الإثنين 1439/01/05 هـ
الأخبار ||

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 6

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 6
3/26/2014 2:30:36 PM
صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 6

صوارم الأقلام

ونقض الشبه والأوهام

(6)

بقلم أ د حاكم المطيري

25 جمادى الأولى 1435 ه

26 مارس 2014 م

 

الاستشكال السادس :

الفقه المؤول بين تعطيل الأمر والاحتجاج بالجبر :

قال علوي السقاف في قضية الخروج على الإمام الجائر (أن هذا يؤدي إلى الخروج والفتنة إلى ما لا نهاية، فالعباسيون خرجوا على الأمويين، وامتدح المؤلف هذا الخروج،وجعله ناقضا لكلام السلف، ثم ذكر أن أبا حنيفة كان يستحب أو يوجب الخروج على العباسيين، وأن قتالهم خير من قتال الكفار، فهذا خروج على من خرج، وهكذا إلى ما لا نهاية، وإغراق للأمة في الدماء والفتن)!

والإجابة عن هذه الشبهة من وجوه :

الوجه الأول : لم يستطع السقاف مناقشة قضية الخروج على الإمام الجائر نقاشا موضوعيا، لأن الهدف من دراسته النقدية ليس تحرير المسائل العلمية، وإنما إثارة الشبه حول كتاب (الحرية أو الطوفان)!

ولو سئل السقاف ما معنى قوله (وجعله ناقضا لكلام السلف) لما وجد جوابا؟

فالسقاف له سلف غير سلف الأمة كلها! يحتج بهم متى ما أراد! دون أن يكلف نفسه عناء الاحتجاج بالأدلة، وبيان وجه الاستدلال بها، وبيان بطلان أدلة المخالف!

وقد تقرر في علم أصول الجدل وجوب تجنب (المكابرة) في الجدل، وترك (المصادرة)!

 ولا أرى أكثر ما أثاره السقاف إلا يندرج تحت واحدة منهما!

فالمكابرة هنا منازعة المخالف مع العلم بصحة ما ادعاه!

والمصادرة جعل الدعوى نفسها أو جزئها دليلا وحجة على الخصم!

 قال الكفوي (وإذا علم بفساد كلامه وصحة كلام خصمه فنازعه فهي (المكابرة)، ومع عدم العلم بكلامه وكلام صاحبه فنازعه فهي (المعاندة)، وأما (المغالطة) فهو قياس مركب من مقدمات شبيهة بالحق، ويسمى سفسطة أو شبيهة بالمقدمات المشهورة ويسمى مشاغبة).[1]

وقال (الدليل المشتمل على المصادرة على المطلوب من القياسات المغالطية التي مغالطتها من جهة التأليف لا من جهة المادة).[2]

وقال الجرجاني (المصادرة على المطلوب هي التي تجعل النتيجة جزء القياس، أو تلزم النتيجة من جزء القياس).[3]

وقال القاضي النكري (والمصادرة على المطلوب عندهم عبارة عن جعل المدعى عين الدليل، أو جزءه، ثم المصادرة على المطلوب : على أربعة أنواع : أحدها : أن يكون المدعى عين الدليل، والثاني: أن يكون المدعى جزء الدليل، والثالث : أن يكون المدعى موقوفا عليه صحة الدليل، والرابع : أن يكون المدعى موقوفا عليه صحة جزء الدليل : والكل باطل للزوم الدور الباطل).[4]

فالدعوى بيني وبين السقاف والنزاع هو أصلا في (هل اختلف السلف في حكم الخروج على الإمام الجائر) أم لا؟ بعد إجماعهم على حرمة الخروج على الإمام العادل، وإجماعهم على وجوب الخروج على الكافر!

فأنا في كتبي أثبت وقوع الخلاف في الخروج على الإمام الجائر، وهو من الخلاف المشهور كما قال ابن حزم حتى لا يخفى على النساء في خدورهن، والعامة في أسواقهم!

والسقاف ينفيه ويدعي أن السلف كانوا لا يرون الخروج وأن د حاكم ناقض كلام السلف!

فإما أن أثبت أنا بالأدلة من كلام الأئمة وأقوال سلف الأمة، ومن الأدلة التاريخية القطعية صحة ما نسبته لهم، وأن منهم من كان يرى الخروج على الإمام الجائر، ولا يرى صحة ولايته أصلا، لأنه يشترط للولاية بالإجماع العدالة!

وإما أن يثبت السقاف صحة دعواه بأن سلف الأمة لم يختلفوا في تحريم الخروج، ولا قائل به من أئمة أهل السنة والجماعة!

فإذا ثبت وقوع الخلاف بينهم - وهو ثابت قطعا - وجب الترجيح بين القولين بالأدلة من الكتاب والسنة، والنظر في دليل كل فريق، وأيهما أرجح حجة، وأوضح محجة!

فإن لم يستبن القوال الراجح، جاز لكل من أتباع الفريقين تقليد من يرى من الأئمة ولا حرج عليه، ولا يحتج عليه بأنه خالف السنة والنهي الوارد فيها عن الخروج والأمر بالصبر، لأن المخالف أيضا يحتج بالنصوص التي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتأمر بتغييره، وتوجب التصدي للظلم، كما قال تعالى {ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل}، وقوله {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر}، وبحديث (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده)، وللحديث الصحيح في مسلم (فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن)، وحديث (سيد الشهداء حمزة ورجل قام إلى إمام جائر)، وحديث (لتأخذن على يد الظالم)... الخ

ولا عبرة بدعاوى المتأخرين بأن تحريم الخروج على الجائر ثابت بإجماع أهل السنة وسلف الأمة - بعد ثبوت الخلاف فيه، وبطلان دعوى الإجماع الموهوم - لأن النزاع هو في هذا الإدعاء نفسه!

وهو ما أثبته في كتاب الحرية، ثم فصلت القول فيه في كتاب التحرير، وبينت حجة كل فريق، والأصول التي احتج بها، ووجه الاستدلال، وعقدت فصلا كاملا في بيان معاني أحاديث الإمارة..الخ

فحين يأتي السقاف بعد هذا كله ليختزل ويصادر ذلك كله، فيزعم بأن دليله على بطلان الدعوى هو أن السلف لم يختلفوا! وهي الدعوى نفسها المختلف فيها، فهذه هي (المصادرة)الممنوعة في علم الجدل!

فأنا ذكرت في كتاب الحرية من الأدلة التاريخية ونصوص الأئمة ما يؤكد بأن الخروج على الإمام إنكارا لمنكره، أو رفعا لظلمه، أو خلعا له بسبب جوره، هو قول مشهور من لدن الصحابة رضي الله عنهم ومنذ خروج كبار الصحابة من العشرة كطلحة والزبير وعائشة يوم الجمل طلبا للقصاص ممن قتل عثمان، ثم من جاء بعدهم من صغار الصحابة كالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، خروجا منهما على يزيد لعدم صحة ولايته عندهم، ثم أئمة التابعين كأئمة العراق الذين خرجوا على الحجاج كسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي لجوره وعسفه، ثم من كان يرى هذا الرأي من فقهاء الأمصار، ثم هو بعد ذلك كله رأي المدرستين الفقهيتين الأشهر عند أهل السنة والجماعة :

المدرسة العراقية  : بإمامة حماد بن إبي سليمان، وتلميذه الإمام أبي حنيفة النعمان!

والمدرسة الحجازية : إذ هو رأي مالك وفتواه كما نقله عنه أصحابه!

ومعلوم عند كل من له أدنى اطلاع على تاريخ الإسلام بأن الخلافة العباسية منذ عهد الرشيد وقضاتها في بغداد هم أصحاب أبي حنيفة، وما زال مذهبه هو الأشهر فيها وهو مذهب الدولة حتى انتهت خلافة بني عثمان!  

وقد سبق ذكر قول ابن حزم بأن هذا القول هو رأي جمهور أئمة المذاهب الفقهية المشهورة عند أهل السنة، بعد أن ذكر اختلاف الصحابة في هذه القضية، وذكر من كان يرى هذا القول منهم وممن جاء بعدهم ثم قال (وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة،والحسن بن حي، وشريك بن عبد الله، ومالك، والشافعي، وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا).([5])

وقال الحافظ ابن حجر عن الخروج على الإمام الجائر (هذا مذهب للسلف قديم). ([6])

وقال الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب (قد اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وكذلك أهل البيت، فذهبت طائفة من أهل السنة - رضي الله عنهم - من الصحابة فمن بعدهم كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وغيرهم، وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الحديث : إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان إن قدر على ذلك، وإلا فبالقلب فقط، ولا يكون باليد وسل السيوف والخروج على الأئمة وإن كانوا أئمة جور .

وذهبت طائفة أخرى من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم من التابعين ثم الأئمة بعدهم إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يقدر على إزالة المنكر إلا بذلك..).([7])

فالسؤال هنا هل ينكر السقاف هذه الأقوال، وأن القول بجواز الخروج على الإمام الجائر هو رأي أكثر أئمة المذاهب الفقهية السنية (أبي حنيفة - مالك - الشافعي - داوود الظاهري) كما قال ابن حزم، وإنما القول بالمنع هو قول أحمد وحده من الأئمة الأربعة، بل وفي مذهبه رواية بالجواز، كما سبق ذكره!

وهل ينكر السقاف بأن طلحة والزبير وعائشة خرجوا على علي رضي الله عنهم جميعا طلبا للقصاص ممن قتل عثمان بعد أن رأوا عجز علي عن القيام بالواجب؟

وهل ينكر بأن الحسين وعبد الله بن الزبير خرجا على يزيد ولم يريا له بيعة ولا إمامة؟ وكذا خرج عليه أهل المدينة يوم الحرة لما رأوا من طروء ما يوجب فسخ بيعته؟

فخرج عليه أهل مكة وأهل المدينة وأهل نجد وأهل العراق!

فإما أن هؤلاء من الصحابة وسلف الأمة فبطلت دعوى مخالفة السلف التي رماني بها السقاف، وثبت أنها مصادرة ممنوعة في علم الجدل!

أو أن ألئك الصحابة - وبعضهم من العشرة المبشرين بالجنة كطلحة والزبير، وبعضهم سيد شباب أهل الجنة كالحسين - ليسوا من السلف عند السقاف وهذه (مكابرة) ظاهرة!

فهم قطعا من كبار الصحابة ومن صغارهم ومن خيارهم وفقهائهم!

فدعوى السقاف بأنهم لم يخرجوا، مكابرة لا يشك فيها من له أدنى اطلاع على تاريخ الأمة!

وأشد من ذلك تضليلا دعوى أن قتالهم يوم الجمل لا يعد خروجا فلا يصلح الاستدلال به على نقض دعوى الإجماع المزعومة! مع أنهم خرجوا من المدينة بلا إذن علي ومع كراهته، وجهزوا جيشا من مكة إلى البصرة، وأخرجوا أميرها منها، وصافوا جيش على وقاتلوه!

وهذا من أظهر صور الخروج المسلح على السلطة، إلا أنهم كانوا مجتهدين أرادوا الحق والقيام بما أمرهم الله جميعا به من الأمر بالمعروف وإقامة القصاص، وتمسك كل فريق بأصل من أصول الشرع، كما فصلته في الحرية والتحرير!

وإذا كان الأمر كذلك - وهو كذلك قطعا - مهما كابر هؤلاء الوسطيون الجدد!

فقد بطلت دعوى السقاف بأن د حاكم امتدح الخروج على الأمويين وجعله ناقضا لكلام السلف!

لأن السلف أصلا مختلفون من لدن الصحابة فمن بعدهم!

ولأن هذا القول قول أكثر أئمة المذاهب الفقهية كما نقله ابن حزم وليس فقط رأي د حاكم!

ولأن من امتدح فعلهم هم علماء السلف أنفسهم (وقد قال أحمد بن حنبل : حدثنا أبو بكر بن عياش، قال: كان العلماء يقولون: إنه لم تخرج خارجة خير من أصحاب الجماجم والحرّة).([8])

ولأني - كما سيأتي بيانه - لم أمتدح الخروج مطلقا كما يزعم السقاف!

فقد كان الأحرى بالسقاف مناقشة هؤلاء السلف، لا أن يكابر ويحتج على السلف، فيما اختلف فيه السلف أنفسهم!

كما أنه وكعادته في التدليس وتضليل القراء لم ينقل رأيي أنا في القضية، وأوهم القراء بأن د حاكم يقول بقول أبي حنيفة في وجوب الخروج على الجائر أو جوازه - وهو بلا شك قول قوي له أدلته ولا يعيب من قال به - غير أني اخترت رأي المحققين من المتأخرين، فقد نقلت كل هذه النصوص عن الأئمة المتقدمين، ثم رجحت ما أراه هو القول الراجح فقلت في (الحرية أو الطوفان) :

(لقد كان المنع من الخروج حكما معللا، وهو أن يأمن الناس، وتقام الحقوق والحدود والجهاد الخ، فإذا فاتت هذه المقاصد فلا معنى للمنع من إسقاط السلطة، إذا استطاعت الأمة، ولهذا فالتحقيق هو الجمع بين النصوص وعدم ضربها ببعض، بل العمل بها كلها حسب الإمكان، مع مراعاة المصالح الكلية والمقاصد الشرعية، كما قال العلامة المعلمي (كان أبو حنيفة يستحب أو يوجب الخروج على خلفاء بني العباس؛ لما ظهر منهم من الظلم، ويرى قتالهم خيرًا من قتال الكفار، وأبو إسحاق الفزاري ينكر ذلك، وكان أهل العلم مختلفين في ذلك، فمن كان يرى الخروج يراه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقيام بالحق، ومن كان يكرهه يرى أنه شق لعصا المسلمين وتفريق لكلمتهم، وتشتيت لجماعتهم، وتمزيق لوحدتهم، وشغل لهم بقتل بعضهم بعضا، فتهن قوتهم، وتقوى شوكة عدوهم، وتتعطل ثغورهم، فيستولي عليها عدوهم هذا، والنصوص التي يحتج بها المانعون من الخروج والمجيزون له معروفة.

والمحققون يجمعون بين ذلك بأنه إذا  غلب على الظن أن ما ينشأ عن الخروج من المفاسد أخف جدًا مما يغلب على الظن أنه يندفع به، جاز الخروج وإلا فلا، وهذا النظر قد يختلف فيه المجتهدان)([9])..)!

انتهى نص كلامي ونقلي عن المعلمي، الذي تحاشى ذكره السقاف!

فأنا لا أرى رأي من قالوا بالمنع مطلقا، ولا رأي من قالوا بالجواز مطلقا، كما زعم السقاف موهما القراء بأن د حاكم يرى الخروج! بل اخترت رأي أهل التحقيق كما نص عليه العلامة المحدث الأثري عبد الرحمن بن يحي المعلمي!

أقول هذا مع أن كلام سلف الأمة والفقهاء الأئمة إنما هو في شأن الإمامة الشرعية، وما يشترط لولايتها من شروط صحة، وما يطرأ عليها من موانع تمنع دوام ولايتها، وهي السلطة التي تكون في دار الإسلام، وولاؤها لله ولرسوله وللأمة، وشوكتها ومنعتها بالإسلام وأهله وجيوشه، كما يقتضيه واجب الجهاد في سبيل الله دفعا وطلبا، الذي هو من أوجب واجبات الإمامة الشرعية - حتى وإن طرأ على الإمام الذي يتولى الإمامة كمنصب ما قد يطرأ من فسق وظلم - كما في الصحيح (إنما الإمام جنة يقاتل من ورائه)، وكما هو شأن الخلافة في كل عصورها، كما قال العلامة عبد الرحمن بن حسن حفيد الشيخ محمد بن عبد الوهاب (كل من قام بالجهاد في سبيل الله فقد أطاع الله وأدى ما فرضه الله، ولا يكون الإمام إماما إلا بالجهاد،لا أنه لا يكون جهاد إلا بإمام).([10])

قال الشوكاني في وبل الغمام (ملاك أمر الإمامة وأعظم شروطها وأجل أركانها أن يكون قادرا على تأمين السبل، وإنصاف المظلومين من الظالمين، ومتمكنا من الدفع عن المسلمين، إذا دهمهم أمر يخافونه كجيش كافر أو باغ، فإذا كان السلطان بهذه المثابة فهو السلطان الذي أوجب الله طاعته وحرم مخالفته، بل هذا الأمر هو الذي شرع الله له نصب الأئمة وجعل ذلك من أعظم مهمات الدين).([11])

فليس مراد الفقهاء في مسألة (السلطان الجائر) أي سلطة قائمة مهما كانت، حتى وإن كان من جاء بها هم الصليبيون الذين يحتلون أرض الإسلام، وكان ولاؤها لهم، وحربها على الله ورسوله وعلى الأمة، والشوكة ليست لها، بل هي تحت حماية وشوكة جيوش العدو الكافر!

فتنزيل كلام الأئمة وسلف الأمة على مثل هذه السلطة من أبطل الباطل الذي لم يخطر على بال أحد من فقهاء الإسلام ألبته!

الوجه الثاني :  الفتنة الاحتجاج بالجبر على رد الأمر :

فقد احتج السقاف على رد النصوص بخوف الفتنة وخشية سفك الدماء ومراعاة المصلحة!

مع أن الشريعة إنما شرعت الأحكام لحفظ الضروريات الخمس (النفس والدين والعرض والعقل والمال)، والغاية من تشريع الجهاد في سبيل الله هو أصلا لحفظ هذه الضروريات، فإذا تعطل الجهاد وقعت الفتن كلها فذهبت دولة الإسلام وتعطلت أحكام الدين واستبيحت النفوس والأعراض والأموال كما هو مشاهد وواقع منذ احتل الصليبيون العالم الإسلامي إلى اليوم! بينما السقاف والوسطيون الجدد يرون ترك القتال خوفا من وقوع الفتن، حتى لو تعطل الشرع وبطل الجهاد، ولو لم تقم دولة للإسلام، إذ بالإمكان أن نقيم الإسلام كاملا - كما يزعم السقاف - بلا دولة وبلا جهاد وبلا تحكيم للشريعة!

والسؤال : هل يرى السقاف ولاية شرعية لكل سلطة بلا قيد أو شرط؟

أم يرى اشتراط ما ثبت اشتراطه في الكتاب والسنة وإجماع الأمة كما هو منصوص في كتب الأحكام السلطانية؟

فإن قال السقاف أنا اشترط ذلك وأتفق معكم على أن الولاية الشرعية الإسلامية لها طبيعة خاصة لا تثبت لهذه الأنظمة - التي فرضها الصليبيون على العالم الإسلامي بالقوة، حيث ما تزال جيوشهم وقواعدهم العسكرية تسيطر عليها، والشوكة والولاية في الواقع لها، حقيقة ولغيرها صورة، والقوانين التي تحكم في الواقع هي قوانينهم وأحكامهم - بقي النظر في إمكان تغييرها من عدمه، وهو راجع للأمة وقدرتها فلا دخل للفقهاء فيه، وإنما يرجع الأمر للمكلف في تقدير قدرته من عدمها، والمكلف هنا هي الأمة بعمومها والفقهاء جزء منها لا أوصياء عليها، فإذا ثار شعب من شعوب الأمة على الاحتلال الأجنبي فيها، أو ثار على السلطة التي جاء بها الاحتلال، وقام بالواجب عليه، فإنه ليس للسقاف وشيعته أن يحرموا عليهم ذلك، ويحتجوا عليهم بخوف الفتن والدماء، لأن العدو المحتل لن يخرج إلا بذلك، والشارع قد أوجب جهاده مع ما هو معلوم بداهة من وقوع الدماء في القتال!

فقد أوجب الله على الأمة القتال حتى لا تكون فتنة، كما في قوله {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله 0 فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}، وقال أيضا {ويكون الدين كله لله}.

والفتنة هنا هي ظهور أهل الشرك على أهل الإسلام، كما في قوله تعالى {والفتنة أشد من القتل}، أو أن يفتن أهل الإسلام في دينهم وأرضهم ويظلموا على يد أعداء الإسلام حتى يردوهم عند دينهم كما كانت تفعل قريش بالمؤمنين في مكة، كما في قوله تعالى {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا}، أو هي عامة في كل فتنة وظلم حتى لو وقع على غير مسلم في أرض الإسلام، كما جاء فيما كتبه النبي صلى الله عليه وسلم إلى أهل اليمن (ومن كان على نصرانية أو يهودية فإنه لا يفتن عنها).

فأوجب الله على الأمة جهاد من أرادوا فتنتها عن دينها، وقتالهم حتى يظهر الإسلام، ويظهر أهله، ولا يفتن ولا يظلم أحد في دينه!

وقد ذكر ابن جرير الطبري أقوال أهل التأويل في معنى الفتنة هنا، فقيل حتى لا يكون شرك، وقيل حتى لا يكون بلاء، وقيل حتى لا يفتن مؤمن عن دينه. [12]

وكل هذه المعاني التي ذكرها الطبري صحيحة وتدخل في عموم لفظ (فتنة)، التي جاءت نكرة في سياق النفي فأفادت العموم..

وقوله {ويكون الدين لله} ..

فقال ابن جرير الطبري (أما الدين الذي ذكره الله في هذا الموضع فهو العبادة والطاعة لله في أمره ونهيه، من ذلك قول الأعشى :

هو دان الرباب إذ كرهوا الديـ ... ن دراكا بغزوة وصيال

يعني بقوله : إذ كرهوا الدين : إذ كرهوا الطاعة وأبوها)..[13]

فجعل الله الغاية لوقف القتال كلا الأمرين :

الأول : ألا يظهر الشرك وأهله في دار الإسلام، وألا يفتن أهل الإيمان في دينهم وأنفسهم وأموالهم.

الثاني : أن يكون الدين والأمر والنهي لحكم الله ورسوله وهو من توحيد الله في الطاعة، ولا يكون ذلك إلا بدولة تقيم أحكامه.

وبلا شك فإنه إذا كان الدين والطاعة والحكم والأمر والنهي لله ورسوله فلن يكون هناك إلا العدل والقسط، ولن تقع فتنة ولا ظلم لا لمؤمن ولا لكتابي ولا لأي إنسان {قل أمر ربي بالقسط}، (يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)..

ولهذا قال بعد ذلك {ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين}..

فالانتهاء هو عن الظلم والعدوان على المؤمنين أو على المستضعفين عموما، كما قال تعالى {وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين}، فإذا تحقق ذلك وكف أهل الشرك والظلم عن فتنة المؤمنين {فلا عدوان إلا على الظالمين}..

وقد حذر الله المؤمنين من مخالفة أمره وأمر رسوله، وأن هذه المخالفة والإعراض عن أمره هي في حد ذاتها السبب في وقوع الفتن والمحن، كما قال تعالى {فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}..

قال شيخ مشايخنا محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره :

(والفتنة في قوله {أن تصيبهم فتنة} قيل هي القتل، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل الزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء، وقيل السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد، قال بعضهم: هي الطبع على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، وقال بعض العلماء : فتنة محنة في الدنيا أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة .

قال مقيده الشنقيطي: قد دل استقراء القرآن العظيم أن الفتنة فيه أطلقت على أربعة معان :

الأول : أن يراد بها الإحراق بالنار; كقوله تعالى {يوم هم على النار يفتنون}، وقوله تعالى {إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات} أي : أحرقوهم بنار الأخدود على القول بذلك.

الثاني وهو أشهرها: إطلاق الفتنة على الاختبار; كقوله تعالى {ونبلوكم بالشر والخير فتنة}، وقوله تعالى {وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا لنفتنهم فيه}.

والثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختيار إن كانت سيئة; كقوله تعالى {وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله} {ويكون الدين كله لله}، فقوله : حتى لا تكون فتنة أي: حتى لا يبقى شرك على أصح التفسيرين، ويدل على صحته قوله بعده {ويكون الدين لله} لأن الدين لا يكون كله لله حتى لا يبقى شرك، كما ترى . ويوضح ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله)، كما لا يخفى .

والرابع: إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى {ثم لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين}، أي : لم تكن حجتهم ، كما قال به بعض أهل العلم .

والأظهر عندي: أن الفتنة في قوله هنا: أن تصيبهم فتنة أنه من النوع الثالث من الأنواع المذكورة).[14]انتهى كلام الشنقيطي.

والسؤال للسقاف هنا :

خذ الفتنة على أي معانيها شئت، وقلب النظر فيها، ألم تتحقق في واقع الأمة اليوم بكل ما تحمله الفتنة من معنى قريب أو بعيد حقيقي أو مجازي!

ألم يظهر الغربيون وأهل الصليب والتثليث في الحرب العالمية الأولى وما زالوا حتى احتلوا أرض الإسلام وأقاموا قواعدهم العسكرية في كل مكان، حتى مكنوا ليهود من احتلال القدس والمسجد الأقصى، وحتى لم تسلم جزيرة العرب وأرض الحرمين من قواعدهم ونفوذ أمرهم، حتى احتلوا العراق من الخليج والجزيرة!

أليست هذه هي الفتنة!

ألم يعطلوا الأحكام وشرائع الإسلام في كل بلدان العالم الإسلامي، حتى فرضوا على شعوبه القوانين الوضعية بالقوة العسكرية، ليتحاكم المسلمون مكرهين إلى غير شريعتهم في دار الإسلام وأرضهم، حتى صار جزاء من دعا إلى تحكيم الإسلام السجن والقتل بتهمة الإرهاب؟!

أليست هذه هي الفتنة!

ألم يضطهدوا المؤمنين في كل أرض إلا من استسلم لهم ورضي بحكمهم، حتى صار الطغاة الذين ولوهم على بلدان الإسلام أئمة يدعون إلى النار من أطاعهم قذفوه فيها، حتى ملئت السجون بالعلماء والمصلحين والمجاهدين في بلدان العالم العربي، وقتل وهجر الملايين من أرضهم في العراق والشام!

أليست هذه هي الفتنة!

أليس ما جرى في مصر من قتل المتظاهرين في ميدان رابعة، وحصد خمسة آلاف منهم في ساعة واحدة، من الفتنة التي أوجب الله في مثلها القتال دفعا عن النفس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم (من قاتل دون نفسه فهو شهيد)!

ألا ترى بأن سبب هذا الفتن والمحن كلها هو الإعراض والتقصير في القيام بما أمر الله ورسوله الأمة به من الحكم بما أنزل، والجهاد للعدو المحتل، وعدم مولاته، ووجوب قتاله، وأنه تحقق فيها ما ثبت في الحديث (إذا تركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا يرفعه حتى تعودوا إلى دينكم)، وهو دينهم الحق الذي يوجب القتال كما قال تعالى {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم}، والذي يحذرهم من الركون إلى الظالمين {ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار}، ويحرم عليهم التحاكم إلى الطاغوت الذي يحكم بغير حكم الله ورسوله {يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به}، ويأمرهم بجهاده {الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان}!

وتحقق فيهم الحديث الآخر (تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة على قصعتها! قالوا أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من صدور أعدائكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن حب الحياة وكراهية الموت)!

ألا ترى بأن الأمة اليوم من أكثر أهل الأرض عددا وعدة وأموالا، وإنما كان ضعفهم بسبب شيوع هذا الخطاب البائس الذي عبدها للطغاة وأربابهم، الذين جاءوا بهم ومعهم، ليحكموا العالم العربي والإسلامي بما يريده العدو الخارجي!

فالقرآن يأمر بالقتال في سبيل الله حتى لا تكون فتنة، والسقاف والوسطيون الجدد ينهون عنه لأن القتال خروج وفتنة ودماء والمصلحة تقتضي تركه!

وليس الخروج اليوم في بلدان العالم العربي على إمام مسلم جائر حتى يحتج السقاف بأقوال السلف، بل هو في الواقع خروج على جيوش الاحتلال الغربي الصليبي التي تحكم المنطقة وتتحكم بها!

أرأيتم كيف بلغ الهوس بالأمة أن تناقش مثل هذه البدهيات التي لا يحتاج البوذيون الوثنيون فيها إلى فتاوى ليقاتلوا دفاعا عن أرضهم وأنفسهم وحريتهم وكرامتهم، بينما يحتاج الوسطيون الجدد إلى كل هذه الدراسات والمقالات والمجادلات في البدهيات، لنصل معهم إلى تقرير حق الأمة في الثورة - لا على ولاة أمرها لأنه أصلا لا ولاة لها - والخروج والقيام على عدو الله وعدوها!

أرأيتم كيف صار الاحتجاج بالقدر والجبر حجة لتعطيل النهي والأمر!

فالله يقول للمؤمنين {وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم} واحذروا من مخالفة أمري بترك جهاد عدوكم، حتى لا {تصيبكم فتنة} وشر فتهدر دماء وتزهق أنفس ظلما وعدوانا إذا تركتم القتال، فيرد السقاف على ذلك بأن الجهاد والقتال هو خروج على ولاة الأمر وهو سبب الفتن والمحن! وعلى الأمة أن تستسلم لهذه الحكومات التي تخضع للروس والأمريكان وللأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي تسود فيها ملل الكفر، لأن هذا مما أمر الله به، وهذه هي السلفية والوسطية!

وما زالنا مع هذه القضية وللحديث بقية!



[1] كتاب الكليات - لأبى البقاء الكفومى - (1 / 1369)

[2] كتاب الكليات ـ لأبى البقاء الكفومى - (1 / 1671)

[3] التعريفات - (1 / 277)

[4] جامع العلوم في اصطلاحات الفنون - (3 / 190)

([5]) الفصل 4/171 172 .

([6]) فتح الباري 12/286 ، وتهذيب التهذيب 2/288 .

([7]) جواب أهل السنة ص 70 71 .

([8]) العلل لأحمد رواية عبد الله 3/168 .

([9]) التنكيل ص 288 289 ويلاحظ أن من منعوا من الخروج عللوا المنع بأن لا يتعطل الجهاد وأن تحمى البلاد وتأمن السبل وينتصف الضعيف من القوى ، فليس هو حكما تعبديا محضًا، بل مصلحي معلل، والحكم يدور مع علته وجودًا وعدمًا .

([10]) الدرر السنية 7 / 97 .

([11]) إكليل الكرامة لصديق حسن 114 ـ 115 .

[12] 3/ 570 - 571 .

[13] 3/ 570 - 571 .

[14] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - (5 / 559)

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ