الجمعة 1439/01/02 هـ
الأخبار ||

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 5

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 5
3/24/2014 6:19:24 PM
صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 5

صوارم الأقلام

ونقض الشبه والأوهام

(5)

بقلم أ د حاكم المطيري

23 جمادى الأولى 1435ه

24 مارس 2014م

الاستشكال الخامس :

الخروج على السلطة والخطاب المؤول :

استدرك الشيخ علوي السقاف في نقده لكتاب (الحرية أو الطوفان) على تفسيري لظاهرة شيوع الخطاب السياسي المؤول بعد الخطاب الراشدي المنزل قرونا طويلة، حيث ذكرت سببين :

الأول: النظر إلى حوادث الخروج التاريخية نظرا جزئيا، لا نظرة كلية، وذكرت قول ابن القيم (الإنكار على الملوك والخروج عليهم أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر)، ولم ينظروا إلى حوادث الخروج الأخرى التي تحقق فيها صلاح كما فعل صلاح الدين مع العبيدين في مصر..الخ

الثاني : خلطهم بين مفهوم الخروج السياسي لمواجهة طغيان السلطة وحماية حقوق الأمة، والخروج العقائدي على الأمة والحكم عليها بالكفر، واستحلال قتالها وأموالها، كما فعل الخوارج..

فقال السقاف في المأخذ الخامس :

(أولا : إن في هذا الكلام ازدراء لأهل العلم واتهاما لهم بالسطحية والجزئية والخلط بين الأمور خاصة ابن القيم .. على أن ابن تيمية أيضا داخل عند المؤلف ضمن أصحاب الخطاب المؤول، إذ لم يستثنه المؤلف وأشار إلى شيوع ذلك الخطاب عنده)!

ثانيا : إن حوادث التاريخ شاهدة بصدق وصحة كلام المحقق ابن القيم..!

ثالثا : أن تقسيم المؤلف الخروج على الحاكم المسلم إلى قسمين سياسي وهو غير مذموم، وعقائدي جاءت النصوص بذمه غير متجه، لأن أصل الخروج هو الخروج عن بيعة الإمام سواء كان سياسيا أو عقائديا، وهذا مما ورد النهي عنه، إلا لمن رأى كفرا بواحا وقدر على خلعه بغير مفسدة متوقعة أكبر من مفسدة وجوده..

ورابعا : أن هذا يؤدي إلى الخروج والفتنة إلى ما لا نهاية وإغراق للأمة في الدماء والفتنة..

خامسا : أن الزعم بأن عصر العباسيين أفضل من عصر الأمويين غير مسلم ..

سادسا : أن كثيرا ممن دخل في القتال والخروج قد ندموا ..

والإجابة عن هذه الشبه من وجوه :

الوجه الأول : ظهرت جليا هنا القضية الرئيسة التي كتب السقاف لأجلها هذه الدراسة النقدية، وهي (بيت القصيد)، و(مربط الفرس)، و(واسطة العقد)، وكل ما قبلها وما بعدها تمهيد لها وتأكيد ليس إلا، فما زال السقاف يمهد الطريق لها ويرصفه ويزخرفه ابتداء من اعتراضه :

1- على مبدأ (ضرورة الدولة في الإسلام)، وزعمه بأنه يمكن إقامة الإسلام بلا دولة، وأن هذا المبدأ غلو وإفراط!

2- ثم اعتراضه على قضية (ضرورة الخلافة كنظام سياسي يعبر عن وحدة الأمة)، وادعاؤه أن إقامة الخلافة أمر بعيد التحقق وشبه مستحيل!

3- ثم اعتراضه على (الخطاب السياسي الراشدي وضرورة بعثه والحكم به)، وادعاؤه بأن حصر (سنن الخلفاء الراشدين) في السنن السياسية وسياسة شئون الأمة تأويل باطل وتعسف في فهم النصوص!

4- ثم اعتراضه على أصل (أن الإمام وكيل عن الأمة لها الحق في عزله)، حيث ادعى السقاف بأنه قول غير صحيح، ويفضي إلى الخروج والاقتتال والدماء!

5- ثم اعتراضه على (توحيد الله في الحكم المطلق وأنه أصل لتوحيد الله في العبادة والطاعة)، وزعمه بأن هذا قول أهل الغلو، وعكس ما قرره علماء الأمة!

فلما قرر السقاف كل هذه الشبه الباطلة، واطمأن بأنه قد وجه القارئ نحو الوجهة التي يريد أخذه إليها ليوقعه في شباك صيده - وما زال يحتال عليه بالتدليس تارة، والتضليل تارة أخرى - حتى أخذ يفصل القول في قضية (تحريم الخروج على السلطة) على نحو لم يفعله مع الشبه الأخرى، وبلغت وجوه الاحتجاج التي أوردها لنقض ما جاء حولها في كتابي (الحرية أو الطوفان) ستة وجوه، وحاول بكل جهده إثبات (تحريم الخروج) بكل أشكاله السياسي والعقائدي!

وركب السقاف الصعب والذلول في تقرير هذه القضية التي هي في الواقع غاية النقد وهدف الدراسة!

ولا يحتاج قارئ هذه الدراسة لكبير جهد لمعرفة الغاية منها من خلال مقدماتها لو لم ينظر إلى نتائجها فضلا عن (واسطة العقد) و(بيت القصيد) = وهي (قضية الخروج على السلطة) التي أكد معالي السقاف بأن شواهد التاريخ تؤكد وتصدق بأن (الخروج على الملوك أساس كل شر)!

ولو بدأ السقاف نقده بهذه القضية لأراح واستراح، وخفف على نفسه وعلينا عناء الغدو والرواح، في تتبع شبهاته، ومعرفة غاياته!

وما لأقوالهم إذا كشفت ... حقائق بل جميعها شبه!

الوجه الثاني: بدأ السقاف نقده لهذه القضية بأسلوب فج اعتاده أصحاب هذا الأقلام، حتى صار دينا لهم وديدنا، حيث يبتدئون قبل نقد الرأي المخالف، وقبل بيان حججهم باستعداء القراء على المخالف لهم، واتهامه بأنه يزدري أهل العلم ويتهمهم ..الخ

حيث يقول السقاف (أولا: إن في هذا الكلام ازدراء لأهل العلم واتهاما لهم بالسطحيةوالجزئية والخلط بين الأمور خاصة ابن القيم .. على أن ابن تيمية أيضا داخل عند المؤلف ضمن أصحاب الخطاب المؤول، إذ لم يستثنه المؤلف وأشار إلى شيوع ذلك الخطاب عنده)!

وكأن السقاف يحرض محبي ابن القيم على د حاكم، ولما خشي ألا يكون ابن القيم وحده كافيا في استثارة حميتهم، ضم إليه ابن تيمية! الذي لم يجد السقاف عبارة لي تؤكد كذبه علي فقال (إذ لم يستثنه المؤلف)!

فصار حتى عدم ذكري له حجة علي في اتهامي إذ لم استثنه في كلامي!

وللقارئ أن يقارن هذا الإسفاف في كلام السقاف، بكلام سلفه حمد عثمان في كتابه (الغوغائية) تحت عنوان (الشناعة والاستهزاء بابن القيم) ص 41 حيث قال حمد عثمان (لم يكتف - د حاكم - بغمز ولمز الحسن البصري، بل استل سيف البغي والعدوان والطعن على شيوخ الإسلام، وأئمتهم الأعلام، فأخذ يطعن في نياتهم طعونا خبيثة فقد ساق كلام ابن القيم (الإنكار على الملوك والخروج عليهم أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر) ثم علق عليه حاكم العبيسان بقوله (تأمل ما في هذه العبارة من مبالغة وإغراق في تعظيم شأن السلطان))!

وأقول كل من قرأ كتاب (الحرية أو الطوفان) علم يقينا كذب هذه الافتراءات التي روجها (الغوغائيون) ثم من بعدهم (الوسطيون) إذ فيه من الاحتجاج بأقوال الأئمة وأهل العلم والثناء عليهم والاعتذار لهم ما يهدم هذه الفرية من أصولها!

فقد قلت في الحرية (لقد ظل الفقهاء يقاومون انحراف السلطة، ويتصدون له..) فذكرت أئمة الإسلام ومواقفهم ابتداء من أئمة التابعين كسعيد بن جبير وإبراهيم التيمي، ومن بعدهم كأبي حنيفة وابن أبي ذيب ومالك، ومن بعدهم كيزيد بن هارون، ومن بعده كأحمد بن حنبل وأحمد بن نصر الخزاعي ...الخ

وذكرت من جاء بعدهم من أتباعهم من شيوخ المذاهب الفقهية حيث قلت (ومع استقرار القول بتحريم الخروج وشيوعه، فإن علماء الأمة الربانيين ظلوا يتصدون للظلم، وينكرون المنكر، ويصدعون بالحق بصورة فردية وجماعية؛ إذ لا يرون ذلك من الخروج الممنوع بدعوى الإجماع ودلالة النصوص، كما حصل في سنة 464هـ حيث خرج فقهاء الحنابلة يتقدمهم الشريف أبو جعفر، ومعهم الشافعية يتقدمهم أبو إسحاق الشيرازي، وتوجهوا إلى دار الخلافة لإزالة المنكرات).([1])

وقلت عن علماء المغرب والأندلس (وقد ظل علماء الأندلس المالكيون يقولون بوجوب الشورىفي جميع شئون الأمة كما قال ابن خويز منداد المالكي ت400هـ - : (واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق في الحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها).([2])  

وقال ابن عطية الأندلسي المفسر ت541هـ - : (الشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه)([3])، أي : بين علماء أهل الأندلس، أو بين فقهاء مذهب مالك).

ثم ذكرت بعدهم شيخ الإسلام ابن تيمية فقلت (وهذا ما كان يقوم به شيخ الإسلام ابن تيمية مع أتباعه في الشام من إزالة المنكرات، والدفاع عن المظلومين، كما في إخراجه للإمام المزي من السجن دون إذن السلطان، وإقامته للحدود على الجناة).([4])

وذكرت علماء العصور المتأخرة فقلت (كما قاد علماء الأزهر ثورة جماهيرية كبرى سنة 1209هـ 1794م ضد المماليك، اشترك فيها العامة الذين توافدوا من أطراف القاهرة بعد أن أغلقوا الجامع الأزهر، وأمروا العامة بإغلاق أسواقهم ومحلاتهم، لما استشرى ظلم المماليك وعسفهم بالرعية، فلم يجد المماليك بدًا من النـزول على رغبة الجماهير، فاشترط عليهم العلماء شروطا كتبوها ووقع عليها المماليك في وثيقة بإقامة العدل، ورفع الظلم والضرائب عن جميع الناس في مصر، وقد كان من قادة هذه الثورة مفتي الحنفية العرايشي، وشيخ الأزهر الشرقاوي، والشيخ البكري وغيرهم).([5])

وقد كانت هذه الثورة الجماهيرية بقيادة علماء الأزهر بداية ( اليقظة والنهضة التي أخذت تعم دار الإسلام في مصر، وتبيّن أن مشايخ الأزهر قد صاروا طليعة هذه النهضة وقادتها، وأن سلطانهم على العامة والجماهير قد أرهب المماليك وأفزعهم).([6])

كما ذكرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأثرها الإصلاحي وما قامت به من تجديد عقائدي وروحي!

فقلت عنه (لقد نجح الشيخ - محمد بن عبد الوهاب - في تجديد الخطاب السياسي الشرعي في بعض جوانبه؛ كضرورة إقامة الدولة ليقوم الدين، ووجوب قيام الأمة بما أوجب الله عليها عند تخلي الإمام عنها أو عجزه عن القيام بها)!

 وقلت أيضا (لقد كان لدعوة الشيخ محمد الإصلاحية أكبر الأثر في تجديد بعض مفاهيم الخطاب السياسي الشرعي، مما فتح الباب لظهور الحركات الإصلاحية في كثير من الأقطار بعد قرون طويلة من تعطل الأمة وعلمائها عن القيام بإصلاح شئونها وإحياء مجدها بالعودة إلى دينها بعد دروس معالمه، لقد استطاع الخطاب السياسي المؤول الذي كانت تتبناه الدولة العثمانية والأمراء التابعون لها في العالم العربي والجزيرة العربية مواجهة الخطاب الجديد ووأده وإسقاط الدرعية)!

وقلت أيضا في كتاب (الحرية أو الطوفان) (هذا مع أنه لم يخل عصر أو مصر من خلفاء وملوك عدول، وعلماء وقضاة ربانيين، كان لهم أكبر الأثر في استقرار الحضارة مدة ألف عام، كأثر من آثار العدل- الذي اشتهر به كثير من الخلفاء والقضاة والذي هو السبب في استقرار المجتمعات وازدهارها وتطورها، إلا أن هذا وحده لم يعد قادرًا على النهضة بالأمة من جديد؛ إذ إن تلك الحضارة ما كان لها أن تقوم ولا أن تدوم ألف عام لولا قوة الأساس الذي قامت عليه الدولة في بداية نشأتها، هذه القوة التي تمثلت في مبادئ الخطاب السياسي لتعاليم الدين المنـزل، والذي كان له أكبر الأثر في صمود الدولة في حروب الردة، ثم صمودها في الفتوحات التي تحققت على أيدي الصحابة، لما كان عليه الوضع السياسي في تلك الفترة من عدل، وحرية، وشورى، جعلت الفاتحين يضحون في سبيل هذه الدولة ومبادئها السماوية، فكان هذا الأساس الراسخ هو الذي ساعد على صمود الدولة بعد طروء الانحراف، وحال دون سقوطها قرونًا طويلة، فلا يمكن أن تقوم دولة ونهضة جديدة دون الرجوع إلى مبادئ الخطاب السياسي الراشدي؛ إذ لا يمكن للخطاب السياسي المؤول أن يكون أساسًا تقوم عليه دولة ونهضة جديدة).

فهذه بعض النصوص من كتاب (الحرية أو الطوفان) تؤكد بطلان ادعاء السقاف بأني أزدري أهل العلم وأتهمهم بالسطحية ..الخ!

وسيأتي من الأدلة ما يكشف مدى التضليل الذي مارسه السقاف في استثارة حماية قرائه ضد د حاكم وكتابه (الحرية أو الطوفان) ليصدهم بالباطل عنه وعما جاء فيه من الحق!

الوجه الثالث : لم يستطع السقاف أن يجد في كتابي ما يثبت فريته هذه إلا قولي في عبارة ابن القيم (الإنكار على الملوك والخروج عليهم أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر)، حيث قلت (تأمل ما في هذه العبارة من مبالغة في تعظيم شأن السلطان)!

فاتخذها السقاف - كسلفه حمد عثمان - ذريعة للتحريض علي، والتشهير بي، وأن فيما كتبت ازدراء لأهل العلم - هكذا بالجملة والعموم - واتهامهم بالسطحية والخلط ..الخ

وكل هذه تشغيبات لا تدفع حقا ولا تبطل صدقا، وليس في هذه العبارة في حق ابن القيم ازدراء له، ولا اتهام، وإنما فيها تعجب - وحق لكل إنسان أن يعجب - من المبالغة في هذه العبارة التي تخالف النص والواقع!

والسؤال الذي يفترض على السقاف الإجابة عنه هو :

هل في عبارة ابن القيم هذه ما يصدق عليه أنه مبالغة عند من لا يرى صحة هذه العبارة أم لا؟

فأنا ولكوني أختلف مع ابن القيم في هذه القضية أعجب من قوله بأن (الإنكار على الملوك والخروج عليهم أساس كل فتنة وشر إلى آخر الدهر) وأدعو القارئ لتأمل ما فيها من مبالغة!

كيف والعبارة عندي باطلة أصلا شرعا وعقلا وواقعا!

فإنكار المنكر على الملوك فمن دونهم هي مهمة الرسل والأنبياء من لدن إبراهيم مع النمرود، وموسى مع فرعون، حتى بعث الله رسوله صلى الله عليه وسلم ليهدم عرش كسرى وقيصر!

وقد جعل الإسلام قطب رحى الإصلاح في الأرض وتحقق الخيرية لهذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال تعالى {كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر}، ولا فرق في ذلك بين صعلوك ومملوك، وملوك وأبناء ملوك!

 وكما في الحديث الصحيح (من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان)!

ولا أظن بأن ابن القيم يريد ظاهر هذه العبارة من أن الإنكار على الملوك وحده - كما الخروج  وحده - أساس كل فتنة وشر، وإنما يريد الإنكار مع الخروج هو أساس كل شر!

كما أنه قصد بالملوك خلفاء الإسلام لا كل ملك وإن كان كافرا!

ومع هذا التأويل لهذه العبارة فإن الحكم الذي أصدره تهويل ظاهر البطلان!

فأساس كل شر إلى آخر الدهر - كما أخبر الشارع - هو الشيطان، والشرك بالله، والظلم لعباده، والأئمة المضلون، الذين قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم (غير الدجال أخوف عندي عليكم أئمة مضلون)[7]، وقال (إن أخوف ما أخاف عليكم الأئمة المضلون)[8]، مع أنه جاء في شأن الدجال (إنه لم تكن فتنة في الأرض، منذ ذرأ الله ذرية آدم، أعظم من فتنة الدجال).[9]

وقد أمر الشارع بالخروج على الأئمة إذا كفروا كما في الصحيحين (إلا أن تروا كفرا بواحا)، وقد أجمع أهل الإسلام على وجوب الخروج في هذه الحال، كما سبق نقله عن ابن حجر والقاضي عياض وغيرهما، فلو كان الخروج على الملوك أساس كل شر كما قال ابن القيم، لما أوجب الشارع الخروج في هذه الصورة التي لا يختلف أهل العلم فيها، ولكانت الشريعة تحرم الخروج على السلطة مطلقا حتى لو كفرت، ما دام الخروج هو أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر!

وسيأتي من كلام الأئمة وسلف الأمة في جواز الخروج على الجائر - فضلا عن الكافر - ما يؤكد بطلان هذه العبارة، مع جلالة ابن القيم رحمه الله!

وأما قول السقاف بأن الواقع شاهد على صحة كلام ابن القيم فدعوى عريضة كدعاواه التي يدعيها ثم يحتج بها على المخالف!

ولو قيل للسقاف عن أي واقع تتحدث؟

فواقع الأمم اليوم يشهد على خلاف ذلك!

فقد خرجت شعوب أوربا على ملوكها وطغاتها فما ازدادت بعد إسقاطهم إلا قوة وظهورا وعدلا واستقرارا، لا تعرفه اليوم أكثر شعوب العالم الإسلامي التي خنعت للطغاة، فما ازدادت إلا ضعفا وتخلفا وسقوطا أمام جيوش الغرب الكافر!

وخرج الشعب الصيني في ثورته على الإمبراطور وأقام نظامه الجمهوري فما ازدادت الصين بعده إلا قوة ووحدة ونهضة واستقرارا، حتى أصبحت قوة عالمية بعد أن كانت تحت نفوذ الاحتلال الأجنبي قبل الثورة، وكان الصينيون يموتون في الطرقات جوعا ومرضا!

وخرج الروس في ثورتهم الشيوعية على القيصر الروسي فأصبحت روسيا قوة عالمية!

وكل الدول الخمس التي تسيطر على مجلس الأمن وتتحكم في الأمم المتحدة (أمريكا - بريطانيا - روسيا - فرنسا - الصين) شهدت ثورات تاريخية كبرى غيرت واقعها تغييرا جذريا سياسيا واقتصاديا وعسكريا حتى سادت العالم!

وكما يقول المناطقة القضية الجزئية السالبة تنقض الكلية الموجبة!

فقوله السقاف (كل خروج على الملوك شر) كلية موجبة، ويكفي لنقضها جزئية (خرجت بعض الشعوب فلم يحدث لها شر)!

الوجه الرابع: ادعى السقاف بأني أدخلت ابن تيمية مع أصحاب الخطاب المؤول!

وهذه الاتهام وحده كاف في كشف مدى عجز السقاف عن فهم فكرة كتاب (الحرية أو الطوفان)، فضلا عن قدرته على نقده!

فالكتاب كما جاء في عنوانه (دراسة للخطاب السياسي الإسلامي ومراحله التاريخية) وقد عرفت معنى (الخطاب السياسي)، وقسمت مراحله السياسية إلى :

المرحلة الأولى : الخطاب المنزل : وهو عهد النبوة والخلافة الراشدة وهي مرحلة الخير المحض كما جاء في حديث الصحيحين عن حذيفة.

المرحلة الثانية: الخطاب المؤول : ويبدأ من بداية الخلافة العامة - التي حافظت على بعض أصول الخطاب المنزل - بعد الخلافة الراشدة، وما طرأ فيها من محدثات، فتارة تقرب من الخطاب المنزل، وتارة تبعد، بحسب أحوال الخلفاء صلاحا وجورا، كما في حديث حذيفة عن المرحلة الثانية (خير وفيه دخن) ويتمثل في أمراء (يهتدون بغير هدي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر).

المرحلة الثالثة : الخطاب المبدل : ويبدأ بنهاية الخلافة وزوالها كلية، وهي الشر المحض كما في حديث حذيفة (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها) (هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا)، ولهذا جعل المخرج من هذه الفتن العامة مخرجا سياسيا بقول صلى الله عليه وسلم لحذيفة حين سأله عما يأمره به إن أدرك ذلك فأجاب (الزم جماعة المسلمين وإمامهم) و (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه)، إذ الخلافة هي التي تعبر عن وحدة الأمة ووحدة الإمامة!

ثم بعد ذلك تعود كما بشر النبي صلى الله عليه وسلم (خلافة على منهاج النبوة)!

وكذلك حددت هذه المراحل أحاديث أخرى كثيرة بنحو ما جاء في حديث حذيفة كما في حديثه الآخر  :

1-(تكون النبوة ثم خلافة على منهاج النبوة) وهي المرحلة الأولى للخطاب السياسي المنزل.

2- ثم (خلافة رحمة) و(ملكا عضوضا)، وهي المرحلة الثانية التي فيها خير ودخن، فالخلافة العامة رحمة للأمة وعصمة لها من الفتن العامة، مع حدوث الملك العضوض وهو التنازع والتغالب على السلطة والعض عليها بلا شورى.

3- ثم (ملكا جبريا) (ثم يكون الطواغيت) وقد جاء وصف ما يقع فيها من منكرات وانحرافات حد التبديل، كما عن معاذ بن جبل وأبي عبيدة بن الجراح عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (إنه بدأ هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم كائن خلافة ورحمة، ثم كائن ملكا عضوضا، ثم كائن عتوا وجبرية وفسادا في الأمة، يستحلون الحرير والخمور والفروج والفساد في الأرض).([10])

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال(إنها ستكون ملوك، ثم جبابرة، ثم الطواغيت).([11])

 فأنا هنا وفي كتبي كلها التي عالجت هذه القضية لا أتحدث عن الخطاب الفقهي المؤول كما توهم السقاف حتى جعل كل علماء الأمة يقولون بهذا الخطاب المؤول، لكونهم عاشوا في هذه المرحلة!

وإنما أتحدث عن الخطاب السياسي الذي حكم الأمة ومراحله التاريخية، ولا يشك من له أدنى اطلاع على تاريخ الأمة بأن هناك مرحلة (الخلافة الراشد)، ثم (الخلافة العامة)، ثم الواقع المعاصر (منذ سقوط الخلافة)، وفي هاتين المرحلتين الثانية والثالثة ظل علماء الأمة الربانيون والمصلحون يجاهدون في إحياء الخطاب النبوي والراشدي، وذكرت نماذج حتى من علماء الأمة المعاصرين في مرحلة (الخطاب المبدل)، الذين قادوا حركة الإصلاح والتجديد في الخطاب!

وما من أصل من أصول الخطاب السياسي النبوي والراشدي في كتبي إلا وذكرت من كلام الأئمة وفقهاء الأمة من قال به وقرره ورجحه خاصة شيخ الإسلام ابن تيمية!

وقد احتججت بنصوص شيخ الإسلام ابن تيمية في مواطن كثير في (الحرية) وفي (التحرير) حيث يقرر فيها كثيرا من هذه الأصول، ومن ذلك قلت في (الحرية أو الطوفان) عن طريقة الاستيلاء على السلطة بالقوة والخلاف بين الأئمة فيها :

 (وقد ظلت هذه الطريقة محل خلاف قديم بين الفقهاء، فقد رُوي عن أحمد بن حنبل روايتان : رواية أن من استولى عليها بالقوة واجتمع عليه الناس، فإنه يكون إمامًا بذلك، فاشترط الاجتماع واستقرار الأمر له .

والرواية الثانية: أنه لا يكون إمامًا بالاستيلاء، وأن الإمامة لا تنعقد إلا بالبيعة أو الاستخلاف، وقد رجحها بعض أئمة المذهب).([12])

وقلت في شأن البيعة وكم يشترط له من العدد للحكم بانعقادها وصحتها ولزومها (وقد رجح أبو يعلى الحنبلي وشيخ الإسلام ابن تيمية وإمام الحرمين الجويني المذهب الثالث الذين اشترطوا رضا الأغلبية وجمهور أهل الحل والعقد، وقد عزاه أبو يعلى رواية عن الإمام أحمد بن حنبل).([13])

وقلت (ورد شيخ الإسلام ابن تيمية على أهل المذاهب الأخرى الذين احتجوا ببيعة أبي بكر  فقال (إنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه، لأن ذلك لا يقدح بمقصود الولاية، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك).([14])

(ورد على من احتج بصفقة عمر لأبي بكر بأن البيعة لم تتم بهذه الصفقة، بل بتتابع الصحابة الآخرين ورضاهم به وموافقتهم على اختياره؛ إذ لابد في كل بيعة من سابق ولاحق([15])، وإنما العبرة بالتسليم والرضا وتحقق الشوكة التي بها يتحقق مقصود الإمامة. وأنه لو فرض أن الصحابة الآخرين لم يتابعوا عمر على بيعته أبا بكر لما صار خليفة بذلك، وقد مال إلى هذا الجويني).([16])

فلا يوجد أصل من أصول الخطاب السياسي النبوي المنزل والراشدي إلا وذكرت من الأدلة من الكتاب والسنة ومن نصوص الأئمة ما يؤكد صحة ما قررته فيه!

فكيف يستقيم - بعد ذلك - هذ الفهم السقيم الذي فهمه السقاف، ليحمل كلامي عن الخطاب السياسي - وعن الخلافة التي عبرت عنه ومراحلها التاريخية وأطوارها - وينزله على الخطاب الفقهي الذي احتججت به في أكثر المسائل، بل في كل مسائل الكتاب!

وهذا لا ينفي أن الخلافة في كل عصر من عصورها كان لها من الفقهاء من كانوا يشايعون من يتولاها، ويفتون له بما يرونه من الآراء الفقهية التي قد تكون اجتهادات صحيحة وقد تكون فاسدة!

وتعرضي لهذه الآراء ليس قصدا بل عرضا لكونها تواكب الخطاب السياسي وتشايعه!

الوجه الخامس:

زعم السقاف بأن الخروج الذي جاء النهي عنه في النصوص عام للخروج العقائدي والسياسي، وأن ما ذكره د حاكم من تفريق غير صحيح!

فالسقاف يعرف الأقوال في القضية وما فيها من خلاف، فيتحاشى مناقشتها نقاشا علميا، موهما القراء بأن هذا التفريق من بنات أفكار د حاكم الذي خالف فيها الأئمة وسلف الأمة!

 وهذا قول الشيخ عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب في كتابه (جواب أهل السنة) في رده على من رماهم بالخروج على الإمام فقال في بيان هذه المسألة :

(قد اختلف أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، وكذلك أهل البيت، فذهبت طائفة من أهل السنة - رضي الله عنهم - من الصحابة فمن بعدهم كسعد بن أبي وقاص وأسامة بن زيد ومحمد بن مسلمة وعبد الله بن عمر - رضي الله عنهم - وغيرهم، وهو قول أحمد بن حنبل وجماعة من أصحاب الحديث : إلى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر باللسان إن قدر على ذلك، وإلا فبالقلب فقط، ولا يكون باليد وسل السيوف والخروج على الأئمة وإن كانوا أئمة جور .

وذهبت طائفة أخرى من الصحابة - رضي الله عنهم - ومن بعدهم من التابعين ثم الأئمة بعدهم إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يقدر على إزالة المنكر إلا بذلك. وهو قول  علي بن أبي طالب وكل من معه من الصحابة - رضي الله عنهم - كعمار بن ياسر وابن عباس وأبي سعيد الخدري وغيرهم، وهو قول أم المؤمنين ومن معها من الصحابة كعمرو بن العاص والنعمان بن بشير وأبي العادية السلمي وغيرهم، وهو قول عبد الله بن الزبير والحسين بن علي، وهو قول كل من قام على الفاسق الحجاج كعبد الرحمن بن أبي ليلى وسعيد بن جبير وأبي البختري الطائي وعطاء السلمي والحسن البصري والشعبي، ومن بعدهم كالناسك الفاضل عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر وعبيد الله بن حفص بن عاصم وسائر من خرج مع محمد بن عبد الله بن الحسين بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، ومع أخيه إبراهيم بن عبد الله ، وهشيم بن بشير والوراق وغيرهم).([17])

وما ذكره الشيخ عبد الله بن الشيخ محمد بن عبد الوهاب سبقه إليه ابن حزم حيث (ادعى ابن حزم أنه مذهب أئمة المذاهب المشهورة في القرن الثاني، فقال (اتفقت الأمة كلها على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد ... وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع المعتزلة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب، إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك) .

وبعد أن نسب القول بوجوب استخدام القوة لإزالة المنكر، إذا لم يزل إلا بذلك، إلى من خالفوا علي بن أبي طالب من الصحابة، ومن خرج على يزيد بن معاوية كالحسين وابن الزبير وأبناء المهاجرين والأنصار في المدينة، ومن خرج على الحجاج كأنس بن مالك (ثم من بعد هؤلاء من تابعي التابعين كعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وعبد الله بن عمر بن عبد الله، ومحمد بن عجلان، ومن خرج مع محمد ابن عبد الله بن الحسن، وهاشم بن بشر، ومطر الوراق، ومن خرج مع إبراهيم بن عبد الله، وهو الذي تدل عليه أقوال الفقهاء كأبي حنيفة، والحسن بن حي، وشريك ابن عبد الله، ومالك، والشافعي، وداود وأصحابهم، فإن كل من ذكرنا من قديم وحديث، إما ناطق بذلك في فتواه، وإما فاعل لذلك بسل سيفه في إنكار ما رأوه منكرا).([18])

كما أن التفريق بين صور الخروج والاختلاف في الحكم عليها بحسب صورها هو قول الأئمة من الفقهاء وأهل الحديث، كما قال ابن حزم في بيان الفرق بين قتال الباغي وغيره (ومن قام لغرض دنيا فقط كما فعل يزيد بن معاوية، ومروان بن الحكم، وعبد الملك بن مروان في القيام على ابن الزبير، وكما فعل مروان بن محمد في القيام على يزيد بن الوليد، وكمن قام أيضًا على مروان، فهؤلاء لا يعذرون لأنهم لا تأويل لهم أصلا وهو بغي مجرد، وأما من دعا إلى أمر بمعروف أو نهي عن منكر وإظهار القرآن والسنن والحكم بالعدل فليس باغيًا، بل الباغي من خالفه، وهكذا إذا أريد بظلم فمنع من نفسه سواء أراده الإمام أو غيره، وهذا مكان اختلف الناس فيه..). ([19])

ففرق ابن حزم بين خروج البغاة الذين يخرجون بقصد الوصول للسلطة بلا وجه حق، ومن خرجوا بقصد الإصلاح وإقامة العدل من أهل الحق!

مع أن كلا الفريقين هنا خرج خروجا سياسيا ولا علاقة لهم بالخروج العقائدي، وهو ما كان يقوم به الخوارج الذين يكفرون الأمة ويقاتلونها بسبب التأويل في الدين، لا بسبب الخلاف مع السلطة!

بينما السقاف يساوي بين هذه الصور كلها ولا يرى فرق بينها في الحكم!

وقد قلت في كتاب (الحرية أو الطوفان) : (وقد أشار شيخ الإسلام ابن تيمية إلى هذا الخلط الذي وقع فيه الفقهاء المتأخرون، عندما خلطوا بين قتال الخوارج، وقتال البغاة، وقتال أهل التأويل، وعاب شيخ الإسلام عليهم هذا الخلط فقال (أما جمهور أهل العلم [قديما] فيفرقون بين الخوارج وبين أهل الجمل وصفين وغيرهم ممن يعد من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم).([20])

وقال أيضًا (المصنفون في الأحكام يذكرون قتال البغاة والخوارج جميعا، وليس عن النبي صلى الله عليه وسلم في قتال البغاة حديث إلا حديث كوثر بن حكيم عن نافع، وهو موضوع، وأما كتب الحديث المصنفة مثل صحيح البخاري، والسنن فليس فيها إلا قتال أهل الردة والخوارج، وهم أهل الأهواء وهذا هو الأصل الثابت بكتاب الله وسنة رسوله، وهو الفرق بين القتال لمن خرج عن الشريعة والسنة فهذا الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، وأما القتال لمن لم يخرج إلا عن طاعة إمام معين فليس في النصوص أمر بذلك).([21])

ثم ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية ما وقع فيه هؤلاء الفقهاء - كحال السقاف وأدعياء الوسطية - من محظورات بسبب هذا الخلط وأنها تتمثل في:

1- قتالهم من خرج عن طاعة ملك معين، وإن كان هذا الخارج مثله أو قريبًا منه في اتباعه للشريعة والسنة!

2- تسويتهم بين هؤلاء الخارجين عن طاعة ملك معين، وبين المرتدين عن بعض شرائع الإسلام!

3- تسويتهم بين هؤلاء، وبين الخوارج الذين يخرجون على الأمة، ويستحلون دماءها وأموالها!([22])

ثم نعى شيخ الإسلام ابن تيمية عليهم بسبب هذا الخلط بين تلك الصور على اختلاف أحكامها عند السلف والأئمة فقال (تجد تلك الطائفة [من الفقهاء المتأخرين] يدخلون في كثير من أهواء  الملوك وولاة الأمور، ويأمرون بالقتال معهم لأعدائهم؛ بناءً على أنهم أهل العدل وأولئك البغاة . وهم في ذلك بمنـزلة المتعصبين لبعض أئمة العلم على نظرائهم، مدعين أن الحق معهم، أو أنهم أرجح بهوى قد يكون فيه تأويل بتقصير لا بالاجتهاد).([23])

فكان الأحرى بالسقاف وحري به أن يرد على ابن حزم وابن تيمية في تفريقهم بين صور الخروج، وأن يتهمهما بما اتهمني به من ازدراء الفقهاء الذين نعى ابن تيمية عليهم مشايعتهم للأمراء في عصرهم!

كما قال ابن حجر مفرقا بين خروج الخوارج، وخروج البغاة، وخروج أهل الحق (وقسم خرجوا غضبا للدين من أجل جور الولاة، وترك عملهم بالسنة النبوية فهؤلاء أهل حق، ومنهم الحسين بن على، وأهل المدينة في الحرة، والقراء الذين خرجوا على الحجاج، وقسم خرجوا لطلب الملك فقط وهم البغاة) ونص أيضًا أن الخروج على الظلمة كان مذهبا للسلف فقال في ترجمة الحسن بن حي وكان يرى الخروج: (هذا مذهب للسلف قديم). ([24])

ثم إن السقاف لا يريد أن يفهم أو لا يريد أن يصدق بأن من أئمة أهل السنة وسلف الأمة من يرى وجوب الخروج على الإمام الجائر فضلا عن الكافر، وهؤلاء الأئمة لا يساوون قطعا بين خروج الخوارج على الأمة المحرم بالنص والإجماع، ولا خروج البغاة على الإمام العادل بلا وجه حق وبلا ظلم وقع عليهم يريدون دفعه وهو أيضا محرم بالنص والإجماع، بخلاف الخروج على الإمام الكافر الواجب بالنص والإجماع، والخروج على الجائر عند هؤلاء الأئمة الذين يرون وجوب الخروج عليه أو جوازه لمن قدر على خلعه، والخروج على الإمام العادل لمن وقع عليه ظلم ولم يجد بدا من الخروج لدفع الظلم عن نفسه دون قصد خلع الإمام، فلا يتصور أنهم يرون نصوص النهي تعم كل هذه الصور، وإذا كان الأمر عندهم كذلك فليس مقبولا في أصول الجدل مصادرة الحجة عليهم وجعل الدعوى التي وقع الخلاف فيها دليلا على رد قولهم، كما يفعل السقاف وشيعته!

وقد نقلت في (الحرية أو الطوفان) بعض أقوال الأئمة فقلت:

(وقال أبو بكر الجصاص (وكان مذهبه [يعني أبا حنيفة] رحمه الله مشهورًا في قتال الظلمة وأئمة الجور ... وقضيته في أمر زيد بن علي مشهورة، وفي حمله المال إليه، وفتياه الناس سرًّا في وجوب نصرته والقتال معه، وكذلك أمره مع محمد وإبراهيم ابني عبد الله بن حسن).([25])

وهذا مذهب شيخه حماد بن أبي سليمان.([26])

وقال ابن العربي ( قال علماؤنا : وفي رواية سحنون - عن ابن القاسم عن مالك - إنما يقاتل مع الإمام العدل، سواء كان الأول أو الخارج عليه، فإن لم يكن عدلين فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين، فادفع ذلك.. هؤلاء لا بيعة لهم إذا كان بويع لهم على الخوف).([27])

(روى ابن القاسم عن مالك أنه قال : إذا بايع الناس رجلا بالإمارة ثم قام آخر فدعا إلى بيعته فبايعه بعضهم، أن المبايع الثاني يقتل إذا كان الإمام عدلا، فإن كان مثل هؤلاء - الظلمة - فلا بيعة له تلزم، إذا كانت بيعته على الخوف، والبيعة للثاني - الخارج عليه - إن كان عدلا، وإلا فلا بيعة له تلزم). ([28])

- أي لا بيعة للأول ولا للخارج عليهم لفقدهم شرطا من شروط الإمامة وهي العدالة -.

وقال الزبيدي : إن الخروج على الإمام الجائر هو مذهب الشافعي القديم.([29])

وفي مذهب أحمد رواية مرجوحة بجواز الخروج على الإمام الجائر، بناءً على ما روي عنه من عدم انعقاد الإمامة بالاستيلاء كما تقدم وإليه ذهب ابن رزين وقدمه في الرعاية من كتب الحنابلة، وقد قال بجواز الخروج من أئمة المذهب ابن عقيل وابن الجوزي.([30])

وهذه المسألة تُبنى على مسألة انفساخ عقد الإمامة بالفسق، وهي مسألة خلافية أيضًا، قال القرطبي : ( الثالثة عشر الإمام إذا نُصب ثم فسق بعد انبرام العقد فقال الجمهور : إنه تنفسخ إمامته ويُخلع بالفسق الظاهر المعلوم؛ لأنه قد ثبت أن الإمام إنما يقام لإقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، وحفظ أموال الأيتام والمجانين والنظر في أمورهم، إلى غير ذلك مما تقدم ذكره، وما فيه من الفسق يقعده عن القيام بهذه الأمور والنهوض بها، فلو جوزنا أن يكون فاسقا أدى إلى إبطال ما أقيم لأجله، ألا ترى في الابتداء إنما لم يجز أن يعقد للفاسق لأجل أنه يؤدي إلى إبطال ما أقيم له، وكذلك هذا مثله . وقال آخرون : لا ينخلع إلا بالكفر، أو بترك إقامة الصلاة، أو الترك إلى دعائها، أو شيء من الشريعة؛ لقوله عليه السلام في حديث عبادة : (( وألا ننازع الأمر أهله [قال] إلا أن تروا كفرًا بواحا عندكم من الله فيه برهان).([31])

فهذا هو القرطبي ينقل عن جمهور الفقهاء القول بفسخ بيعة الإمام الفاسق!

فهل سيتهمه السقاف بأنه يفتح الباب للفتن والدماء!

وقلت أيضا في (الحرية أو الطوفان) (وقد ذكر الماوردي هذه المسألة فلم يذكر فيها خلافًا، إذا كان خروجه عن حد العدالة بسبب اتباع الشهوات من الفسق والجور بفعل المحظورات، وارتكاب المنكرات، وتحكيم الشهوة، فهذا فسق يمنع من عقد الإمامة له ابتداءً، ومن استدامتها إذا طرأ شيء من ذلك على الإمام، ويخرج من الإمامة.([32])

ومع شهرة  هذه المسألة أي الخروج على الإمام الجائر ومقاومة طغيان السلطة، والتصدي لانحرافها في الصدر الأول من الصحابة والتابعين وأتباعهم، إلا أن فترة الخطاب الفقهي السياسي المؤول شهدت تطورًا فكريًّا جديدًا، هو أكثر تعبيرا عن الواقع منه عن النصوص، حيث ادعى ابن مجاهد البصري الأشعري إجماع الأمة على حرمة الخروج على أئمة الجور، وقد أنكر عليه هذه الدعوى واستعظمعها ابن حزم فقال (ولعمري، إنه لعظيم أن يكون قد علم أن مخالف الإجماع كافر، فيلقي هذا على الناس، وقد علم أن أفاضل الصحابة، وبقية الناس يوم الحرة خرجوا على يزيد بن معاوية، وأن ابن الزبير ومن تبعه من خيار المسلمين خرجوا عليه أيضًا، وأن الحسن البصري وأكابر التابعين خرجوا على الحجاج بسيوفهم، أترى هؤلاء كفروا ؟!

ولعمري، لو كان خلافًا يخفى لعذرناه، ولكنه أمر مشهور يعرفه أكثر العوام في الأسواق، والمخدرات في خدورهن؛ لاشتهاره).([33])

وهذا الخلاف بين سلف الأمة والأئمة الذي تعرفه المخدرات في خدورهن! والعوام في أسواقهم! لا يعرفه اليوم ولا يريدون معرفته حراس عرش الوسطية وسدنتها!

 بل يرونه خروجا عن السنة والسلفية التي لا يعرفها الشهيد السعيد الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وسعيد بن جبير، وإمام أهل السنة في عصره مالك بن أنس!

فما زالت السلفية المزعومة والسنة، الموهومة، تضيق على يد هؤلاء وتضيق أكثر فأكثر، حتى لم يبق عليها إلا الوسطيون الجدد، يخرجون منها من شاءوا، ويدخلون فيها من شاءوا، ويتباكون على أسود السنة، وحماة العقيدة!

وما زلنا مع هذه القضية حول كتاب الحرية فللحديث بقية!



([1]) انظر ابن كثير 12/112 ، وذيل طبقات الحنابلة 3/18 .

([2]) تفسير القرطبي 4/249 250 .

([3]) تفسير القرطبي 4/249 .

([4]) انظر ابن كثير 13/355 سنة 693هـ و14/20 سنة 701هـ ، و14/36 سنة 704هـ  ، و14/38 سنة 705هـ .

([5]) تاريخ الجبرتي 2/258 259 .

([6]) رسالة في الطريق إلى ثقافتنا للعلامة محمود شاكر ص 129.

[7] سبق تخريجه .

[8] أحمد في المسند 6/ 441 بإسناد حسن لغيره .

[9] ابن ماجه ح رقم 4477 وهو يتقوى بشواهده .

([10]) رواه أبو داود الطيالسي ح 228، وأبو يعلى الموصلي في مسنده ح 873، والطبراني في المعجم الكبير 1/128 و20/53، وابن عبد البر في التمهيد 14/245، كلهم من حديث ليث بن أبي سليم عن عبد الرحمن بن سابط عن أبي ثعلبة عنهما، وقد أخرجه الحافظ ابن حجر في الإمتاع ص 28 من طريق الطيالسي وقال (حديث حسن)، ورواه الطبراني في الكبير 1/157، وحماد بن نعيم في الفتن ح 239،كلاهما من طريقين فيهما ضعف عن حبيب بن أبي ثابت عن رجل من قريش عن أبي ثعلبة عن أبي عبيدة وبشير بن سعد نحوه، وليس في رواية نعيم عن رجل من قريش عن أبي ثعلبة، بل أرسله حبيب عن أبي عبيدة وبشير بن سعد، ويتقوى بشواهده.

([11]) ابن أبي شيبة في المصنف رقم 30565 و37193 بإسناد صحيح، وشمر بن عطية الراوي عن أنس ذكره ابن سعد في طبقاته في الطبقة الثالثة من أهل الكوفة، وقد توفي في حدود سنة 120 هـ، فالراجح سماعه من أنس الذي تأخرت وفاته إلى ما بعد 90 هـ، خاصة أنه لم يعرف بتدليس، فعنعنته عن أنس محمولة على السماع، وقد صحح ابن حبان والحاكم حديث الأعمش عن شمر، وروى شعبة عن الأعمش عن شمر حديثا، وهو لا يروي عن الأعمش إلا ما صرح فيه بالسماع، فثبت سماع الأعمش من شمر، والحديث موقوف له حكم المرفوع.

([12]) انظر حاشية المقنع 4/147 لسليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب ، وأيضًا الأحكام السلطانية لأبي يعلى الحنبلي ص 23 ، والإنصاف للمرداوي 10/310 .

([13]) الأحكام السلطانية ص 23 .

([14]) منهاج السنة 1/141 .

([15]) منهاج السنة 1/142 .

([16]) غياث الأمم ص 70 71 .

([17]) جواب أهل السنة ص 70 71 .

([18]) الفصل 4/171 172 .

([19]) المحلى 11/98 - 99 .

([20]) مجموع الفتاوى 35/54  .

([21]) مجموع الفتاوى 4/451  .

([22]) مجموع الفتاوى 4/451 - 452 .

([23]) مجموع الفتاوى 4/452  .

([24]) فتح الباري 12/286 ، وتهذيب التهذيب 2/288 .

([25]) أحكام القرآن 1/70 .

([26]) تاريخ بغداد 13/398 .

([27]) أحكام القرآن لابن العربي 4/1721.

([28]) العقد المنظم بحاشية  تبصرة الحكام 2/195 197 .

([29]) إتحاف السادة 2/233 .

([30]) الإنصاف للمرداوي 10/310 - 311 .

([31]) الجامع لأحكام القرآن 1/271 .

([32]) الأحكام السلطانية ص 19 .

([33]) مراتب الإجماع ص 199 .

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ