الإثنين 1439/01/05 هـ
الأخبار ||

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا

الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا
7/13/2017 8:22:17 PM
الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية كتاب عبد العزيز الريس نموذجا

الثورة العربية

وأباطيل الجماعات الوظيفية

كتاب عبد العزيز الريس نموذجا

بقلم: محمد بن مبارك الهاجري

(1)

مقدمة :

الحمد لله ربّ العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله، الإله الحق المبين، وأشهد أنّ نبينا محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليما كثيرا، أما بعد :

فهذه تعليقات مختصرة على بعض ما كتبه د.عبد العزيز الريس من استدراكات على كتاب (الحرية أو الطوفان) لفضيلة الشيخ أ.د. حاكم المطيري أمين عام (مؤتمر الأمة)، ورئيس (حزب الأمة) في الكويت -حفظه الله ورعاه ونفع به وقواه- والذي أسماها : (استدراكات على كتاب الحرية والطوفان لحاكم العبيسان).

وقد أخطأ في عنوان كتاب الدكتور حاكم الذي هو: (الحرية أو الطوفان)، وليس : (الحرية والطوفان)، كما عنونه الريس فكلمة "أو" هنا للتخيير، فإما أن تنال الشعوب الإسلامية حريتها وكرامتها واستقلالها، أو يكون الطوفان الذي يزيل الطغاة والمستبدين، وتتحرر به الشعوب والمستضعفون، وقد حصل هذا الطوفان بعد ست سنين من تأليف الكتاب في ثورة الأمة على الطغاة، والتي اشتعلت شرارتها في تونس على يد البوعزيزي -رحمه الله- وأسقط الشعب فيها عرش أول طاغية على يد المستضعفين، فهرب منهم ابن علي خائفا وهو ذليل، ومما أحزن الموحدين والمؤمنين؛ أنّ هذا المجرم الهارب عدو الله ورسوله، لم يجد له في العالم كله مأوى ولا مأمنا، إلا في جزيرة العرب مهد الوحي ومهبط الرسالة!

 ثم اندفع الطوفان بعد ذلك واستمر ليجرف بقية أكابر المجرمين، فسقط منهم من سقط، وسحل منهم من سحل، واستمر الطوفان في طريقه لإسقاط العصابة الباقين لولا أن تدخلت أمم الغرب بقيادة أمريكا وروسيا وأعلنوها حربا صليبية، واستنفروا طاقاتهم واستخدموا أنظمتهم الوظيفية ومؤامراتهم وحروبهم بالأسلحة الفتاكة، في مواجهة شعوب الأمة؛ لينقذوا دولهم التي أقاموها ونصبوها على أنقاض الخلافة، وليقمعوا تحرر العرب، ويمنعوا استقلالهم وخروجهم من قبضتهم والتبعية لهم وصدق الله : {ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم}، وقد جمعوا قوتهم ومكرهم {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال}، ولا يزالون يقتلون الأبرياء، ويسفكون الدماء، ويهجرون الملايين ويحاصرونهم في الشام والعراق واليمن وليبيا ومصر، والأمة صامدة ثابتة بتثبيت الله لها حتى يأتي أمر الله {وما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم} ولسان حال الأمة وهي تواجه هذا كله، إما (الحرية أو الطوفان)!

 وهذه المواجهة التي تعيشها الأمة اليوم وهي تخوض حرب التحرر من أعدائها،كما أنها من السنن الكونية البشرية، هي أيضا من العقيدة الإسلامية التي نص الله عليها في القرآن، فموقف الإسلام من الطغاة واستعباد الشعوب واضح -فضلا عن الاحتلال الخارجي ووجوب جهاده- إلا أنّ الجماعات الوظيفية، ودعاة الخطاب الديني المبدل، لا زالوا يلبسون على الناس -والأمة تخوض معركتها التاريخية مع الاحتلال والطغاة؛ من أجل استعادة حريتها وكرامتها وسيادتها- بأنه لا حاجة للإصلاح السياسي وإصلاح السلطة، وإقامة الدولة؛ لأنّ الإسلام جاء بالتوحيد والدعوة إليه، وهذا ممكن في ظل الاحتلال وحكم الطغاة؛ ولذا كانت دعوة الأنبياء إلى التوحيد وليست للإصلاح السياسي وإقامة الدول! حتى قال بعضهم : (‏جاء أنبياء الله عليهم السلام إلى أقوام عندهم استبداد سياسي {ما أريكم إلا ما أرى} فكان أول ما دعوهم له هو "توحيد الله " وليس الحرية السياسية)!

فمن ما ذكره الله من مواجهة الطغاة والدعوة لتحرير الشعوب، ما جاء في القرآن وتكرر عن دعوة موسى عليه السلام والتي جاء بها ليحرر بني إسرائيل الموحدين المستضعفين من ظلم و طغيان فرعون وملئه فقال : {وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل} وقال الملأ من قوم فرعون: {أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون} فبنو إسرائيل عبيد لفرعون وملئه مع أنهم على التوحيد ودين أبيهم إسرائيل!

فدعا موسى لتحريرهم من هذه العبودية وإنقاذهم من هذا الطغيان والعذاب : {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم}. وقال : {أن أدوا إلي عباد الله}.

وقد جاء الإسلام أيضا ليحرر البشر من الطغاة ومن جميع أشكال الطغيان، ابتداء من الملأ من قريش وفرعونهم أبي جهل، إلى الملكية القيصرية والكسروية والجبرية وغيرها، كما قال ربعي بن عامر لكسرى : (أتينا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد).

 فتحرير المستضعفين من الطغاة والأرباب البشرية من تحقيق التوحيد لله، وإعلاء كلمة لا إله إلا الله :{قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون}.

فهذا اسم الكتاب وهذا معناه وليس كما عنونه ابن ريس وكرره بجميع استدراكاته!

وسوف أقوم بكشف أباطيل عبد العزيز الريس في ترويجه للدين المبدل الذي يناقض كلمة التوحيد، والتي سوغ فيها للاحتلال والطغاة ليستمروا باستعباد الأمة واحتلالها وكل هذا الباطل الذي يروجه باسم السلفية وأهل السنّة والجماعة، وهما براء منه ومن دينه المبدل، حيث يقول مستدركا على كلام د. حاكم: (اشترط -يعني د حاكم المطيري- السمع والطاعة للحاكم المسلم القوي الذي لا يخاف من قوى أعظم كفرية، أو لحاكم لا يسير على مخططات الغرب، وهذا اشتراط باطل لسببين :

الأول : أن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره، وكذلك إجماعات أهل السنّة!

والسبب الثاني : أن الحكمة التي شرع من أجلها السمع والطاعة تتحقق مع وجود الحكومات بهذه الحالة). يعني التي يأتي بها المحتل!([1])

فلا يحتاج العدو المحتل أكثر من هذا الخطاب الديني المبدل، ليظل يحكم العالم الإسلامي من خلال أنظمته، ولا يواجه جهادا ولا حرب تحرير، وهو قول القاديانية نفسه!

هذا والله أسأل التوفيق والسداد، وأن يتقبل منا هذا السهم في سبيله، وجهد المقل في المشاركة والذود عن الأمة ودينها وثورتها وعلمائها ومجاهديها.

استنكاف الريس من الحرية ونصرته للدكتاتورية:

قال الريس في بداية استدراكاته : (إن كتاب (الحرية والطوفان) من الكتب المخالفة لأهل السنّة في أصل السمع والطاعة، فاشترك في الجملة مع الكتب السرورية في هذه المخالفة، لكن زاد عليهم أمورا تجعل منهجه منهجا قريبا لليبرالية)!([2])

وقال فيه : (لم يستطع أن ينقل عن عالم واحد من علماء الأمة سلفا له فيما يدعيه من الحرية، وهذا ليس غريبا لأنها أشبه بالليبرالية منها بالإسلام)!([3])

وقال عن مؤلفه : (قد شغل نفسه وأضاع وقته في تتبع السياسات والدعوة إلى حرية أشبه ما يصح أن تسمى ليبرالية)! ([4])وقال : (دعوته إلى الحرية المفرطة والتي منها عدم إنكار المنكر، والسماح بالفساد الشبهاتي والشهواني باسم الحرية)! ([5])

 

هكذا يقرر الريس في مقدمة استدراكاته، ويعلن الحرب على الحرية وأنها ليست من الإسلام، ليظهر بجلاء الهدف من كتابه كله، وهو تجويز استعباد الطغاة للأمة وشعوبها، بينما يقول العلامة السعدي عن الحرية: (والآيات التي فيها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتكلم بالحق، مع من كان وفي أي حال من الأحوال. وكذلك ما فيها من النهي عن الظلم، فيه إرشاد لإعطاء الناس الحرية النافعة التي معناها التكلم بالحق، والدعوة إلى الصالح للأمة، وفي الأمور التي لا محظور فيها.. إن ميزان الحرية الصحيحة النافعة هو ما أرشد إليه القرآن والنبي r).([6])

ويقول العلامة السلفي عبد الحميد بن باديس : (إن العقل السليم يقرر أن حق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ماعنده من حياة، هو مقدار ما عنده من حرية، ومن تعدى عليه في شيء من حريته، كمن تعدى عليه في شيء من حياته، وبالمقابل نجد أن الشعوب المستعبدة التي فقدت حريتها في الحياة تفسد فطرتها ويموت شعورها، حتى تجهل ما لايجهله أحد، وتزهد فيما لا يزهد فيه إنسان، ولا يكون هذا في عامة سوادها فقط، بل يكون لدى أفراد متعلمين منها؛ فتنقلب عليهم الحقائق ويقلبونها ويكابرون، بل يحاربون من يريهم شيئا من الحقيقة ويدعوهم إليها. فالأمة – أي أمة- لا يمكن لها أن تتطور وتزدهر وترتقي، وتنتفع بقيمتها، إلا إذا طبقت معاني الحرية، في حياة أفرادها)! ([7])

ويقول عن الحرية : (هي طبيعة في الوجود، وحق شرعي لكل إنسان... والإنسان إنما هو إنسان ما دام يتمتع بالحرية،فحق كل إنسان في الحرية كحقه في الحياة، ومقدار ما عنده من حياة هو مقدار ما عنده من حرية، المتعدي عليه في شيء من حريته كالمتعدي عليه في شيء من حياته).

وقال أيضا في الحرية : (ويتهالك من أجلك الأبطال، وتسفك في سبيلك الدماء، وتدك لسراحك القلاع والمعاقل. فنحن ضد أضداد الحرية، وأعداء أعداء الحرية ونقاوم من يقاوم الحرية، سواء كان من أهل البرانيس أو من أهل البرانيط)! ([8])

وحذر ابن ريس -في كتابه- من السياسة ونفّر منها، وعدّ الانشغال بها من تضييع الأوقات والأعمار بما لا ينفع ، حتى قال هو وجماعته من السياسة ترك السياسة كما يقرره دينهم المبدل!

وقد كذبوا في ذلك فهم لم يتركوا السياسة منذ أن نشأت جماعاتهم الوظيفية برعاية حكومية، فلا يزالون يناصرون سياسات الطغاة وحكوماتهم بكل ما استطاعوا.

بينما السياسة في الشرع المنزل هي وظيفة الأنبياء والخلفاء وأتباعهم؛ كما أخبر بذلك النبي r كما في الصحيحين : (كانت بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون).([9])

قال ابن القيم : (فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به الأرض والسموات، فإذا ظهرت أمارات العدل وأسفر وجهه بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة وأبين أمارة فلا يجعله منها ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين وليست مخالفة له، فلا يقال إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع بل هي موافقة لما جاء به بل هي جزء من أجزائه ونحن نسميها سياسة تبعا لمصطلحهم وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلمات).([10])

وقال : (السياسة نوعان : سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم الفاجر فهي من الشريعة علمها من علمها وجهلها من جهلها).([11])

فيدخل في مباحث السياسة التي انشغل بها المصلحون والمجاهدون اليوم مسائل من أصول العقيدة والتوحيد والشريعة، مثل الحاكمية والطاعة والتشريع والخلافة ووحدة الجماعة وإقامة القسط وغير ذلك.

فهذه السياسة التي يستنكف منها ابن ريس وجماعته، أما سياسة الأنظمة الجبرية والديكتاتورية التي تحكم بالطاغوت وتتحاكم إليه، وتستعبد المؤمنين، وتوالي أعداء الإسلام، وتتآمر على المسلمين في كل مكان، وتحارب الله ورسوله بإباحتها للربا وغيره، وتنشر الفساد في إعلامها ليل نهار، فمع هذا كله هي أنظمة على التوحيد والسنّة، و يجب الدعاء لها والذود عنها والولاء والعداء فيها {تلك إذا قسمة ضيزى}!

ولذا لم يستطع ابن ريس أن يخفي هذه الحقيقة طويلا، فبعد أن نفّر من كلمة الحرية، وضّح سبب شدّة غيضه وغضبه عليها فقال : (غلوه في الحرية فجعل للكفار والمبتدعة حقهم في الدعوة إلى باطلهم، وليس للحكام حقهم في منعهم من ذلك).([12])

وقال : (هذا نفس خارجي معروف، فيه تكفير للحكومات الإسلامية اليوم، وأنها تعيش حالة الكفر البواح، ولو اقتصر عليه لكفاني عناء الرد عليه).([13])

وقال ابن ريس : (فهو يتكلم عن حرية شيطانية، ويزعم أنّ الشريعة جاءت بها، وأنى لشريعة الرحمن أن تأتي بما يوسوس به الشيطان. ففي كلامه هذا أمور عدة : الأمر الأول: أنه بمقتضى الحرية الحقة – في زعم الدكتور- إذا عرف السلطان من يريد الانقلاب على الحكم والمكيدة له، ولو كانوا جماعة فإنه يتركهم).([14])

وقال : (الزعم بأن الديمقراطية عدل هو زعم باطل؛ لأنها قائمة على تحكيم الأكثرية، ويترتب على هذا ضياع حق الأقلية وإهدار قدرات الأكفاء؛ لأنّ العبرة بالأكثرية لا بالأميز؛ ففي دول الديمقراطية يسود التجار والأكثر قبلية واتباعا بحسب كل دولة).([15])

فهذه غاية ابن ريس ومن على طريقته في النضال لحماية الأنظمة الديكتاتورية، والملكيات الوراثية، والأنظمة التي تدعي الإسلام ويسميها ابن ريس دول التوحيد والسنّة، ولو حكمت بالطاغوت وتحاكمت إليه، والتي أقل أحوالها أنها تبيح المحرمات كالربا وتمتنع عن شعائر الإسلام الظاهرة، وهي التي يطلق عليها الفقهاء الطوائف الممتنعة كما بين ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في حكم هذه الطوائف ذات الشوكة التي تمتنع عن بعض شرائع الإسلام، وما يجب فيها، وإن كانت تقر بتحريمه، حيث قال : (كل طائفة ممتنعة عن شريعة واحدة من شرائع الإسلام الظاهرة، أو الباطنة المعلومة، فإنه يجب قتالها، فلو قالوا : نشهد ولا نصلي قوتلوا حتى يصلوا، ولو قالوا : نصلي ولا نزكي قوتلوا حتى يزكوا، ولو قالوا : نزكي ولا نصوم ولا نحج، قوتلوا حتى يصوموا رمضان . ويحجوا البيت . ولو قالوا : نفعل هذا لكن لا ندع الربا، ولا شرب الخمر، ولا الفواحش، ولا نجاهد في سبيل الله..كما قال تعالى : {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله}. وقد قال تعالى : {يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين}، {فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله }، والربا آخر ما حرم الله، وكان أهل الطائف قد أسلموا وصلوا وجاهدوا، فبين الله أنهم إذا لم ينتهوا عن الربا، كانوا ممن حارب الله ورسوله).([16])

وقال ابن تيمية : (... فأيّما طائفة امتنعت ..عن التزام تحريم الدماء، والأموال، والخمر، والزنا، والميسر، أو عن نكاح ذوات المحارم، أو عن التزام جهاد الكفار، أو ضرب الجزية على أهل الكتاب، وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرّة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء، وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السُنن .. فأمّا الواجبات والمحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها، وهؤلاء عند المحققين من العلماء ليسوا بمنزلة البغاة... فهم خارجون عن الإسلام).([17])

وقال أيضا : (يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة؛ مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه أو عن صيام شهر رمضان أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله، كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانعي الزكاة).([18])

فهذا حكم الطوائف الممتنعة في الإسلام وهي أقل أحوال هذه الأنظمة التي يشرعنها ابن ريس ومن على طريقته، فكيف وإن جمعوا مع ذلك إعلان البراءة من حكم الإسلام، ووالوا أعداءه ونصروهم، بل كيف وإن جاءت هذه الأنظمة مع الاحتلال وحكمت المسلمين؛ كما سيأتي؟

فلا عجب أن يستنفر ابن ريس وسدنة الأنظمة المعاصرة من دعاة الخطاب الديني المبدل؛ لمحاربة كتاب (الحرية أو الطوفان) وتشويه سمعة كاتبه الذي يجدد الخطاب النبوي والراشدي للنظام السياسي الإسلامي ويبين حقوق الأمة؛ فهذا كله مما يهدم تنظيراتهم التي بنوها في شرعنة هذه الأنظمة، فاجتمعوا لمحاربة الكتاب وصاحبه {وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد}!

ثم يقال للريس الذي يحذر من الديمقراطية؛ ويدعي خوفه على حقوق الأقلية من استبدال الأكثرية كالقبائل في الجزيرة العربية؛ هل هذا انتصار منه للعدالة أم هذا من التشويش والتحريف نصرة للدكتاتورية التي ترفض الديمقراطية؟

فإن قال للعدالة والحق، فالسؤال الذي يوجه إليه، ما حكم استبداد الأسر الحاكمة بالسلطة والمال دون الأكثرية؟

وما حكم من يدافع عن هذا الاستبداد باسم السنّة والسلفية؟

 

شبه ابن ريس الإرجائية لتجويز الأنظمة الطاغوتية:

حذر الله تعالى -بعد أن أمر بطاعة أولي الأمر من المؤمنين- من الطاغوت ومن يحكمونه ويتحاكمون إليه فقال : {ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به} وقال : {فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم 0 الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات} وقال : {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} وقال {اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون}. وقال : {أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي}.

قال ابن جرير الطبري في تعريف الطاغوت : هو (من يعظمونه، ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله).([19])

 وقال ابن كثير : (والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنّة، وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا).([20])

وقال ابن تيمية : (وهذه حال الذين أوتوا نصيبا من الكتاب الذين يؤمنون بالجبت والطاغوت وحال الذين يتحاكمون إلى الطاغوت من المظهرين للإيمان بالله ورسله فيها من حال هؤلاء، والطاغوت كل معظم ومتعظم بغير طاعة الله ورسوله)([21])، وقال (والمطاع في معصية الله والمطاع في اتباع غير الهدى ودين الحق...هو طاغوت؛ ولهذا سمي من تحوكم إليه من حاكم بغير كتاب الله طاغوت وسمى الله فرعون وعادا طغاة).([22])

وقال الشيخ محمد بن عبد الوهاب : (الطاغوت عام في كل ما عُبد من دون الله ورضي بالعبادة من معبود، أو متبوع، أو مطاع في غير طاعة الله ورسوله فهو طاغوت. والطواغيت كثيرة ورؤوسهم خمسة : الثاني : الحاكم الجائر المغير لأحكام الله، والدليل قوله تعالى : { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم ءامنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالاً بعيداً}.

الثالث : الذي يحكم بغير ما أنزل الله، والدليل قوله تعالى : {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}).([23])

وقال الشيخ محمد حامد الفقي : (الذي يستخلص من كلام السلف أن الطاغوت كل ما صرف العبد وصده عن عبادة الله وإخلاص الدين والطاعة لله ولرسوله... ويدخل في ذلك بلا شك الحكم بالقوانين الأجنبية عن الإسلام وشرائعه وغيرها... والقوانين نفسها طواغيت, وواضعوها ومروجوها طواغيت... إما قصدا أو من غير قصد من واضعه، فهو طاغوت).([24])

فمن افتراءات ابن ريس على عقيدة أهل السنّة والجماعة، ومن تأصيلاته الإرجائية الخطيرة، زعمه بشرعية كل من تسلط على الحكم والرئاسة في أي بقعة كانت من بلاد المسلمين، وحكمهم بأي نظام كان، حتى لو فرض على الأمة وشعوبها حكم الطاغوت الذي أوجب الله الكفر به، ودعا للتحاكم إليه، وأعرض عن حكم الله ورسوله، وامتنع عن شعائر الإسلام الظاهرة، وحارب الله ورسوله بإباحة المحرمات؛ فهو في ذلك كله ظل الله في الأرض الذي تجب موالاته وطاعته وبيعته، ما دام ينطق الشهادتين ويدعي أنه مسلم، ومن اعترض عليه فضلا عن من تبرأ منه؛ فهو خارجي ضال!

وهذه طريقة المرجئة وسدنة الطغاة في إباحة أي نظام للحكم ما دام رأس الحكم يدعي الإسلام،  كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية عنهم : (من يبيح الملك مطلقا من غير تقيد بسنة الخلفاء كما هو فعل الظلمة والإباحية والمرجئة).([25])

فلا تسقط شرعيته –عند ابن ريس- وطاعته وموالاته إلا أن يحكم بردته ويكفر بعينه، ودون ذلك عنده خرط القتاد!

 ولذا فقد أصل ابن ريس الكثير من القواعد الإرجائية، والشبه الشيطانية، والتأويلات البدعية، التي تحمي كل من حكم المسلمين من الطغاة، وتعصمه من الكفر، حتى وإن أظهر الكفر البواح الذي يراه الناس، وجاهر به وشرعه لهم؛ فكل هذا لا يضره ما دام أنه يدعي الإسلام!

وقد عرف عن ابن ريس بمجازفاته في تأصيل هذه القواعد البدعية الإرجائية، حتى وصل به الحال أن قال : (إن الرجل لو قصد وتعمد السجود بين يدي الصنم طمعا في دنيا، وصرح بلسانه أنه يقصد عبادته، فإنه لا يقطع بكفره بالباطن).([26])

وقد حذر منه علماء بلده -من الذين يتمسح بهم- ومن كتاباته، ككتاب (الإلمام) و (القواعد الإلهية)، ومنهم من جرحه بأنه من المرجئة بل من غلاتهم، كالمفتي العام الشيخ عبد العزيز آل الشيخ، والشيخ عبد الله بن خنين عضو لجنة الإفتاء وغيرهم.([27])

وقد سئل المفتي عبد العزيز آل الشيخ عن قول ابن ريس في كتابه الإلمام (من قتل نبيا أو أهان مصحفا فإنه لا يكفر إلا بعد توفر الشروط وانتفاء الموانع)، فقال آل الشيخ : (عنده إرجاء شديد نصحته لكن الله يهديه).([28])

 ومن هؤلاء الذين بينوا إرجاءه الشيخ صالح الفوزان حيث سئل عن كتاب (الإلمام في شرح نواقض الإسلام) وما ذكر فيه مؤلفه أنّ العذر بالجهل عام في كل مكفر، وأنّ المشرك الذي يعبد غير الله إذا كان ممن ينتسب للإسلام وينطق بالشهادتين... فقال الشيخ الفوزان مقاطعا السؤال : (هذا إرجاء هذا قرأناه أدركنا أنه كتاب إرجاء، هذا الكتاب يجب أن يصادر و لا يغتر به).([29])

وسئل الشيخ عبد العزيز الراجحي : عن (هذا الرجل المفتون، الذي يقول : إن المشرك يسمى موحدا مادام أنه جاهل، وهذا الرجل أحسن الله إليك اسمه عبد العزيز الريس مشرف على موقع الإسلام العتيق فما ردكم؟

قال الشيخ : هذا باطل، المشرك لا يسمى موحدا، الذي يعمل الشرك . ولكنه يقال : عمله شرك، أما هو فإذا لم تقم عليه الحجة فأمره إلى الله، لكن لا يسمى موحدا، وهو يفعل الشرك . هذا قول باطل؛ أن المشرك يسمى موحدا! مادام يفعل الشرك فلا يسمى موحدا، و لا يُدعى له، و لا يُترحم عليه، و لا يُتصدق عنه، وأمره إلى الله عز وجل).([30])

فمن تطبيقات ابن ريس الإرجائية في مسألة الإمامة هنا، حصره سقوط شرعية الحاكم بكفره بعينه، فما دام مسلما فهو إمام شرعي مهما عطل من شرائع الإسلام، المخالف لذلك على طريق الخوارج!

 قال ابن ريس في استدراكاته : (قول حاكم العبيسان : "أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع". تقدم أن التكفير بهذا قول الخوارج).([31])

وقال ابن ريس : (الأمر الثاني : ذكر القاضي أنه يخرج عليه إذا غير الشرع . هذا لفظ مجمل إن أراد أنه غيره تغييرا كفريا؛ بأن صار الحاكم كافرا فصحيح).([32])

 وقال أيضا : (تقييد الطاعة بالصلاة وإقامتها يفسرها حديث عبادة لما قال رسول اللهr : "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان"، فالمراد ترك الصلاة على وجه كفري عندنا من الله فيه برهان بدلالة حديث عبادةالذي لم يجز الخروج إلا عند الكفر البواح).([33])

والكفر البواح عند ابن ريس يرجع فقط لكفر الحاكم بعينه، خلافا لنص الحديث الذي يرجعه لفعل الكفر وظهوره بين الناس، قال ابن ريس معلقا على حديث : (إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان) قال : (إذا ثبت كفر الحاكم فإنه لا يخرج عليه إلا عند القدرة).([34])

وقال : (أهل السنّة والجماعة يقررون حرمة الخروج على الحاكم الفاسق الظالم أو المبتدع ما دام مسلما، ويوجبون له السمع والطاعة في غير معصية الله، ويدل لهذا الأصل عدة أدلة : الدليل الأول : مقتضى الأدلة الدالة على وجوب السمع والطاعة للحاكم المسلم).([35])

وقال (قول حاكم العبيسان : "أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع". يقال " على القول بأن التكفير به معتبر؛ إن التكفير بهذا هو مما اختلف فيه بين أهل العلم ؛ والخلاف يمنع من تكفير الأعيان).([36])

وقال أيضا : (إذا ثبت كفر الحاكم فإنه لا يخرج عليه إلا عند القدرة).([37])

 فمهما صدر من كفر وتعطيل للشريعة وإعراض عن الإسلام، فهو حاكم شرعي تجب بيعته وطاعته ما لم يكفر بعينه!

فلا فرق عند ابن ريس بين الحاكم في نظر الشرع والحاكم بحكم الواقع أو اللغة، فهو في ذلك كمن لا يفرق بين العالم بالشرع والعالم بالسحر، فكلاهما فاضل!

والفقهاء ينقلون الإجماع على وجوب الخروج على الحاكم إذا كفر، ويسقط عندهم الوجوب مع عدم القدرة، فمن قام به فقد أخذ بالعزيمة، بينما ابن ريس يحرم الخروج عليه ابتداء، وهو نقيض الإجماع تماما!

وصور ابن ريس أن الإسلام ليس له غاية في الدولة والإمامة، من إقامة كلمة الله والعدل بين الناس، والجهاد في سبيل الله، وإقامة أحكام الله، وإنما أصبحت الغاية عند ابن ريس هي الحفاظ على المنصب وعلى من تسلط عليه، وتحقيق خضوع الناس لهم وطاعة أوامرهم!

قال الشوكاني عن المراد بالإمامة والولاية في الإسلام : (لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق أمر الناس بطاعتهم ها هنا وطاعة الله عز وجل هي امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله r هي فيما أمر به ونهى عنه، وأولي الأمر : هم الأئمة والسلاطين والقضاة وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية).([38])

وقال : (فهذه الألفاظ تدل على أن المراد الإمامة الإسلامية، وأما أمر الجاهلية فقد انقرض ... ومعنى الخلافة معنى الإمامة في عرف الشرع، وهؤلاء الذين نص النبي r على خلافتهم هم الخلفاء الأربعة، وليس المراد بالإمامة هنا هو المعنى اللغوي الشامل لكل من يأتم به الناس ويتبعونه على أي صفة كان بل المراد الإمامة الشرعية).([39])

وقد حمى ابن ريس هذا التأصيل بقواعد إرجائية تحصن هذا الطاغوت وتشرعن حكمه، فمهما صدر منه فهو ظل الله في الأرض وسلطانه، ودولته دولة التوحيد والسنّة!

وصدق سعيد بن جبير عندما قال : (المرجئة يهود أهل القبلة)([40])، فإن اليهود مع موبقاتهم وعتوهم عن أمر الله قالوا : {نحن أبناء الله وأحباؤه}، وقالوا : {لن تسمنا النار إلا أياما معدودات}، ومع ذلك لعنهم الله وقال فيهم : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت}، وقال : {ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون 0 ذلك بأنهم قالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودات وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون}، وابن ريس يبشر الأنظمة التي أعرضت عن حكم الله، وحاربت الله بالربا وتشريع الكبائر وامتنعت عن شعائر الإسلام الظاهر، ووالت أعداء الله وحاربت أولياءه، بأنها على التوحيد والسنّة! {تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين}.

 ومن القواعد الإرجائية التي تحصن شرعية الطاغوت قوله : (لا تكفير بما هو مختلف فيه)، ويعني المسائل العقدية المنصوص عليها، كحكم الطاغوت والتحاكم إليه، ومناصرة المشركين على المسلمين ونحوها، قال ابن ريس : (على فرض القول بصحة تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله إلا أنه لا يصح تكفير أعيان الحكام لأمرين : الأمر الأول : إن التكفير بغير ما أنزل الله تكفير بمسألة خلافية، ومن المتقرر شرعا أنه لا يصح تكفير الأعيان بما اختلف وتنازع فيه أهل العلم ؛ لأنه يعتبر تأويلا يمنع تكفير المعين).([41])

وقال : (قول حاكم العبيسان : " أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع ". يقال " على القول بأن التكفير به معتبر؛ إن التكفير بهذا هو مما اختلف فيه بين أهل العلم ؛ والخلاف يمنع من تكفير الأعيان).([42])

ونسي ابن ريس أن الخلاف الفقهي الذي يحتج به على عدم كفر الحاكم المبدل للشرع، يمنع كذلك من تبديع من قال بأحد قولي الفقهاء، فعلى فرض أن اختلاف الفقهاء يمنع -كما يدعي ابن ريس- من تكفير الأعيان، فيجب أن يمنعه من تبديع د.حاكم المطيري الذي يحتج بالنصوص وبأقوال الفقهاء!

فعلى قاعدة ابن ريس من يحكم بالطاغوت، ويفرضه على الناس، ويرفض الإسلام وأحكامه، ويمتنع عن شعائره الإسلام الظاهرة، ويشرع القوانين التي تسمح بالربا والخمر والزنا، هو حاكم شرعي، أمر الله ببيعته وموالاته والخضوع له، ويحرم نقده والسعي إلى تغييره ؛ لأنه لا يمكن الوصول لتكفيره في هذه المسائل المختلف فيها!

وعلى قول ابن ريس يكون كلام ابن تيمية في وجوب جهاد التتار وكفرهم لامتناعهم عن أحكام الإسلام قولا باطلا، وكان على ابن تيمية أن يترك قول الخوارج هذا!

وتطبيقا لهذه القاعدة التي تبطل النصوص الشرعية في وجوب الخروج على الأئمة إذا لم يقيموا الصلاة، استدرك ابن ريس على قول الشيخ حاكم والذي فيه نقض لهذه القاعدة الإرجائية، حيث يقول د حاكم: (إن تركت السلطة الصلاة والدعوة إليها تسقط طاعتها ويشرع الخروج عليها، سواء قيل إن تركها كفر أو فسق لحديث : (أفلا ننابذهم بالسيف فقال لا ما أقاموا فيكم الصلاة).([43])

وقد قرر ابن ريس سابقا أن المسائل المختلف فيها وإن كانت أصولية لا يكفّر فيها، فمسألة تارك الصلاة من باب أولى!

فقال محاولا التملص من هذه النص النبوي الذي يبطل تأصيله : (المراد ترك الصلاة على وجه كفري... وقوله (أو فسق)، قد سبق رد القول بالخروج على الحاكم لفسقه بالأدلة وإجماع سلف هذه الأمة، ومن قال بالخروج على الحاكم لفسقه فقد ابتدع وضل).([44])

فأرجع ابن ريس الحكم لشيء غامض، ولا ندري ما يقصد بقوله (ترك الصلاة على وجه كفري)، فإن كان يريد الجحود، فإن الجاحد يكفر صاحبه وإن أقامها! وأما من يرى من الفقهاء أن ترك الصلاة فسق، وأخذ بالحديث في جواز على من ترك إقامة الصلاة من أئمة الجور، فهو - عند ابن ريس- ضال مبتدع على طريق الخوارج! وإن كان القائل هو الإمام مالك وأبو حنيفة وغيرهم من أئمة السنّة الذين قالوا بالخروج على أئمة الفسق والجور!كما سيأتي بيانه!

ومن قواعده الإرجائية البدعية التي أصلها لحماية الأنظمة الطاغوتية، أنهم وإن أظهروا الكفر البواح الذي لا يختلف عليه أحد، فهم حكام شرعيون تجب طاعتهم لأنهم مضطرون معذورون!

قال ابن ريس : (الأمر الثاني: قد يحكم الحاكم بغير ما أنزل الله مضطرا ؛ لأنه لو حكم بما أنزل الله لقام عليه قومه بالتآمر مع دول الغرب الكافرة لا سيما إذا كانت هذه الدول من الدول المستعمرة سابقا).([45])

ثم استدل بكلام لشيخ الإسلام ابن تيمية عن النجاشي .

والرد عليه من وجوه :

أولا: إقامة الإسلام وأحكامه ونظامه السياسي إنما تكون في دار الإسلام وبين المسلمين حيث الشوكة والسيادة، فإن كان البلد المسلم غير مستقل وتحت نفوذ الأعداء، فالواجب على المسلمين السعي لتحريره واستقلاله بكل وسيلة متاحة، وأما المسلمون في دار الكفر الذي لم يسلم أهله، فغير مطالبين أصلا بإقامة أحكام دار الإسلام والاستخلاف، وإنما الواجب في حقهم فروض الأعيان، وما أمكن من فروض الكفاية، والدعوة والإصلاح .

 فلا يصح الاستدلال بحال النجاشي الذي أسلم بين قوم كافرين وفي دار الكفر، وعمل ما يجب عليه من الدخول في الإسلام الذي دعي إليه، على أنظمة تحكم المسلمين، في دار الإسلام، وتكرههم على الحكم بغير الإسلام، إما موالاة للكافرين كما قال الله : {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين 0 فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دآئرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين}.

وإما طمعا بالدنيا وحفظا للعروش؛ كما قال الله : {من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم 0 ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين 0 أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون 0 لا جرم أنهم في الآخرة هم الخاسرون}.

ثانيا: ليس الكلام على فقه المقاربات، وفعل المستطاع من المسلمين المستضعفين كمؤمن آل فرعون، وإنما الإشكال هو شرعنة حكم الفراعنة والطغاة المجرمين أنفسهم، الذين يحاربون الإسلام في كل مكان، والادعاء أن الله أمرنا بطاعتهم والخضوع لهم لمجرد أنهم يدّعون الإسلام! بل وشرعنة حكم من وظفه العدو المحتل على المسلمين أيضا كما سيأتي!

ثالثا: قال الشيخ محمد بن إبراهيم : (وتحكيم الشرع وحده دون كل ما سواه شقيق عبادة الله وحده دون ما سواه)([46])، وقال الشنقيطي : (الإشراك بالله في حكمه, والإشراك به في عبادته كلها بمعنى واحد لا فرق بينهما البتة, فالذي يتبع نظاما غير نظام الله, وتشريعا غير ما شرّعه الله،وقانونا مخالفا لشرع الله, من وضع البشر معرضا عن نور السماء الذي أنزله الله على لسان رسوله كان يفعل هذا هو ومن كان يعبد الصنم ويسجد للوثن, لا فرق بينهم البتة بوجه من الوجوه فهما واحد فكلاهما مشرك بالله هذا أشرك في عبادته وهذا أشرك به في حكمه والإشراك به في عباده والإشراك به في حكمه كلاهما سواء).([47])

فالسؤال : هل سيعذر ابن ريس الحكام الذين يسمحون للناس بعبادة الأوثان والإشراك بها مع الله في العبادة والدعاء، بحجة الخوف والضرورة؟ وإن كان لا يجيز ذلك فما الفرق بين طاغوت الحكم وطاغوت العبادة ؟

ومن القواعد الإرجائية التي جاء بها ابن ريس لحماية الأنظمة الطاغوتية قوله : (إذا ثبت كفر الحاكم فإنه لا يخرج عليه إلا عند القدرة).([48])

ومن تطبيقاته العملية لهذه القاعدة البدعية، أنه أثّم وجرّم الشعب السوري الثائر الذي يجاهد الطاغية بشار الأسد ونظامه المجرم، وعدّ قتلاهم آثمين! ([49])

وفي الوقت نفسه نجد ابن ريس يشرعن للطغاة والمجرمين قتل المعارضين والثائرين!

قال ابن ريس : (إن كانت المعارضة لإسقاط حكم الحاكم وتفريق الكلمة فإن المعارض يقتل، أو كان المعارض يتبنى عقيدة الخروج على الحاكم المسلم، فإنه يستحق القتل؛ لأنه مبتدع).([50])

واستدل ابن ريس بالسنّة على جواز قتل الطغاة والمجرمين للثائرين فقال : (حديث "من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه". فهو دال على قتال من خرج على السلطان خروجا عمليا سياسيا بلا عقيدة الخوارج).([51])

فأنزلوا حديث النبي r الذي جاء في وحدة الأمة، وحماية صفها وإمامها الذي اختارته ورضيت به، ونزله على الطغاة والمجرمين؛ ليستبيحوا قتل المستضعفين والمعارضين!

 فأباحوا لكل طاغية في كل بقعة تسلط فيها على المسلمين؛ أن يقتل معارضيه باسم الإسلام وشريعته!

وبهذا التزوير وهذا التحريف أعلن الصوفي علي جمعة مفتي العسكر الانقلابيين المتغلبين! إباحة قتل وإبادة المعارضين والثائرين المصريين، باسم الله وباسم الدين! {كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا}.

والرد عليه من وجوه :

أولا: تنزيل نصوص الشريعة التي جاءت لحفظ بيضة الإسلام، ونظامه السياسي، وتنزيلها لحماية الطغاة والمجرمين وأولياء المحاربين، كاستدلال ابن ريس على جواز تقتيل المعارضين بحديث : (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه).([52])فهذا من اتباع المتشابه وتحريف الدين كما قال تعالى : {فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله}.

فهذه النصوص إنما تنزل في حال وحدة الأمة على إمام واحد ونظام واحد، وهذا الاعتصام الذي أمرت به الشريعة، ومن ذلك قول النبي r : (من أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع) وفي رواية (من أتاكم وأمركم جميع على رجل واحد، يريد أن يشق عصاكم، أو يفرق جماعتكم، فاقتلوه).([53])وقال : (إذا بويع لخليفتين، فاقتلوا الآخر منهما).([54])

 ولذا في حال الفرقة والاختلاف حتى في ظل حكم الإسلام وأمرائه، لا تجب البيعة كما جاء ذلك عن السلف، فكيف بحكم الطواغيت، ودويلات سايكس بيكو التي صنعها الاستعمار، ومن جاء على ظهر دبابة الاحتلال!

 قيل لعبد الله بن عمر ما يمنعك أن تبايع لعبد الله بن الزبير أمير المؤمنين قال : (والله ما كنت لأعطى بيعتي في فرقة ولا أمنعها من جماعة).([55])

قال الحافظ ابن حجر : (وكان عبد الله بن عمر في تلك المدة امتنع أن يبايع لابن الزبير أو لعبد الملك كما كان امتنع أن يبايع لعلي أو معاوية ثم بايع لمعاوية لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس وبايع لابنه يزيد بعد موت معاوية لاجتماع الناس عليه ثم امتنع من المبايعة لأحد حال الاختلاف إلى أن قتل بن الزبير وانتظم الملك كله لعبد الملك فبايع له حينئذ فهذا معنى قوله لما اجتمع الناس على عبد الملك).([56])

وعندما دعا ابن الزبير محمد ابن الحنفية ومن معه من أهل بيته، وسبعة عشر رجلا من وجوه أهل الكوفة، ومنهم الصحابي أبو الطفيل عامر بن واثلة ليبايعوه، امتنعوا وقالوا: لا نبايع حتى تجتمع الأمة. ([57])

(ولما جاء نعي يزيد في ربيع الآخر سنة أربع وستين دعا ابن الزبير ابن عباس ومحمد بن الحنفية إلى البيعة فأبيا حتى يجتمع الناس له). ([58])

وممن كان يمتنع عن البيعة حال الاختلاف والفرقة سعيد بن المسيب (فقد امتنع من بيعة ابن الزبير وقال: لا أبايع حتى يجتمع الناس. فضربه جابر بن الأسود عامل ابن الزبير ستين سوطا، فبلغ ذلك ابن الزبير فكتب إلى جابر يلومه وقال: ما لنا ولسعيد، دعه لا تعرض له).([59])

وقال الإمام أحمد مبينا معنى الإمام في شريعة الإسلام عندما (سئل عن حديث النبيr: "من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية" ما معناه؟ فقال : أتدري ما الإمام؟ الإمام الذي يجمع عليه المسلمون، كلهم يقول هذا إمام فهذا معناه).([60])

ثانيا: قول ابن ريس لا يخرج على الحاكم الكافر إلا عند القدرة، هذه عبارة بدعية باطلة فيها تحايل على إسقاط حكم شرعي مجمع عليه، وهو وجوب الخروج على النظام حال كفره، فيجب على الأمة القيام به ابتداء، ومع الضعف وعدم القدرة يجوز الأخذ بالرخصة حتى تتمكن، ويجب عليها السعي للقيام بهذا الواجب، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وإلا فهي آثمة.

أما ابن ريس فجعل الحكم ابتداء التحريم، وجوزه في حالات ضيقة يكاد يستحيل وقوعها، كعدم وجود سفك للدماء أو وقوع أي مفسدة، فأبطل بذلك هذا الحكم الشرعي! وأوجب الصبر على طاعة ولي الأمر الكافر والدعاء له، وإثم من خرج عليه كالشعب السوري الذين خرجوا على نظام الأسد!

قال القاضي عياض : (أجمع العلماء على أن الإمامة لا تنعقد لكافر، وعلى أنه لو طرأ عليه الكفر انعزل، قال وكذا لو ترك إقامة الصلوات والدعاء إليها ... فلو طرأ عليه كفر وتغيير للشرع أو بدعة خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه، ونصب أمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر، ولا يجب في المبتدع إلا إذا ظنوا القدرة عليه).([61])

وقال ابن حجر : (ينعزل بالكفر إجماعا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك، فمن قوي على ذلك فله الثواب، ومن داهن فعليه الإثم، ومن عجز وجبت عليه الهجرة من تلك الأرض).([62])

ثم إن القيام على الطاغوت نوع من أنواع الجهاد في سبيل الله كما قال تعالى : {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت} فيجب ولو اقتضى ذلك قتال وسفك دماء، فهو مشروع كجهاد العدو الخارجي، ولو حصل معه سفك للدماء وذهاب الأنفس والأموال؛ لما في ذلك من تتحقق مصالح الأمة الكلية، قال الشيخ سليمان بن سمحان في مجاهدة العدو الداخلي : (إذا عرفت أن التحاكم إلى الطاغوت كفر، فقد ذكر الله في كتابه أن الكفر أكبر من القتل، قال: {والفتنة أكبر من القتل}، وقال: {والفتنة أشد من القتل}، والفتنة: هي الكفر; فلو اقتتلت البادية والحاضرة، حتى يذهبوا، لكان أهون من أن ينصبوا في الأرض طاغوتا، يحكم بخلاف شريعة الإسلام، التي بعث الله بها رسوله r).([63])

وقال الشيخ صالح اللحيدان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية في الثورة السورية سنة 2011 : (أسأل الله جلا وعلا أن يوفق السوريين إلى أن يجّدوا ويجتهدوا في مقاومة هذه الدولة الفاجرة الخبيثة الخطيرة الملحدة، ولو هلك من هلك منهم، يرى في مذهب مالك أنه يجوز قتل الثلث ليسعد الثلثان، فلن يقتل من سورية ثلثها إن شاء الله، ونرجو الله أن يعاجل الفاجر بعقوبة ماحقة، وأن تتشفى صدور المؤمنين هناك، وأن يكون ذلك سبب صلاح أهل سورية عموما، نسأل الله أن يوفق الذين يجاهدون الطغاة في سوريا).([64])

ثم إن الشريعة الإسلامية قد رخصت بالأخذ بالعزيمة حتى مع عدم القدرة، كما قال النبيr : (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله)([65])، وهذا في مواجهة أئمة الجور فكيف في مواجهة الطاغوت!([66])

ثالثا: ما وقع للشعب السوري وغيره من شعوبنا العربية والإسلامية حكمة من الله وابتلاء، وهم لم يرفعوا السلاح ابتداء حتى ابتلوا بهذا الطاغية الذي استباح قتلهم {ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}، وقال تعالى : {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين 0 وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان}، فحملوا السلاح دفاعا عن أنفسهم وأعراضهم وأموالهم، وهذا من جهاد الدفع الذي لا أوجب بعد الإيمان منه، فيجب عليهم من غير شرط بإجماع المسلمين كما قال تعالى : {والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون}، وقال : {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل 0 إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم}. وقال ابن تيمية : (وأما قتال الدفع فهو أشد أنواع دفع الصائل عن الحرمة والدين فواجب إجماعا فالعدو الصائل الذي يفسد الدين والدنيا لا شيء أوجب بعد الإيمان من دفعه فلا يشترط له شرط بل يدفع بحسب الإمكان).([67]) وقال : (فأما إذا هجم العدو فلا يبقى للخلاف وجه فإن دفع ضررهم عن الدين والنفس والحرمة واجب إجماعا).([68])

 وقال : (وإذا دخل العدو بلاد الإسلام فلا ريب أنه يجب دفعه على الأقرب فالأقرب إذ بلاد الإسلام كلها بمنزلة البلدة الواحدة، وأنه يجب النفير إليه بلا إذن والد ولا غريم... وقتال الدفع مثل أن يكون العدو كثيرا لا طاقة للمسلمين به لكن يخاف إن انصرفوا عن عدوهم عطف العدو على من يخلفون من المسلمين، فهنا قد صرح أصحابنا بأنه يجب أن يبذلوا مهجهم ومهج من يخاف عليهم في الدفع حتى يسلموا ونظيرها أن يهجم العدو على بلاد المسلمين وتكون المقاتلة أقل من النصف فإن انصرفوا استولوا على الحريم فهذا وأمثاله قتال دفع لا قتال طلب لا يجوز الانصراف فيه بحال).([69])وقال ابن القيم (فجهاد الدفع يقصده كل أحد ولا يرغب عنه إلا الجبان المذموم شرعا وعقلا).([70]) وقال : (وكفى بالعبد عمى وخذلانا أن يرى عساكر الايمان وجنود السنّة والقرآن وقد لبسوا للحرب لأمته، وأعدوا له عدته، وأخذوا مصافهم ووقفوا مواقفهم، وقد حمي الوطيس ودارت رحى الحرب واشتد القتال وتنادت الأقران النزال النزال، وهو في الملجأ والمغارات، والمدخل مع الخوالف كمين... فحقيق بمن لنفسه عنده قدر وقيمة أن لا يبيعها بأبخس الأثمان، وأن لا يعرضها غدا بين يدي الله ورسوله لمواقف الخزي والهوان).([71])وقال النووي : (وأما المدافعة عن الحريم فواجبة بلا خلاف).([72])

 ويجب على المسلمين نصرة إخوانهم المستضعفين كما قال تعالى : {وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر}. فهذا حال المؤمنين مع إخوانهم، أما المنافقون فيقولون في مثل هذا الحال الذي ابتلي به أهل الإسلام {الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين}.

رابعا: قتال الطاغوت جهاد في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين، كما قال تعالى {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان}، ومن قتل في ذلك من أهل الإسلام فهو شهيد، وهذه منزلة رفيعة وكرامة عظيمة، ولذا عندما طعن المرجفون القعدة([73]) في قتلى المسلمين، وزعموا لو أنهم أطاعوهم في القعود ما قتلوا، قال الله رادا عليهم : (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين 0 ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون}، وقال سبحانه : {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين}. وقال النبي r : (من قتل دون ماله فهو شهيد، ومن قتل دون أهله فهو شهيد، ومن قتل دون دينه فهو شهيد، ومن قتل دون دمه فهو شهيد)([74]) وفي رواية : (من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد)([75])، وفي حديث : (نعم الميتة أن يموت الرجل دون حقه).([76])

قال الخطابي : (قد طلب الله سبحانه في غير آية من كتابه إلى التعرض للشهادة وإذا سمى رسول الله r هذا شهيداً، فقد دل ذلك على أن من دافع عن ماله أو عن أهله أو دينه إذا أريد على شيء منها فأتي القتل عليه كان مأجوراً فيه نائلاً به منازل الشهداء).([77])

خامسا : أفتى العلماء في العالم الإسلامي بتأييد الثورات العربية على الطغاة، فأيدوا ثورة تونس على ابن علي، ومصر على حسني، وليبيا على القذافي، وسوريا، واليمن، وأيضا من الفتاوى القديمة ما أفتى به الشيخ ابن باز في الجهاد السوري، وبين ما يجب على المسلمين تجاه الجهاد السوري على حكومة الطاغية الهالك حافظ الأسد في الثمانينات ميلادي فقال : (الآن المجاهدون كثيرون... في سوريا أيضاً قتال عظيم عنيف بين المسلمين وبين الحكومة القائمة النصيرية المعروفة، هذه أنواع من القتال والجهاد بين المسلمين وبين أعدائهم، والمسلمون في أشد الحاجة إلى الدرهم، وإلى الدعوة بالكلمة الطيبة وإلى الجهاد بالنفس.فجدير بأهل الإسلام أن يعرفوا واجبهم وأن يبذلوا وسعهم في نصر أولياء الله، وفي نصر المجاهدين في سبيله، وفي تكثير سوادهم، وفي إعانتهم بالمال والنفس، والكلمة الطيبة التي تنصرهم وتؤيدهم و تشجعهم ضد عدوهم الغاشم).([78])

وقال عن الجهاد السوري أيضا : (فيجب أن ينصروا وأن يعانوا حتى يستنقذوا بلادهم من أيدي عدوهم الكافر الملحد الذي لا يألوا شراً بالمسلمين ولا يألوا خبالاً بالمسلمين).([79])

وسئل رحمه الله : هل الذهاب الآن إلى سوريا أو أفغانستان فرض عين؟

فقال : (فرض عين مع الاستطاعة؛ لأنه مهجوم عليهم، وهم ليس فيهم كفاية، فيحتاجون إلى المدد من إخوانهم المسلمين بالمال والنفس والدعوة إلى الله والكلمة الطيبة).([80])

فأين كلام الشيخ من كلام المرجف والمخذل ابن ريس المتمسح به زورا وكذبا!

وهل يرى أنّ الشيخ ابن باز كان بهذه الفتوى من دعاة التهييج لسفك الدماء والفوضى وتأييد الثورات على الحكومات!

سادسا: القدرة على الخروج وتقدير المصلحة والمفسدة في ذلك، ومتى يكون الوقت المناسب، كل هذا يقدره أهل الاختصاص في كل بلد بحسبه، وأما الفقيه فليس له إلا بيان الحكم الشرعي للناس، ولا يكون وصيا عليهم، وخاصة ممن عرف بموالاته للأنظمة الحاكمة والثورة المضادة ومن سدنة الطغاة ودعاة الخطاب الديني المبدل، فهؤلاء ليسوا أمناء عليهم أصلا، كحال ابن ريس وأمثاله!

ومن عجائب ابن ريس، والتي خالف فيها فطرة البشر السليمة، التي توجب الذود عن الأنفس والحرمات؛ وذلك عندما سئل عن حكم المسلمين السنّة في العراق، الذين يدافعون عن حرماتهم ضد الميلشيات الطائفية التي تدخل بيوتهم ومساجدهم!

فقال ابن ريس مقاطعا له : (هل عندهم قدرة؟ ما عندهم قدرة، في مكة ألم يكن الكفار يقتلون الصحابة؟ هل قاتلوا أم صبروا؟ صبروا إذن اصبروا)! ([81])

والرد على هذه الشبة من وجوه :

أولا: جهاد الدفع عن الأرض والحرمات واجب، ولا يشترط له أي شرط، وهذا بالإجماع كما مر معنا، ولم يخالف في ذلك إلا الفرق الباطنية كالقاديانية ونحوهم.

 والقول بأن الصحابة لم يقاتلوا بمكة لعدم القدرة على القتال هذا غير صحيح، وسحب هذا التعليل وتنزيله على واقع المسلمين اليوم لإبطال جهاد الدفع المجمع عليه عن الحرمة والدين باطل وضلال مبين، كما قال ابن حزم : (ولا إثم بعد الكفر أعظم من إثم من نهى عن جهاد الكفار وأمر بإسلام حريم المسلمين إليهم).([82])

ثانيا: حصر العلة بمنع القتال بمكة بعدم القدرة ثم تنزيل هذا الاستنباط العقلي على واقع المسلمين اليوم؛ لإبطال جهاد الدفع الواجب بالنص والإجماع، هذا من تقديم العقل على النقل كما هي طريقة أهل البدع، وطريقة إبليس عندما قدم القياس على أمر الله كما في قوله تعالى {ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين}!

 أما عن أسباب المنع من القتال والجهاد في مكة فترجع لعدة أمور منها:

1 – ذكر ابن كثير في تفسيره أنّ هناك أسبابا كثيرة في الحكمة لمنع القتال في العهد المكي فقال : (كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة- مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسبا لأسباب كثيرة... منها  كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا).([83])

2- أنها كانت فترة تربية وإعداد للرجل العربي المسلم في الصبر وضبط النفس، وتنظيمها تحت قيادة موحدة، وإخراج حظوظ الذات.

3-الدعوة السلمية في ذلك الوقت وفي تلك البيئة أشد أثرا، فالقتال ربما حملهم على ثارات دموية قبلية طويلة تنسب بعد ذلك للإسلام.

4-لم يكن اضطهاد المسلمين من نظام محدد، إنما كان يصدر من أولياء كل فرد، فلو شرع القتال لصارت هناك مذبحة في كل بيت ثم ينسب ذلك للإسلام.

5-قد يقال إن ذلك يرجع لعلم الله أن من هؤلاء الذين يعذبون المسلمين سيصبح من جند الإسلام وقادته.

6- النخوة العربية كفيلة بمنع الظلم، وخاصة التي تقع على كرام الناس، كما في نقض صحيفة الحصار لبني هاشم.

7- قلة عدد المسلمين وهم محصورون بمكة والعرب ينظرون لهم على حياد؛ فربما أبادهم القتال -وإن قتلوا أضعافهم من المشركين- وتضيع بذلك الغاية من الرسالة.

8- لم تكن هناك ضرورة ملحة للقتال؛ لأن الدعوة قائمة برسول الإسلام، ومحمية بسيوف بني هاشم.([84])

ثالثا: التقليل من قدرة المجاهدين على التصدي للغزاة المحتلين كما قال ابن ريس في أهل العراق، هذا لا يخرج عن كلام المخذّلة من القعدة والمرجفين، فالمقاومة العراقية هزمت الاحتلال الأمريكي وعملاءه، وكاد الأمريكيون أن يعلنوا عن هزيمتهم سنة 2006م؛ لولا أن تدخل العدو وعملاؤه بمكرهم وكيدهم، فدبّ الخلاف بين المقاومين والمجاهدين وحصل تشرذمهم وضعفهم {ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم}.

أما النظرة المادية التي يروجها أصحاب الخطاب الديني المبدل لتخويف الأمة اليوم من الجهاد ومواجهة الاحتلال، فهذه من سمات أهل النفاق، ومن في قلبه مرض، كما ذكر الله لنا قولهم عن المجاهدين الموحدين الذين تصدوا للمشركين المحاربين :{إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم}. قال ابن القيم : (ولما رأى المنافقون ومن في قلبه مرض قلة حزب الله وكثرة أعدائه، ظنوا أن الغلبة إنما هي بالكثرة، وقالوا: {غر هؤلاء دينهم}، فأخبر سبحانه أن النصر بالتوكل عليه لا بالكثرة، ولا بالعدد، والله عزيز لا يغالب، حكيم ينصر من يستحق النصر، وإن كان ضعيفا، فعزته وحكمته أوجبت نصر الفئة المتوكلة عليه).([85])

وقد عدّ العلماء هذه النظرة المادية التي يروجها اليوم أصحاب الخطاب المبدل، من الشرك بالله كما قال علماء الدعوة النجدية : (فإذا قام المسلمون بما أمرهم الله به من جهاد عدوهم، بحسب استطاعتهم، فليتوكلوا على الله، ولا ينظروا إلى قوتهم وأسبابهم، ولا يركنوا إليها، فإن ذلك من الشرك الخفي، ومن أسباب إدالة العدو على المسلمين ووهنهم عن لقاء العدو، لأن الله تبارك وتعالى أمر بفعل السبب، وأن لا يتوكل إلا على الله وحده).([86])

رابعا: هل تقريرات ابن ريس والتي يوجب فيها على المسلمين الكف عن الجهاد والصبر، سواء في فلسطين أو أفغانستان أو العراق أو سوريا، وغيرها من بلاد المسلمين الذين يجاهدون دون دينهم وأعراضهم وأنفسهم وأموالهم، ويواجهون الأعداء المحتلين، هل تنطبق أيضا على بلاد الحرمين الشريفين المملكة العربية السعودية في حال داهمها العدو الخارجي؟ وأنه يجب على المسلمين فيها الكف وتسليم الحرمات والمقدسات؛ بحجة عدم القدرة؟ أم أن هذه الفتوى لغيرهم؟

شرعية أبي رغال([87]) والحالة الكرزائية([88]) عند ابن ريس:

من أخطر المسائل التي قررها ابن ريس في كتابه، شرعنته للحكام والرؤساء الذين تأتي بهم قوى الاحتلال الخارجي على بلاد المسلمين، وينزلهم بمنزلة خلفاء المسلمين بما لهم من حقوق!

 هذا في الوقت التي لا تزال الدول الصليبية تشن حملاتها على العالم الإسلامي، وترتكب المجازة والإبادة للمسلمين بدك مدنهم ومساجدهم وتشريدهم من ديارهم ونهب ثرواتهم، فبدؤوا من أفغانستان ومرورا بالعراق، ونشاهد روسيا اليوم في حربها الصليبية السافرة على سوريا، ثم مع هذا كله يقرر ابن ريس أن كل من جاء على ظهر دبابة هؤلاء الغزاة وقد نصبوه حاكما وهو يدعي الإسلام، فهو حاكم شرعي تجب بيعته وطاعته وتوقيره ولا يجوز مقاومته، بل من انتقده فهو خارجي مارق، فكيف من جاهده!

جاء في كتاب الحرية للدكتور حاكم التحذير من تنزيل كلام السلف في الطاعة على من صنعه الاستعمار ونصبه وهذا نصه : (إن الأئمة إنما أوجبوا السمع والطاعة للخلفاء – وإن وقع منهم جور – إذا كانوا خلفاء وأئمة ليس فوقهم سلطة، أما الأنظمة التي جاء بهاالاستعمار أو صنعها على عينه لتنفذ مخططاته، فالطاعة ليست لهم، وإنما هي في واقع الأمر للدول الاستعمارية التي توظفهم في خدمتها، فالطاعة لم تكن لخديوي مصر أيام الحماية البريطانية لمصر، بل الطاعة في واقع الأمر لملك إنجلترا، وكان مندوبها هو الذي يملك الحل والربط في شئون مصر كلها، فمن ظن أن مثل ذلك الملك أو الخديوي تجب طاعته وأن طاعته من طاعة الله ورسوله، وأن هذا هو ولي الأمر كما في قوله تعالى {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} -: فقد خالف الإجماع، بل طاعة مثل هذا إنما هي طاعة الاستعمار الذي يسيطر عليه ويتصرف فيه، فلا سمع له ولا طاعة، بل يجب خلعه والخروج عليه وجهاد الاستعمار وإخراجه عن أرض الإسلام بإجماع العلماء).([89])

فقال ابن ريس مستدركا : (اشترط السمع والطاعة للحاكم المسلم القوي الذي لا يخاف من قوى أعظم كفرية، أو لحاكم لا يسير على مخططات الغرب، وهذا اشتراط باطل لسببين : الأول : أن أدلة السمع والطاعة لم تفرق بين المتغلب بنفسه أو بغيره، وكذلك إجماعات أهل السنّة . والسبب الثاني : أن الحكمة التي شرع من أجلها السمع والطاعة تتحقق مع وجود الحكومات بهذه الحالة).([90])

وأكد أن : (الحاكم إذا حكم بغير ما أنزل الله، أو استعان بالكفار)([91])! فهو حاكم شرعي، وغير ذلك من شبه الخوارج وأهل البدع ومخالف للإجماع!

وأكد أن الشرط الوحيد لقبول شرعية هؤلاء الذين تغلبوا مع الأعداء، هو الإسلام أي النطق بالشهادتين، حتى وإن طبقوا شريعة الأعداء ومشاريعهم! قال : (فإذا تغلب الحاكم المسلم ثبت الحكم له بما أنه مسلم، ولا ينظر لبقية الشروط).([92]) 

هذا مع تأصيله بجواز تعدد الدول والحكام، وأنه أمر مشروع، وغير ذلك يعد من الشبه التي يرد عليها.([93]) وقال : (النصوص العامة في السمع والطاعة للحاكم لم تفرق بين أن تكون دول المسلمين دولة واحدة أو أكثر، فبدلالة العموم يسمع للحكام في الولايات والدول المتعددة).([94])

فهذا الذي يقرره ابن ريس هو التأصيل الشرعي الذي استند عليه الغزاة والمحتلون قديما وحديثا، فكل من تسلط على بلاد المسلمين وأعلن إسلامه، يتحول من عدو غاز إلى ظل الله في الأرض، وإلى ولي أمر شرعي تجب طاعته والخضوع له، ومن أمثلة هؤلاء غازان التتري الذي غزى بلاد المسلمين، وقد أعلن إسلامه ودعي له على المنابر في الجمعات وقد تصدى له ابن تيمية وجاهده، ومنهم نابليون الفرنسي الذي أعلن إسلامه ليصبح ولي أمر للمسلمين في مصر التي احتلها بجنوده، والخديوي في مصر الذي وضع على رأس حكومة يشرف عليها الاحتلال البريطاني، ودويلات سايكس بيكو، وكرزاي في أفغانستان وحزب الدعوة في العراق الذين جاءوا على ظهر الدبابة الأمريكية لاحتلال العراق وتقتيل أهله، وغيرهم الكثير.

فالسؤال الذي يوجه لابن ريس بناء على تأصيلاته المشبوهة التي يروجها في ظل الدعوات اليوم لتقسم المناطق العربية هو التالي :

 ما الحكم لو قسّمت أمريكا اليوم الجزيرة العربية والمملكة العربية السعودية إلى عدة دولة، وصنعت مع كل دولة حكومة ورئيسا من عملائها ممن يدعون الإسلام، وفرضوا على الناس حكم الطاغوت والتحاكم إليه، وسنوا القوانين التي تسمح بالربا، ودور البغاء، وصالات القمار والرقص، ومصانع الخمور، فهل يرى شرعية هذه الدول وحكامها وأنه تجب بيعتهم وطاعتهم كما أمر الله في آية النساء ؟

وهل من قاومهم ورفض بيعتهم وطعن فيهم، ورفض تقسيم بلاد المسلمين يعتبر من الخوارج المارقين الذين خالفوا عقيدة أهل السنّة وإجماعهم ؟

فإن كان جوابه بالرفض فقد تناقضت أقواله وبطلت عقيدته التي لم يفتأ يبشر بها!

وإن كان جوابه بنعم أنهم ولاة أمر تجب طاعتهم فقد التزم بمذهبه وتأصيله الذي يخالف الفطرة والعقل فضلا عن الشرع، وبه نعرف خطورة دعاة الشرع المبدل، ودعاة الإرجاء على الأمة، كما حذر منهم السلف، فقال إبراهيم النخعي: (لفتنتهم عندي أخوف على هذه الأمة من فتنة الأزارقة , يعني المرجئة)، وقال الأوزاعي : (كان يحيى وقتادة يقولان : ليس من الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء)، وقال الزهري : (ما ابتدعت في الإسلام بدعة أضر على أهله من هذه , يعني الإرجاء). ([95])

وقد اضطرب ابن ريس في استدلاله بمشروعية تعدد الدول والأئمة، فقال إن نصوص الطاعة لم تفرق بين أن تكون هناك دولة متعددة أو دولة واحدة، وفي موضع آخر قال إن تعدد الدول مخالف للإجماع والقول به للضرورة كما قال : (إن الأصل أن لا تكون للمسلمين إلا دولة واحدة؛ وتعدد الولايات والدول حالة اضطرار لها حكمها). ([96])

فالسؤال لابن ريس، ما حكم من دعا اليوم وعمل لعودة لهذا الأصل المجمع عليه، وهو عودة النظام السياسي والخلافة، ووحدة الأمة وإمامها، هل هو أمر واجب أم من تضييع الأوقات في السياسات؟

وهل من عمل على ذلك متبع لما كان عليه السلف للعودة لهذا الأصل، أم مبتدع على طريقة الخوارج وأهل البدع؟

وهل من يدعو الأمة للوحدة والاجتماع وعدم الافتراق قد أمرها بمعروف ونهاها عن منكر أم لا ؟

أما تجويز ابن ريس الاستعانة بالكفار للتغلب على بلاد المسلمين، فقد سئل أئمة الدعوة النجدية عن حال قريبة أو أقل من هذه الحال التي يذكرها ابن ريس، وهي حكم دخول أهل الخليج في القرن الماضي تحت حماية بريطانيا فقالوا : (وانتقل الحال حتى دخلوا في طاعتهم واطمأنوا إليهم وطلبوا صلاح دنياهم بذهاب دينهم وهذا لا شك من أعظم أنواع الردة)([97])، وقالوا : (أما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام).([98])

هذا بمن دخل تحت حمايتهم فكيف بمن جلبوه معهم أو صنعوه على أعينهم!

وللحديث بقية مع الثورة العربية وأباطيل الجماعات الوظيفية!


 

 


[1])) ص 407 .

[2])) ص 299.

[3])) ص 300 .

[4])) ص 306 .

[5])) ص 306 .

[6])) القواعد الحسان القاعدة التاسعة والثلاثون.

[7]))الفكر السياسي عند الشيخ عبد الحميد بن باديس ص 169.

[8]))فكرة الحرية عند الشيخ عبد الحميد بن باديس أ.د مولود عويمر.

[9])) صحيح البخاري (3455).

[10])) الطرق الحكمية ص 19.

[11])) المصدر السابق ص 5. 

[12])) ص299 .

[13])) ص406 .

[14])) ص 318 .

[15])) ص 81 .

[16])) مجموع الفتاوى (22/51).

[17])) مجموع الفتاوى (28/503).

[18])) مجموع الفتاوى (28/557).

[19])) تفسير الطبري (8/507).

[20])) تفسير ابن كثير (2/346).

[21])) جامع الرسائل (2/373).

[22])) مجموع الفتاوى (28/201).

[23])) موسوعة مؤلفات ابن عبد الوهاب (12/9).

[24])) حاشية فتح المجيد ص282 .

[25]))مجموع الفتاوى (35/25).

[26])) انظر رسالة استنكار من الشيخ عبد الرحمن البراك للريس .

[27])) راجع اليوتيوب بعنوان : (أقوال العلماء في عبد العزيز الريس داعية الإرجاء ).

https://www.youtube.com/watch?v=e5SBmCewHTw

[28])) المرجع السابق .

[29])) فتوى صوتية للشيخ الفوزان منشورة على النت.

[30])) لقاء مسجل بعنوان (إتحاف البرية بلقاءات الشيخ الراجحي في نقض الشبه الإرجائية).

[31])) ص348

[32])) ص348.

[33])) ص338.

[34])) ص 32.

[35])) ص 35.

[36])) ص 348.

[37])) ص 32.

[38])) فتح القدير (1/726).

[39])) السيل الجرار ص 973.

[40])) الإبانة الكبرى لابن بطة (2/886).

[41])) ص86 .

[42])) ص 348 .

[43])) ص66

[44])) ص338.

[45])) ص 89 .

[46])) فتاوى ابن إبراهيم (12/265).

[47])) تفسير سورة التوبة للشنقيطي.

[48])) ص32 .

[49])) فتوى لابن ريس في اليوتيوب بعنوان (كل من يقاتل بشار في سوريا فهو آثم). https://www.youtube.com/watch?v=mLyONgUZXE0

[50])) ص356 .

[51]))ص 390 .

[52]))ص 390 .

[53]))رواه مسلم (1852).

[54])) رواه مسلم (1853).

[55])) سنن البيهقي (8/193).

[56]))فتح الباري (13/195).

[57]))الكامل في التاريخ (3/318).

[58])) تاريخ الإسلام (5/441).

[59]))تاريخ الطبري (3/666) والكامل في التاريخ (2/320).

[60]))منهاج السنّة (1/365).

[61])) شرح النووي (12/229).

[62])) فتح الباري (13/123).

[63])) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/510).

[64])) فتوى في اليوتيوب.

[65]))أخرجه الحاكم في المستدرك وصححه و الألباني في الصحيحة (374) .

[66])) يراجع في إبطال هذا القول المبتدع كتاب أهل السنّة للدكتور حاكم في رده على الشيخ صالح الفوزان.

[67])) الفتاوى الكبرى (5/538).

[68]))المرجع السابق (5/537).

[69]))المرجع السابق (5/539).

[70]))الفروسية ص 189.

[71]))النونية ص5 .

[72])) شرح مسلم (2/165).

[73])) من صفات القعدية الإرجاف والتخذيل عن المجاهدين والحث على القعود عن نصرتهم!

[74])) مسند أحمد (1652) وصححه الألباني في الجامع (11391) .

[75])) سنن النسائي (4084) وصححه الألباني .

[76])) مسند أحمد (1598) وصححه الألباني في الجامع (6775).

[77])) معالم السنن (4/336).

[78])) دروس الشيخ ابن باز الصوتية (5/8) قام بتفريغها موقع شبكة الإسلامية.

[79])) المرجع السابق (5/27) .

[80])) المرجع السابق (5/14) .

[81]))مقطع مرئي على اليوتيوب بعنوان (الريس يفتي السنّة: لا تدافعوا عن أنفسكم).

https://www.youtube.com/watch?v=U3JTWZOmj50

[82]))المحلى (7/300).

[83])) تفسير ابن كثير (2/359).

[84]))راجع تفسير في ظلال القرآن (2/292).

[85])) زاد المعاد (3/181).

[86])) الدرر السنية (10/4).

[87])) أبو رغال هو من دل جيش أبرهة حين غزا مكة لهدم البيت الحرام، وصار لقبا عند العرب اليوم يطلق على كل من جاء مع المحتل لبلده .

[88])) نسبة لكرزاي الذي جاء على ظهر دبابة الغزو الصليبي الأمريكي على بلاده أفغانستان سنة 2001م ونصبوه حاكما لهم!

[89])) ص 354 .

[90])) ص 407 .

[91])) ص 104 .

[92])) ص 109 .

[93])) ص93.

[94])) ص96.

[95])) الإبانة الكبرى لابن بطة (2/885).

[96])) ص 94.

[97])) الدرر السنية (10/10).

[98])) الدرر السنية (10/436).

9/10/2017 5:24:24 PM
JimmiNu
9pHlwq http://www.FyLitCl7Pf7ojQdDUOLQOuaxTXbj5iNG.com

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ