليد الصحابة وفي هذه المسائل اختلاف بين العلماء، ويرد على من خالف في ذلك قوله عز وجل: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}).([10])

وقال الشيخ سليمان بن عبد الله بن عبد الوهاب: (وقوله تعالى وقد أمروا أن يكفروا به أي بالطاغوت وهو دليل على أن التحاكم إلى الطاغوت مناف للإيمان مضاد له فلا يصح الايمان الا بالكفر به وترك التحاكم اليه فمن لم يكفر بالطاغوت لم يؤمن بالله).([11])

قال الشيخ محمد بن إبراهيم ال الشيخ: (وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه).([12]) وقال: (لو قال من حكم القانون: أنا أعتقد أنه باطل. فهذا لا أثر له، بل هو عزل للشرع، كما لو قال أحد: أنا أعبد الأوثان، وأعتقد أنها باطل).([13])

وقال الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره معلقا على حديث عدي بن حاتم في الطاعة: (وهذا التفسير النبوي المقتضي أن كل من يتبع مشرعا بما أحل وحرم مخالفا لتشريع الله أنه عابد له، متخذه ربا، مشرك به كافر بالله، هو تفسير صحيح لا شك في صحته، والآيات القرآنية الشاهدة لصحته لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم. اعلموا أيها الإخوان أن الإشراك بالله في حكمه، والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة، فالذي يتبع نظاما غير نظام الله، وتشريعا غير ما شرّعه الله،وقانونا مخالفا لشرع الله، من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن، لا فرق بينهم البتة بوجه من الوجوه فهما واحد فكلاهما مشرك بالله هذا أشرك في عبادته وهذا أشرك به في حكمه والإشراك به في عباده والإشراك به في حكمه كلاهما سواء).([14])وقال: (غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم، ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة كان كل من اتبع تشريعا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربا، وأشركه مع الله).([15])

وقال ابن سعدي: (الرب والإله هو الذي له الحكم القدري، والحكم الشرعي، والحكم الجزائي، وهو الذي يؤله ويعبد وحده لا شريك له، ويطاع طاعة مطلقة فلا يعصى، بحيث تكون الطاعات كلها تبعا لطاعته، فإذا اتخذ العبد العلماء والأمراء على هذا الوجه، وجعل طاعتهم هي الأصل، وطاعة الله ورسوله تبعا لها فقد اتخذهم أربابا من دون الله يتألههم ويتحاكم إليهم، ويقدم حكمهم على حكم الله ورسوله، فهذا هو الكفر بعينه، فإن الحكم كله لله، كما أن العبادة كلها لله).([16])

فالحكم المطلق، والتشريع المطلق، والأمر المطلق، كلها من خصائص الله التي يجب أن تفرد له، والتوحيد هو إفراد الله بكل ما يختص به، وهذه الخصائص متعلقة بربوبيته وأفعاله سبحانه فكما أنه الخالق وحده؛ فهو الآمر والناهي والمشرع وحده {ألا له الخلق والأمر}. قال ابن تيمية: (وأما غير رسل الله وأنبيائه فليس لهم أن يبدلوا دين الله ولا يبتدعوا في الدين ما لم يأذن به الله. والرسل إنما قالوا تبليغا عن الله؛ فإنه سبحانه له الخلق والأمر فكما لا يخلق غيره لا يأمر غيره {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه).([17])

ويقول الشيخ عبد الرحمن البراك: (ولا ريب أنه مما يجب توحيد الله فيه، الحكم الكوني والشرعي قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه }).([18])

وقال الشيخ ابن باز: (فلا يتم إيمان العبد إلا إذا آمن بالله ورضي حكمه في القليل والكثير، وتحاكم إلى شريعته وحدها في كل شأن من شئونه، في الأنفس والأموال والأعراض، وإلا كان عابدا لغيره، كما قال تعالى: {ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت} فمن خضع لله سبحانه وأطاعه وتحاكم إلى وحيه، فهو العابد له، ومن خضع لغيره، وتحاكم إلى غير شرعه، فقد عبد الطاغوت، وانقاد له، كما قال تعالى: {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا}. والعبودية لله وحده والبراءة من عبادة الطاغوت والتحاكم إليه، من مقتضى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فالله سبحانه هو رب الناس، وإلههم، وهو الذي خلقهم وهو الذي يأمرهم وينهاهم، ويحييهم ويميتهم، ويحاسبهم ويجازيهم، وهو المستحق للعبادة دون كل ما سواه قال تعالى: {ألا له الخلق والأمر} فكما أنه الخالق وحده، فهو الآمر سبحانه، والواجب طاعة أمره).([19])

وقال الشيخ ابن عثيمين: (ومن الإيمان بالله أن تؤمن بأن الحكم لله العلي الكبير الحكم الكوني والشرعي كله لله لا حاكم إلا الله سبحانه وتعالى)([20]). وقال: (إن الحكم بما أنزل الله من توحيد الربوبية؛ لأنه تنفيذ لحكم الله الذي هو مقتضى ربوبيته، وكمال ملكه وتصرفه؛ ولهذا سمى الله المتبوعين في غير ما أنزل الله أربابًا لمتبعيهم فقال سبحانه: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون} فسمى الله المتبوعين أربابًا حيث جعلوا مشرعين مع الله، وسمى المتبعين عُبادًا حيث إنهم ذلوا لهم وأطاعوهم في مخالفة حكم الله سبحانه وتعالى).([21])

وسئلت اللجنة الدائمة للإفتاء في المملكة العربية السعودية في الفتوى رقم (1653):

(س1: ما الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر من حيث التعريف والأحكام؟

ج1: الشرك الأكبر: أن يجعل الإنسان لله ندا؛ إما في أسمائه وصفاته، فيسميه بأسماء الله ويصفه بصفاته... وإما أن يجعل له ندا في العبادة بأن يضرع إلى غيره تعالى من شمس أو قمر أو نبي أو ملك أو ولي... وإما أن يجعل لله ندا في التشريع، بأن يتخذ مشرعا له سوى الله أو شريكا لله في التشريع يرتضي حكمه ويدين به في التحليل والتحريم؛ عبادة وتقربا وقضاء وفصلا في الخصومات، أو يستحله وإن لم يره دينا، وفي هذا يقول تعالى في اليهود والنصارى: {اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون}وأمثال هذا من الآيات والأحاديث التي جاءت في الرضا بحكم سوى حكم الله أو الإعراض عن التحاكم إلى حكم الله والعدول عنه إلى التحاكم إلى قوانين وضعية، أو عادات قبلية، أو نحو ذلك، فهذه الأنواع الثلاثة هي الشرك الأكبر الذي يرتد به فاعله أو معتقده عن ملة الإسلام، فلا يصلى عليه إذا مات، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا يورث عنه ماله، بل يكون لبيت مال المسلمين، ولا تؤكل ذبيحته ويحكم بوجوب قتله ويتولى ذلك ولي أمر المسلمين إلا أنه يستتاب قبل قتله، فإن تاب قبلت توبته ولم يقتل وعومل معاملة المسلمين).([22])

فمن لا يثبت هذا الأصل العظيم وهذا التوحيد؛ فلا يثبت له أي توحيد!

ثم إن حاكمية الله سبحانه هي أصل العبادة والطاعة؛ لأن طاعة الله وعبادته وتوحيد الله بهما وغيرها من العبادات والأحكام والنهي عن الشرك كلها لا تعرف إلا بحكم الله الشرعي وأمره ونهيه وقضائه كما قال تعالى: {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}، قال الحوفي في تفسيره البرهان: ({إن الحكم إلا لله} أي: وما القضاء في الخلق والاستعباد والأمر والنهي إلا لله، وهو الذي {أمر ألا تعبدوا إلا إياه} أنتم وجميع خلقه).([23])

وقال ابن حيان في تفسيره: (إن الحكم إلا لله أي: ليس لكم ولا لأصنامكم حكم ما الحكم في العبادة والدين إلا لله ثم بيّن ما حكم به فقال أمر أن لا تعبدوا إلا إياه).([24])

وقال ابن سعدي: ({ما أنزل الله بها من سلطان} بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها، وإذا لم ينزل الله بها سلطانا، لم يكن طريق ولا وسيلة ولا دليل لها؛ لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع، ويسن الأحكام، وهو الذي أمركم {أن لا تعبدوا إلا إياه}).([25])

وقال الشيخ محمد رشيد رضا في تفسيره: ({إن الحكم إلا لله} أي ما الحكم الحق في الربوبية، والعقائد والعبادات الدينية إلا لله وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله، لا يمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه ولا بعقله واستدلاله، ولا باجتهاده واستحسانه، فهذه القاعدة هي أساس دين الله على ألسنة جميع رسله، لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة).([26])

وقال ابن عاشور في تفسيره: (وجملة {إن الحكم إلا لله} إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم بأنها لا حكم لها فيما زعموا أنه من حكمها وتصرفها. وجملة {أمر أن لا تعبدوا إلا إياه} انتقال من أدلة إثبات انفراد الله تعالى بالإلهية إلى التعليم بامتثال أمره ونهيه، لأن ذلك نتيجة إثبات الإلهية والوحدانية له، فهي بيان لجملة {إن الحكم إلا لله} من حيث ما فيها من معنى الحكم).([27])

وقال القاسمي في تفسير الآية: (إن الحكم أي: في أمر العبادة والدين إلا لله لأنه مالك، وهو لم يحكم بعبادتها، لأنه أمر ألا تعبدوا إلا إياه).([28])

ومن الآيات الدالة على ذلك أيضا قوله تعالى: {وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه} قال ابن جرير الطبري: (يعني بذلك تعالى ذكره حكم ربك يا محمد بأمره إياكم ألا تعبدوا إلا الله، فإنه لا ينبغي أن يعبد غيره).([29])

قال ابن تيمية: (ولا ريب أن الله ألزم الخلق التوحيد وأمرهم به وقضى به وحكم فقال: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)... وهذا كثير في القرآن يوجب على العباد عبادته وتوحيده ويحرم عليهم عبادة ما سواه فقد حكم وقضى: أنه لا إله إلا هو).([30])

وغيرها من الآيات التي تبين أخص صفات الربوبية وهي حكم الله وأمره الشرعي والتي بها حكم أن لا نعبد إلا إياه.

 وكما أن هذه المسألة من المسلمات في أصول الدين، كذلك هي من الواضحات في أصول الفقه، وهي تذكر عند تعريف الأحكام الشرعية والتي منها العبادات التي يجب توحيد الله بها، فيذكرون التعريف بالحاكم وهو الله، قال الغزالي: (وفي البحث عن أقسام الحكم يتبين حد الواجب والمحظور والمندوب والمباح والمكروه والقضاء والأداء والصحة والفساد والعزيمة والرخصة وغير ذلك من أقسام الأحكام وفي البحث عن الحاكم يتبين أن لا حكم إلا لله).([31]) وقال شارح الكوكب المنير: (بدأ المؤلف رحمه الله الكلام على الحكم، وضمنه الحديث عن الحاكم، لأن الحكم والحاكم متلازمان، وقد تبع في ذلك ابن السبكي الذي عرف الحكم بأنه خطاب الله. ثم قال: لا حاكم إلا الله، والكلام عن الحاكم من اختصاص علم أصول الدين، ولكن علماء أصول الفقه يتعرضون لبعض بحوثه التي تتصل بالحكم. يقول الآمدي: اعلم أنه لا حاكم سوى الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به).([32])

وأما جعل ابن ريس من يقرر هذه المسألة من غلاة الخوارج في الحاكمية، وشبههم بما كان ينادي به الخوارج المحكمة فهذا جهل منه وتلبيس، فالخوارج عندما اعترضوا على تحكيم الصحابة بقوله تعالى: {إن الحكم إلا لله}. فهذه كلمة حق أريد بها باطل كما قال علي رضي الله عنه، والباطل هو تنزيلهم هذه الآية على الحكم المقيد الذي لا يخالف حكم الله المطلق كما قال تعالى: {وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكما من أهله وحكما من أهلها}. ومثله ما قاله الله في الأمر المقيد: {وأمرهم شورى بينهم}.

 وأما كلام الدكتور حاكم هنا والذي استنكره ابن ريس، فهو في الحكم المطلق والأمر المطلق الذي هو من خصائص الربوبية والذي ينازعه فيه الملوك الجبرية والأرباب البشرية ومن يذود عنهم ابن ريس وأصحاب الخطاب الديني المبدل!

وقد اجتهد ابن ريس في تحريف النصوص التي تشترط لشرعية الحاكم أن يقوم بين الناس بالشريعة وبكتاب الله، ومن ذلك قوله في تبرير حكم الطاغوت الذي يحكم بلاد المسلمين اليوم: (أن التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله لمجرد الحكم لم يقل به إلا الخوارج؛ وهو خلاف قول أهل السنة).([33]) وقال في تحريفاته وتأويلاته البدعية للنصوص التي تبطل شرعية كل من حكم بغير الإسلام: (روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ما يدل على أنه يشترط للسمع والطاعة للحاكم أن يحكم بكتاب الله، فإذا لم يحكم بكتاب الله فلا سمع له ولا طاعة... لو صح الأثر، لكان مفهومه معارضا لمنطوقات كثيرة في السمع والطاعة للحاكم المسلم الفاسق العاصي، فالمنطوق مقدم على المفهوم).([34]) وقال: (إن قوله: "ما قادكم بكتاب الله" قد يراد به ما جوزه شرع الله، ويقابله ما هو محرم مما لم يجوزه شرع الله؛ فلا يطاع الحاكم في معصية الله).([35]) وقد جعل ابن ريس شرط الحكم والتحاكم لكتاب الله وسنة رسوله من الألفاظ التي لا مفهوم لها! فقال: (إن قوله: "يقودكم بكتاب الله" خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له).([36]) وقد زاد ابن ريس في غلوه وتطرفه وحماسته في صيانة جناب الطاغوت، فجعل كل من يشترط في شرعية الحاكم إقامة الإسلام من الخوارج والتكفيريين الذين خالفوا إجماع أهل السنة! فألزم من يستدل بحديث (ما قادكم بكتاب الله) على طريقته الإرجائية فقال: (أنه يكفر بالحكم بغير ما أنزل الله. فهذا استدلاله بالحديث اعتضادا لا اعتمادا؛ لأنه تقرر عنده أن عدم تحكيم الشرع - بلا اعتقاد – كفر أكبر بأدلة توهمها، فيرد عليه ببيان عدم صحة هذا المذهب، وأنه مخالف لما أجمع عليه أهل السنة).([37])

بهذه الشبه السطحية والتأويلات العقلانية أبطل ابن ريس هذه النصوص النبوية القطعية؛ ليبرر للحكومات اليوم التي نبذت كتاب الله وحكمت بالطاغوت، وقد شرح أهل العلم الحديث وبينوا معنى الشرط فيه والذي أراد ابن ريس إبطاله!

قال ابن حزم: (الإمام الواجب طاعته مما قادنا بكتاب الله تعالى وبسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي أمر الكتاب بإتباعها فإن زاغ عن شيء منهما منع من ذلك وأقيم الحد والحق).([38])  ونقل الإجماع على ذلك فقال: (اتفق جميع أهل السنة وجميع المرجئة وجميع الشيعة والخوارج على وجوب الإمامة وأن الأمة واجب عليها الانقياد لإمام عادل يقيم فيهم أحكام الله ويسوسهم بأحكام الشريعة التي أتى بها رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - ).([39])وقال النووي: (فأمر-صلى الله عليه وسلـم بطاعة ولي الأمر ولو كان بهذه الخساسة ما دام يقودنا بكتاب الله تعالى قال العلماء معناه ما داموا متمسكين بالإسلام والدعاء إلى كتاب الله تعالى على أي حال كانوا في أنفسهم وأديانهم وأخلاقهم).([40])

ونقل ابن ريس كلام الدكتور حاكم في حكم من يعطل الشرع وهو قوله: (أما إن كفر الإمام أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع؛ قال القاضي عياض:(أجمع العلماء على أنه لو طرأ عليه كفر أو تغيير للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه).([41])

فقال ابن ريس: (قول حاكم العبيسان: "أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع". تقدم أن التكفير بهذا قول الخوارج).([42]) ثم أعطانا ابن ريس خيارين لإبطال الإجماع الذي نقله ابن العربي، إما حمله على التأويلات الإرجائية، وإما الحكم على ناقله بالخطأ والزلل والشذوذ! فقال ابن ريس: (ذكر القاضي عياض: أنه يخرج عليه إذا غير الشرع هذا لفظ مجمل إن أراد أنه غيره تغييرا كفريا؛ بأن صار الحاكم كافرا فصحيح. وإن غيره تغييرا بدعيا بأن صار الحاكم مبتدعا لا كافرا فكلامه خطأ وزلة).([43]) وقال فيه: (وتعتبر هذه المسألة –عزل المبتدع- من شواذ القاضي عياض).([44]) فهو شابه طريقة أهل تحريف صفات الله في وضع مخرجين لمواجهة النصوص الصريحة التي تصطدم مع معتقداتهم، كما قالوا: وكل نص أوهم التشبيهاأوله أو فوض ورم تنزيها. إلا أنّ هؤلاء العلماء الفضلاء راموا تنزيه الله ورام ابن ريس تنزيه الطغاة!

فلا أجد وصفا ينطبق على ابن ريس في اضطرابه أمام النصوص الصريحة وكلام أهل العلم بأفضل من مثل قوله: (لما ضاق أهل البدع ذرعا لأجل صراحة وكثرة النصوص وأقوال أهل العلم في شرط إقامة كتاب الله وحكم الإسلام أصبحوا في أمر مريج تجاهها)!

وعندما قال د. حاكم: (إن أكثر الأنظمة اليوم ليست هي الأنظمة التي توصف بالجور الذي اختلف العلماء في شأنه، بل هي الأنظمة التي توصف بالكفر الذي أجمع العلماء على وجوب الخروج عليها لمن استطاع، فلا يمكن تنزيل كلام السلف على الواقع إلا كما لو صح تنزيله على دولة العبيديين في مصر).([45]) فردّ الريس وهو غاضب، وبيّن الدافع من وراء كتابه، وهو نصرة الحكومات ولو جاء بها الاحتلال وحكمت بالطاغوت وامتنعت عن إقامة شرائع الإسلام فقال: (هذا نفس خارجي معروف، فيه تكفير للحكومات الإسلامية اليوم، وأنها تعيش حالة الكفر البواح، ولو اقتصر عليه لكفاني عناء الرد عليه).([46])

فابن ريس يدخل جميع الحكومات التي تدعي الإسلام ولو جاءت على ظهر دبابة الاحتلال كما قال: (اشترط -يعني د حاكم المطيري- السمع والطاعة للحاكم المسلم القوي الذي لا يخاف من قوى أعظم كفرية، أو لحاكم لا يسير على مخططات الغرب، وهذا اشتراط باطل لسببين: الأول: أن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره، وكذلك إجماعات أهل السنّة!

والسبب الثاني: أن الحكمة التي شرع من أجلها السمع والطاعة تتحقق مع وجود الحكومات بهذه الحالة).([47]) يعني التي يأتي بها المحتل!

فكل من قاوم حكومات الاحتلال التي نصبوها وادعوا الإسلام من قديم أو حديث هو خارجي مارق في نظر دعاة الخطاب الديني المبدل، فيدخل فيهم ابن تيمية الذي جاهد حكومة غازان التتري التي تدعي الإسلام، وطالبان التي تجاهد حكومة كارزاي، وأهل السنة في العراق الذين يجاهدون حكومتهم التي جاءت مع الاحتلال الأمريكي وكل حكومة ستأتي مع الاحتلال!

وهذا الطرح الذي يضفي الشرعية على حكومات الاحتلال؛ الفطرة الإنسانية السليمة كفيلة في الرد عليه؛ فضلا عن كلام الله ورسوله وكلام العلماء.

أقوال العلماء في حكومات ابن ريس التي يدافع عنها:

وأما محاولة ابن الريس إضفاء الشرعية على من حكّم الطاغوت ومن يتحاكمون إليه، فقد نقضها أهل العلم السابقين والمعاصرين وأبطلوا شرعيتهم.

قال أبو العباس القرطبي: (فإن أمر -الإمام- بمعصية فلا تجوز طاعته في تلك المعصية قولا واحدا، ثم إن كانت تلك المعصية كفرا وجب خلعه على المسلمين كلهم، وكذلك لو ترك إقامة قاعدة من قواعد الدين؛ كإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإقامة الحدود، ومنع من ذلك، وكذلك لو أباح شرب الخمر، والزنى، ولم يمنع منهما، لا يختلف في وجوب خلعه).([48])

وبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية حكم التتار الذين حكموا المسلمين ودانوا بالإسلام ادّعاءً؛ بينما فرضوا الياسق الذي نصبه ملكهم جنكزخان كما قال: (كما يحكم التتر "بالياسق" الذي جرت به عاداتهم وأما أهل الإيمان والإسلام والعلم والدين فإنما يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله).([49]) فقال في حكمهم: (فإن التتار يتكلمون بالشهادتين، ومع هذا فقتالهم واجب بإجماع المسلمين وكذلك كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أو الباطنة المعلومة، فإنه يجب قتالها).([50]) وقال: (يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة... أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله).([51])

وقال ابن كثير في التتار الذين يدعون الإسلام ويحكّمون الياسق بين المسلمين: (من خرج عن حكم الله المُحْكَم المشتمل على كل خير، الناهي عن كل شر وعدل إلى ما سواه من الآراء والأهواء والاصطلاحات، التي وضعها الرجال بلا مستند من شريعة الله، كما كان أهل الجاهلية يحكمون به من الضلالات والجهالات، مما يضعونها بآرائهم وأهوائهم،وكما يحكم به التتار من السياسات الملكية المأخوذة عن ملكهم جنكزخان، الذي وضع لهم الياسق وهو عبارة عن كتاب مجموع من أحكام قد اقتبسها عن شرائع شتى، من اليهودية والنصرانية والملة الإسلامية، وفيها كثير من الأحكام أخذها من مجرد نظره وهواه، فصارت في بنيه شرعًا متبعًا، يقدمونها على الحكم بكتاب الله وسنة رسوله-صلى الله عليه وسلـم-.ومن فعل ذلك منهم فهو كافر يجب قتاله، حتى يرجع إلى حكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - فلا يحكم سواه في قليل ولا كثير).([52])

وعلق العلامة القاضي أحمد شاكر على كلام ابن كثير، وهو الذي عاصر حكم الطاغوت الذي فرضه الاحتلال على بلاد المسلمين بعد سقوط الخلافة والذي يجادل عنه ابن ريس فقال: (ثم كان المسلمون الآن أسوأ حالا وأشد ظلما وضلالا منهم لأن أكثر الأمم الإسلامية الآن  تندمج في هذه القوانين المخالفة للشريعة والتي هي أشبه شيء بذلك الياسق... إن الأمر في هذه القوانين الوضعية واضح وضوح الشمس، هي كفر بواح، لا خفاء ولا مداراة، ولا عذر لأحد ممن ينتسب للإسلام كائنا من كان في العمل بها، أو الخضوع لها أو إقرارها).([53])

وقال الشوكاني في الذين يحكّمون الطاغوت وأعرضوا عن حكم الله ورسوله - صلى الله عليه وسلـم -: (منها أنهم يحكمون بالطاغوت، ويتحاكمون إلى من يعرف الأحكام الطاغوتية منهم، في جميع الأمور التي تنوبهم وتعرض لهم، من غير إنكار ولا حياء من الله ولا من عباده، ولا مخافة من أحد، بل قد يحكمون بذلك بين من يقدرون على الوصول إليه من الرعايا، ومن كان قريبا منهم، وهذا الأمر معلوم لكل أحد من الناس، لا يقدر أحد على إنكاره ودفعه، وهو أشهر من نار على علم. ولا شك ولا ريب أن هذا كفر بالله - سبحانه - وبشريعته التي أنزلها على رسوله، واختارها لعباده في كتابه، وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلـم -، بل كفروا بجميع الشرائع من عند آدم عليه السلام إلى الآن، وهؤلاء جهادهم واجب، وقتالهم متعين، حتى يقبلوا أحكام الإسلام ويذعنوا لها، ويحكموا بينهم بالشريعة المطهرة. ويخرجوا من جميع ما هم فيه من الطواغيت الشيطانية ومع هذا فهم مصرون على أمور غير الحكم بالطاغوت والتحاكم إليه، وكل واحد منهم على انفراده يوجب كفر فاعله، وخروجه من الإسلام وذلك مثل إطباقهم على قطع ميراث النساء، وإصرارهم عليه، وتعاضدهم على فعله).([54])

وقال الشيخ ابن باز في كتابه نقد القومية العربية: (كل دولة لا تحكم بشرع الله، ولا تنصاع لحكم الله، ولا ترضاه فهي دولة جاهلية كافرة، ظالمة فاسقة بنص هذه الآيات المحكمات، يجب على أهل الإسلام بغضها ومعاداتها في الله، وتحرم عليهم مودتها وموالاتها حتى تؤمن بالله وحده، وتحكم شريعته، وترضى بذلك لها وعليها).([55])

وعدّ الشيخ حمود التويجري ما تقوم به الدول في زماننا من الحكم بالطاغوت وإعراضها عن شرع الله تعالى وحكمه من أعظم الشرور ومن الردة الصريحة وحكامها من الطواغيت فقال: (من أعظمها شرا، وأسوئها عاقبة: ما ابتلي به كثيرون، من اطراح الأحكام الشرعية، والاعتياض عنها بحكم الطاغوت، من القوانين، والنظامات الإفرنجية، أو الشبيهة بالإفرنجية، المخالف كل منها للشريعة المحمدية...وقد انحرف عن الدين بسبب هذه المشابهة فئام من الناس، فمستقل من الانحراف ومستكثر؛ وآل بكثير منهم إلى الردة، والخروج من دين الإسلام بالكلية، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

والتحاكم إلى غير الشريعة المحمدية من الضلال البعيد، والنفاق الأكبر... وما أكثر المعرضين عن أحكام الشريعة المحمدية من أهل زماننا! ولا سيما أهل الأمصار، الذين غلبت عليهم الحرية الإفرنجية، وهان لديهم ما أنزل الله على رسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - من الكتاب والحكمة؛ فاعتاضوا عن التحاكم إليهما بالتحاكم إلى القوانين والسياسات، والنظامات التي ما أنزل الله بها من سلطان، وإنما هي متلقاة عن الدول الكافرة بالله ورسوله، أو ممن يتشبه بهم ويحذو حذوهم، من الطواغيت الذين ينتسبون إلى الإسلام، وهم عنه بمعزل. وأقبح من فعل المنافقين ما يذكر عن بعض أهل زماننا أنهم قالوا. إن العمل بالشريعة المحمدية يؤخرهم عن اللحاق بأمم الإفرنج، وأضرابهم من أعداء الله تعالى: وهذه ردة صريحة. والله المسؤول أن يقيض لأهلها، ولكل من لم يرض بأحكام الشريعة المحمدية، من يعاملهم معاملة أبي بكر الصديق، رضي الله عنه لإخوانهم من قبل).([56])

وجاء في فتوى اللجنة الدائمة عن شرعية الدول التي لا تحكم بالإسلام وشريعته: (السؤال الأول: لعلكم على علم بأن حكومتنا علمانية لا تهتم بالدين، وهي تحكم البلاد على دستور اشترك في ترتيبه المسلمون والمسيحيون، هناك يرد السؤال: هل يجوز لنا أن نسمي الحكومة بحكومة إسلامية أو نقول إنها كافرة؟

الجواب: إذا كانت تحكم بغير ما أنزل الله فالحكومة غير إسلامية وبالله التوفيق).([57])

فهذا كلام أهل العلم في الأنظمة التي تحكم بالطاغوت، وتعرض عن شرع الله وحكمه، والتي يلقبها ابن ريس ومن على طريقته بدول التوحيد والسنة! فهل يجرؤ ابن ريس وجماعته الوظيفية أن يحذروا من كلام هؤلاء العلماء ويخطئوا قائليه علنا؟ أم أن هذه الشّدة من ابن ريس وسدنة الطغاة هي خاصة فيمن يسمونهم بالجماعات الحركية والتي تناوئ الاحتلال وحكوماته الوظيفية؟

ثم إن دفاع ابن ريس المستميت في الذود عن هذه الحكومات الطاغوتية والعلمانية ومن جاء بها الاحتلال، قابله اعتذاره المفرط للحكام والأنظمة التي أعرضت عن حكم الله ورسوله عمدا واستكبارا، ورفضت شرائع الإسلام اختيارا، وأعلنت الحرب على الله ورسوله بإباحة الربا والمحرمات جهارا، فيقول: (قول حاكم العبيسان: "أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع ". يقال على القول بأن التكفير به معتبر؛ إن التكفير بهذا هو مما اختلف فيه بين أهل العلم؛ والخلاف يمنع من تكفير الأعيان).([58])

وقال معتذرا لهم على قواعده الإرجائية: (على فرض القول بصحة تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله إلا أنه لا يصح تكفير أعيان الحكام لأمرين: الأول: إن التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله تكفير بمسألة خلافية، ومن المتقرر شرعا أنه لا يصح تكفير الأعيان بما اختلف وتنازع فيه أهل العلم؛ لأنه يعتبر تأويلا يمنع تكفير المعين. الأمر الثاني: قد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله مضطرا).([59])

فهلا منع هذا الاختلاف المزعوم من تبديعه للدكتور حاكم ودعاة الخطاب الراشدي الذين يبينون حكم الإسلام في هذه الحكومات وينقلون كلام أهل العلم فيهم!

حقيقة دعوة ابن ريس في طاعة الطغاة أن يكون الدين لغير الله:

والخلاصة أن حقيقة هذه الدعوة التي يروجها أصحاب الخطاب الديني المبدل من الجماعات الوظيفية وسدنة الطغاة هي مصادمة مصادمة تامة مع الغاية التي من أجلها بعث الله بها رسوله محمد - صلى الله عليه وسلـم - كما قال سبحانه في ثلاثة مواضع في كتابه: {هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله}.فالغاية ظهور دين الله وظهور كلمته وأمره ونهيه في الأرض بين الناس، أما ما يدعون له أصحاب الخطاب الديني المبدل بأن الإسلام يقر هؤلاء الطغاة أن يحكموا بغير حكم الإسلام، وأن تكون لهم الملكية على عباد الله، وأن تكون الطاعة والأمر والنهي لهم مع إعراضهم عن حكم الله ورسوله ورفضهم لشرائع الإسلام، وإباحتهم لما حرم الله، وأنّ على الأمة الرضا بهم والتسليم ديانة وباسم عقيدة أهل السنة، فهذه الدعوة في حقيقتها هي لإظهار لكلمة الطغاة وأن تكون كلمتهم هي العليا وأن يكون الدين لهم!

فأصبحت هذه الدعوة تقاتل في سبيل الطاغوت لتكون كلمته هي العليا {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} وأما أهل الإيمان فهم يقاتلون لتكون كلمة الله هي العليا، وتكون الطاعة والدين له وحده كما قال سبحانه: {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}. قال ابن جرير في تفسير: {ويكون الدين كله لله}، قال: (حتى تكون الطاعة والعبادة كلها لله خالصة دون غيره).([60]) وقال: (الدين، الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، من ذلك قول الأعشى: هو دان الرباب، إذ كرهوا الدين، دراكا بغزوة وصيال، يعني بقوله: "إذ كرهوا الدين"، إذ كرهوا الطاعة وأبوها).([61]) وقال في تفسير قوله تعالى: {إن الدين عند الله الإسلام} قال: (ومعنى "الدين"، في هذا الموضع: الطاعة والذلة... فإذ كان ذلك كذلك، فتأويل قوله: "إن الدين عند الله الإسلام": إن الطاعة التي هي الطاعة عنده، الطاعة له، وإقرار الألسن والقلوب له بالعبودية والذلة، وانقيادها له بالطاعة فيما أمر ونهى).([62]) وفي تفسير قوله تعالى: {ولا يدينون دين الحق}، قال: (ولا يطيعون الله طاعة الحق، يعني: أنهم لا يطيعون طاعة أهل الإسلام (من الذين أوتوا الكتاب)، وهم اليهود والنصارى. وكل مطيع ملكا وذا سلطان، فهو دائن له. يقال منه: دان فلان لفلان فهو يدين له، دينا).([63]) وفي تفسير قوله تعالى: {ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك}. قال: (وأصل "الدين"، الطاعة).([64])

وقد عدّ الصحابة القتال على الملك من القتال الذي يكون فيه الدين لغير الله، جاء عن ابن عبد الله بن عمر أنه أتاه رجلان في الفتنة التي حصلت بين الصحابة فقالا له: (إن الناس صنعوا وأنت ابن عمر وصاحب النبي - صلى الله عليه وسلـم -  فما يمنعك أن تخرج فقال: يمنعني أن الله حرم دم أخي فقالا ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة) فقال: قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين لله وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير الله).([65]) وبمثل هذا الجواب كان من سعد بن مالك كما في صحيح مسلم عندما قال له رجل: ( ألم يقل الله (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) فقال سعد: قد قاتلنا حتى لا تكون فتنة وأنت وأصحابك تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة).([66])

فهذا كلام الصحابة في حكم القتال فيما حصل من خلاف بين أهل الإسلام، فكيف بمن يوجب على المسلمين القتال مع الطاغوت والطوائف الممتنعة ومن جاء بهم الاحتلال باسم السلفية والسنة كابن ريس!

وقد نقل ابن جرير بسنده عن وهب بن منبه فيما يوحيه الله لأحد أنبيائه من بني إسرائيل: (وإن هؤلاء القوم قد رتعوا في مروج الهلكة. أما أحبارهم ورهبانهم فاتخذوا عبادي خولا ليعبدوهم دوني وتحكموا فيهم بغير كتابي حتى أجهلوهم أمري، وأنسوهم ذكري، وغروهم مني. أما أمراؤهم وقاداتهم فبطروا نعمتي، وأمنوا مكري، ونبذوا كتابي، ونسوا عهدي، وغيروا سنتي، فادان لهم عبادي بالطاعة التي لا تنبغي إلا لي، فهم يطيعوهم في معصيتي، ويتابعونهم على البدع التي يبتدعون في ديني جراءة علي وغرة وفرية علي وعلى رسلي، فسبحان جلالي وعلو مكاني، وعظم شأني، فهل ينبغي لبشر أن يطاع في معصيتي، وهل ينبغي في أن أخلق عبادا أجعلهم أربابا من دوني)!([67])

في هذا الخبر الذي سخط الله على أهل الكتاب، وهو شبيه لحال المسلمين اليوم من تحريف السدنة للدين؛ لتعبيد الناس للملوك والطغاة، وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلـم - حينما قال: (لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا: يا رسول الله اليهود والنصارى؟ قال فمن!).([68])

وللحديث بقية مع الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية!  


 


( (1لقاء مع قناة (فوكس نيوز) الأمريكية.

( (2مقابلة على قناة (بي بي إس) الأمريكية.

3)) الحرية أو الطوفان ص 66.

4)) ص337.

( (5ص16.

)6) رواه أبو داود (4957) وصححه الألباني.

( (7شرح الطحاوية (1/228).

( (8الفصل في الملل والأهواء والنحل (3/125).

( (9إعلام الموقعين (1/40).

10)) قواعد الأحكام (2/158).

( (11تيسير العزيز الحميد شرح كتاب التوحيد ص494.

( (12فتاوى ابن إبراهيم (12/265).

( (13فتاوى ابن إبراهيم (6/157).

)14) تفسير سورة التوبة الصوتي للشنقيطي.

(15) أضواء البيان (7/53).

)16) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص35.

(17) مجموع الفتاوى (28/614).

(18) من فتاوى الشيخ في موقع الإسلام اليوم.

(19) وجوب تحكيم شرع الله ونبذ ما خالفه ص6.

)20) شرح رياض الصالحين (1/68).

21)) فتاوى ابن عثيمين (2/140).

( (22فتاوى اللجنة الدائمة - المجموعة الأولى (1/747).

23)) البرهان في علوم القرآن (ص 213) للعلامة أبي الحسن الحوفي المتوفى 430ه.

)24) البحر المحيط (6/278) وانظر صوارم الأقلام للدكتور حاكم المطيري.

)25) تفسير السعدي (ص 398).

)26) تفسير المنار (12/254).

)27) التحرير والتنوير (12/277).

 (28) محاسن التأويل (6/177).

29)) تفسير الطبري (17/413).

30)) مجموع الفتاوى (14/171).

)31) المستصفى في علم الأصول ص 8.

)32) شرح الكوكب المنير (1/300) وراجع كتاب تحرير الإنسان للدكتور حاكم المطيري.

( (33ص105.

( (34ص124.

( ([35]ص83.

( ([36]ص83.

( ([37]ص84.

( ([38]الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/84).

( ([39]الفصل في الملل والأهواء والنحل (4/72).

( ([40]شرح مسلم (9/47).

( ([41]الحرية أو الطوفان ص73.

)42) ص348

)43) ص348.

( ([44]ص259.

( ([45]الحرية أو الطوفان ص353.

( ([46]ص206.

( ([47]ص407.

( ([48]المفهم لما أشكل من تلخيص صحيح مسلم (12/89).

( ([49]مجموع الفتاوى (35/386).

(50) مجموع الفتاوى (22/51).

( ([51]مجموع الفتاوى (28/557).

)52) تفسير ابن كثير (3/131).

)53) عمدة التفسير (1/697).

45)) الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني (11/5752).

55)) مجموع الفتاوى لابن باز (1/305).

)65) الدرر السنية (16/228).

57)) فتوى رقم (7796) برئاسة الشيخ ابن باز.

( ([58]ص348.

( ([59]ص86 وص89.

( ([60]تفسير الطبري (13/548).

( ([61]تفسير الطبري (3/571).

( ([62]تفسير الطبري (6/275).

( ([63]تفسير الطبري (14/198).

( ([64]تفسير الطبري (16/190).

( ([65]صحيح البخاري (4513).

( ([66]صحيح مسلم (287).

( ([67]تفسير الطبري (17/379).

( ([68]صحيح البخاري (3456).

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ