الإثنين 1439/01/05 هـ
الأخبار ||

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 4

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 4
3/22/2014 5:45:39 PM
صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 4

صوارم الأقلام

ونقض الشبه والأوهام

(4)

بقلم أ د حاكم المطيري

21 جمادى الأولى 1435ه

22 مارس 2014 م

الاستشكال الرابع :

توحيد الحاكمية وأوهام المعاصرين:

قال الشيخ علوي السقاف في عرضه ونقده لكتاب (الحرية أو الطوفان) :

(قال - أي د حاكم - ص 63 (فاعتقاد وحدانية الله في حاكميته هو الأصل الذي يقوم عليه توحيده في عبادته وطاعته، والأمر الوارد في الآية - {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه} - فرد من أفراد الحكم ونوع من أنواعه، فلكون الحاكمية لله عز وجل ولكونها حقا من حقوقه التي لا ينازعه فيها أحد، لهذا أمر ألا يعبد إلا هو، فلا يُعرف التوحيد من الشرك، ولا الطاعة من المعصية، ولا الإيمان من الكفر إلا بحكم الله، فمن لم يثبت هذا الأصل الإيماني العظيم - أي توحيد الله المطلق في حاكميته وإفراده بها - لم يسلم له توحيد الله في عبادته وطاعته؛ إذ العبادة والطاعة لله لا تعرف إلا عن طريق حكم الله وشرعه، ولا سبيل لالتزام حكم الله إلا بالإقرار والإيمان بأنه وحده الذي له الحكم والتشريع والأمر، كما له الخلق {ألا له الخلق والأمر}..)- انتهى كلام د حاكم - !

قال السقاف (وفي هذا التأصيل غلو في مسألة الحاكمية... وهو فيما نعلم مخالف لتأصيل العلماء في ذلك، فإنهم عكسوا الأمر، وجعلوا توحيد الله في عبادته هو الأصل، ومن ضمنه إفراده سبحانه بالحكم)!

وقبل الإجابة عن هذه الشبهة هناك سؤال من المهم معرفة جوابه - قبل البدء في نقض الشبهة - وهو ما الرابط بين هذه الشبهة وبين ما سبقها من شبه؟

وما الذي يريد السقاف قوله بعد أن حام حوله؟

لقد اعترض السقاف في الشبهة الأولى على قولي (لا دين بلا دولة) وقرر بأنه يمكن إقامة الدين كاملا بلا دولة، كما جرى للأنبياء قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم!

وعليه يمكن للأمة اليوم وفي كل زمان أن تقيم الإسلام كاملا وبلا دولة! ولا يكلف الله الأمة التي - تبلغ أكثر من ألف مليون نسمة - إلا وسعها واستطاعتها، كما كان المؤمنون في مكة، ولا داعي للجهاد من أجل إقامة الدولة - كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم من عرضه نفسه على العرب، والبحث عن النصرة، والبيعة للأنصار والهجرة، والجهاد لإعلاء كلمة الله في الأرض - ما دام يمكن إقامة الدين كاملا كما فعل الأنبياء السابقون على - حد زعم سماحة العلامة علوي السقاف - لا  كما فعله خاتم الأنبياء وسيدهم صلى الله عليه وسلم وشرعه لأمته إلى يوم القيامة!

وقرر السقاف أيضا بأن الدولة إذا كان المراد بها الخلافة فهي شبه مستحيلة!

وعليه من يدعو الأمة إليها ويبشر بعودتها كحاكم حالم واهم!

وخرج بنتيجة هي أن ما قرره د حاكم في تأصيل (لا دين بلا دولة) غلو في مقابلة أهل التفريط!

فصار السقاف ومن معه هم الطائفة الوسط! ولا ندري حينئذ من هم أهل التفريط!

واعترض في شبهته الثانية على قولي بأن حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) هي سننهم في الخلافة وسياسة الأمة!

وأكد السقاف بأن سنن الخلفاء الراشدين أعم من ذلك، وأننا يمكن أن نكون ممن تمسك بسنن الخلفاء الراشدين وهديهم باتباعهم في مسائل العقيدة والعبادة والفقه، وليس بالضرورة في سننهم السياسية!

وخرج بنتيجة هي أن د حاكم يتكلف في تأويل النصوص ويتعسف في تأويلها لنصرة رأيه وهواه!

واعترض في شبهته الثالثة على قولي بأن الإمام وكيل عن الأمة كما يقول الفقهاء!

وهنا فقط وصف السقاف د حاكم بالتساهل حيث لم يعط عقد بيعة الإمام والسلطان حقه من التعظيم فهو أشد خطورة مما يتصور د حاكم، ويجب عدم الاستخفاف به!

وفي هذه الشبهة الرابعة - ونعوذ بالله من الخذلان - يعترض السقاف حامي حمى الوسطية على تعظيم د حاكم لتوحيد الله في الحكم ويصفه بأن في تأصيله (غلو في مسألة الحاكمية)!

فحاكم المطيري عند السقاف غال ومتطرف في دعوته إلى (توحيد الله في الحكم)، وغال في دعوته إلى (إقامة دولة الإسلام في الأرض)، وواهم في الدعوة (إلى استعادة الخلافة)، إلا إنه - وهذا من إنصاف سماحة الإمام السقاف مع د حاكم - متساهل مفرط في حق الإمام وعقد البيعة!

فالسقاف يريد من د حاكم تشددا أكثر في حماية عقد البيعة والإمامة للسلطان، فلا ينبغي التساهل فيها بوصفها عقد وكالة بدعوى حق الأمة في عقدها وفسخها، أما عقد الإيمان بالله وتوحيده في الحكم والطاعة - الذي فسخه الطغاة وخلعوه - فالواجب على حاكم المطيري كما تقضي به وسطية السقاف أن يكون أقل تطرفا وغلوا وأكثر اعتدالا!

أيظن ظان ويتوهم واهم ويحلم حالم أن كل هذه الخطرات التي عبر فيها السقاف عما يضمره جاءت صدفة بلا أساس من خلل في التصور والاعتقاد عنده وعند طائفته المفتونة بالوسطية المزعومة! حتى صار حق السلطان الذي رماني بالتساهل في حقوقه، أجل في نظره وأعظم في نفسه من حقوق الله التي رماني في الغلو والتطرف في تقريري لها!

هذه والله الظنون الكواذب!

وفي الوقت الذي يصف السقاف د حاكم فيه بالغلو والتطرف في موضوع (توحيد الحاكمية لله)، يرى صاحبه الكاتب الناقد إبراهيم السكران عكس ذلك في مقاله النقدي لكتاب (الحرية أو الطوفان) حيث اتهم د حاكم بأنه (يسفه كل المطالب الشرعية كتوحيد الشعائر، وتوحيد التشريع، وتزكية النفوس بمقامات الإيمان التي يحبها الله، ونشر السنن، وإماتة البدع، والحفاظ على الفضيلة والعفاف الخ الخ ) انتهى كلام السكران!

ولاحظ قوله (...الخ الخ) أي قولوا - ولا تبالوا - ما شئتم في حاكم المطيري من سوء فهو له أهل، وإنما ترك السكران الاستقصاء حتى لا يتعب القراء!

كل هذا القول الزور والإفك والفجور يروجه هؤلاء لمصلحة من؟

وما سبب هذه العداوة التي تحملهم على مثل هذا الافتراء؟

ولم اقتحموا مثل هذا المنكر الذي طالما روجوه ولم يتناهوا عنه؟!

ومن الذي أزهم على حرب د حاكم وكتابه (الحرية)، تلك الحرب التي زاد أوارها منذ سنة 2008م قبل الثورة العربية، وقبل تنفس الأمة الصعداء وتنسمها أجواء الحرية؟ فإذا كتاب (الغوغائية) يوزع بالمجان في المسجد النبوي! وفي كل مسجد في الخليج وجزيرة العرب، وتطبعه الحكومات وتنشره في الوزارات، وإذا مقالات السكران تواكبه وتجاريه حذو القذة بالقذة وفي السنة نفسها لتروج في منتدياتهم التي يشرف عليها ولاة أمورهم!

فإذا الحرب الإعلامية وحملة التشهير بحاكم المطيري تصل إلى العامة في المساجد والدوائر الحكومية من خلال (غوغائية) حمد عثمان، وتصل للشباب في المنتديات والقروبات في شبكات الأنترنت من خلال (غوغائية) إبراهيم السكران!

وكأن من وراء هذه الحملة المسعورة كان يهدف إلى تحصين كلا الفئتين - ممن ينتمي لهما حمد عثمان، وإبراهيم السكران على ما بينهما من صراع - ليقطع الطريق على كتب د حاكم أن تصل إلى الشباب في كلا التيارين!

فمن لم يقرأ ما كتبه حمد عثمان في (غوغائيته) أو من لم يقتنع به، فعليه بما كتبه إبراهيم السكران، ففيه من الحجج ما يصرفه عن (الحرية أو الطوفان)؟!

ولقد كان لمن وراء تلك الحملة المشبوهة المسعورة ما أراد! ونجحت في صد كثير من الناس عن حاكم وكتبه حينا من الدهر حتى إذا جاءت الثورة العربية وزلزلت عروش الطغاة فإذا الحاجة تقتضي من جديد استدعاء السدنة للتصدي للحرية أو الطوفان بعد عشر سنين من صدوره فإذا السقاف يجد فرصة لنقده!

وسأدع نظرية المؤامرة التي تسيطر على خيال د حاكم! فليس هناك لجان في وزارات الداخلية في دول الخليج لحماية الشباب من الأفكار الخطيرة المتطرفة!

ولا دور للأمن الوطني والوقائي في حملة التشهير هذه!

فكلها أواهم لا حقائق لها وإنما يروجها د حاكم التي سيطرت عليه فكرة المؤامرة!

وليس هناك شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زحرف القول غرورا!

مع أنه أخبرني بتفاصيل بعض مؤامراتهم ولجانهم بعض من كانوا على اطلاع ومعرفة بهم!

وسأفترض أنه لم يتورط أحد في لقاءات مشبوهة وصفقات من وراء الكواليس لمواجهة د حاكم و(حزب الأمة) و(مؤتمر الأمة) في عدد من عواصم الدول الخليجية الوظيفية!

فهذه قصة أخرى طويلة سيأتي وقتها بإذن الله وكشف أطرافها والمصالح التي تورطوا فيها!

أقول سأفترض أن ما جرى من السكران ثم من السقاف وأصحابهما اجتهادات حرة صدرت خوفا على عقائد الشباب من الغلو والتطرف الذي يدعو له د حاكم، وأنه لا علاقة لها بالحكومات الخليجية - التي تديرها واشنطن - وأجهزتها الإعلامية ووسائلها في توجيه الرأي العام ودورها في توظيف الدعاة والمشايخ لمواجهة الأفكار التي قد تشكل خطرا على الاحتلال الأمريكي الصليبي والأنظمة الوظيفية من جهة، كما تشكل خطرا على الجماعات ومصالحها من جهة أخرى، فاقتضت مصالح الطرفين التحالف فيما بينهما في هذه الحرب الإعلامية!

سأفترض ذلك كله جدلا - وهو ممكن إذ قد يوظف المخلصون من حيث لا يشعرون - إلا إنه يظل السؤال الأهم هو :

ما سبب كل هذه الخصومة إذاً بينهم وبين د حاكم الذي لا يعرفهم! ولم يلتق بهم! وليس بينه وبينهم مشكلة أصلا إلا أنه ألف (الحرية أو الطوفان) منذ عشر سنين، يدعو فيه إلى بعث الخطاب الراشدي وسننه في الحكم وسياسة الأمة بالعدل، ويرى ضرورة الدولة في الإسلام لتقيم أحكامه، ويدعو إلى تحكيم الإسلام في واقع الحياة، فإذا هم يتصدون له ويصفونه بكل هذا الإفك الذي لا يتصور صدوره ممن يعرف أدب الإسلام وشيم العرب فضلا عمن يدعي حراسة العقيدة، وحماية العفاف والفضيلة! حتى ترحمت على كتاب (الغوغائية)! وأدركت كم كان حمد عثمان وديعا ومؤدبا في نقده إذ لم يبلغ فيه الفجور في الخصومة - تزلفا لولاة أمره - هذا الحد الذي بلغ بالسكران وفئته؟!

وهب جدلا أن د حاكم - الذي التزم بالدعوة إلى الله وطلب العلم منذ سنة 1977م وهو ابن 14 سنة، وتصدى لدعاة الليبرالية والعلمانية في صحافة الكويت منذ 1992م دفاعا عن الإسلام وعقيدته وشريعته - يستخف بالدين ويسفه العناية بالتوحيد والشرائع والسنن وتزكية النفوس - التي بلغ إبراهيم السكران بتزكيتها حد رمي مسلم لا يعرفه بكل هذا الفجور، والقول الزور، دون أن يردعه دين ولا خلق - أقول هب جدلا أن كل ذلك وجده السكران في كتاب (الحرية أو الطوفان)! فمن أين جاء بتهمة (ويسفه الحفاظ على العفاف والفضيلة ..الخ الخ)!

وأين وقف السكران على ذلك في كتبي ومقالاتي التي تبلغ المئات؟

فهل وراء هذا الفجور في الخصومة فجور!

وهل وراء هذا الإفك والافتراء كذب وزور!

وهل يمكن فهم مثل هذا التصرف إلا في سياق حملة التشهير التي كانت قبل الثورة العربية - قبل أن يتوب من تاب من سدنة الطغاة - لصد الناس عن كتب د حاكم؟!

ثم من هي الجهات التي يغيظها الدعوة إلى إقامة (الدولة في الإسلام)، والدعوة إلى (الحكم بسنن الخلفاء الراشدين)، وتقرير (حق الأمة في عقد البيعة للإمام ومحاسبته وعزله كوكيل عنها)؟

ومن هي الجهة المستفيدة من كل هذه المقالات الساقطة! ومن هي تلك الأطراف اللاقطة!

  هذه أسئلة أدع جوابها لمن زعم بأن ما كتبه هؤلاء مجرد ردود علمية بريئة! وأن على د حاكم مناقشتها بأدب وسعة صدر! وألا يرمي كل من خالفه في الرأي بأنه في خندق الطغاة! وإن اتهموه بكل هذا الإفك، وإن حرضوا عليه الملأ وشنوا ضده حملة تشهير، كما شنها أصحاب (الغوغائية)!

ولقد تركت الرد على مقالتي السكران الأولى ثم الثانية- حين كانت مقالته الأولى تروج في مجموعة د عبد العزيز قاسم الإعلامية في شبكة الأنترنت - كل هذه السنوات الست لوجه الله تعالى، لعلمي بأن الله يدافع عن الذين آمنوا، وظنا مني أنها ستذهب أدراج الرياح، وترفعا عن الانشغال بسفاسف الأمور، حتى غدت تلك المقالات اليوم وفجأة حجة لسدنة الحكومات الوظيفية يحاربون بها د حاكم وكتبه، ويروجونها في التويتر من جديد، حين عجزوا عن كشف أقنعتهم، حتى غدت المقالة التي لم يكن يسمع بها إلا (مجموعة) الإعلامي السعودي عبد العزيز قاسم آنذاك تروج اليوم في كل وسائل التواصل الاجتماعي، في سياق حملة محمومة تشنها حكومات الحملة الصليبية - التي تحتضر وتلفظ أنفاسها الأخيرة - لمواجهة التغيير القادم في الخليج وجزيرة العرب حررها الله!

وأما الإجابة عن هذه الشبهة التي أثارها السقاف حول موضوع الحاكمية فهي من وجوه :

الوجه الأول:

لم يفرق السقاف كعادته في أوهامه بين (توحيد الله في الحكم) المطلق قدرا وشرعا من جهة، وهي التي كنت أتحدث عنها في كتابي، و(مسألة الحاكمية) التي ثار الجدل فيها بين المعاصرين وهي قضية تحكيم الشريعة وحكم تاركها، والتي هي فرع من فروع (توحيد الحاكمية لله)!

ومع وضوح الآيات القرآنية وضوحا لا يشكل على من يعرف لغة العرب ولغة القرآن إلا إن السقاف لم يجد بدا من دفع دلالتها، لا بحجج القرآن التي أعوزته، بل بأقوال العلماء الذي يدعي السقاف بأنهم خالفوها وقرروا عكس ما قررته الآية القرآنية!

وسأجتهد في تقريب معنى الآية عسى الله أن ييسر فهمها فأقول:

قال تعالى {إن الحكم إلا لله} وهذا الأسلوب (إن - إلا) من أقوى أدوات الحصر والقصر والإفراد والتوحيد، و(إن الحكم): (إن) هنا نافية بمعنى (ما) أي (ما الحكم) (إلا لله)، فاستخدم أسلوب القصر بأداة الاستثناء إلا - وهي أم الباب وأقوى أخواتها في الدلالة على الحصر والقصر - ففيها نفي الحكم عما سواه الله، وقصرت الحكم على الله وحده لا يشرك معه فيه أحد، وأوجبت إفراد الله وحده بالحكم وتوحيده به، كما في قوله {ولا يشرك في حكمه أحدا}، فهي في دلالتها على التوحيد والإفراد ككلمة التوحيد (لا إله إلا الله)، وكقوله {ولا يشرك بعبادة ربه أحدا}!

والحكم المطلق يشمل الحكم الكوني القدري، والحكم الشرعي الأمري، والحكم القضائي الجزائي الأخروي، إلا إن المراد هنا الحكم الشرعي الأمري أصالة والقدري والجزائي تبعا، لأنه رتب عليه قوله {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}!

ومثله قوله تعالى {إن الحكم إلا لله عليه توكلت} وهذا في الحكم الكوني القدري، فلذا ذكر التوكل إذ لا ينفك العبد عن أقدار الله التي لا حول له فيها ولا قوة إلا بالتوكل عليه وحده.

ومثله في الحكم الجزائي يوم القيامة قوله تعالى {إن الحكم إلا لله يقص الحق وهو خير الفاصلين}..

قال ابن جرير الطبري في تفسيره (وقرأ ذلك جماعة من قراء الكوفة والبصرة {إن الحكم إلا لله يقض الحق}، بالضاد من القضاء بمعنى الحكم والفصل بالقضاء، واعتبروا صحة ذلك بقوله {وهو خير الفاصلين}، وأن الفصل بين المختلفين إنما يكون بالقضاء لا بالقصص.

وهذه القراءة عندنا أولى القراءتين بالصواب لما ذكرنا لأهلها من العلة.

فمعنى الكلام إذن: ما الحَكمُ فيما تستعجلون به أيها المشركون من عذاب الله وفيما بيني وبينكم، إلا الله الذي لا يجور في حكمه، وبيده الخلق والأمر، يقضي الحق بيني وبينكم، وهو خير الفاصلين بيننا بقضائه وحكمه) انتهى كلام الطبري.[1]

وقد جاءت الآية بالجملة الاسمية {إن الحكم إلا لله} كحقيقة مطلقة لما تفيده الجملة الاسمية من الثبوت والاستقرار، كقضية مسلمة لا ينبغي الجدل فيها كما هي طريقة القرآن في تقرير توحيد الربوبية والخلق، الذي يستلزم إخلاص العبادة والطاعة لله وحده، كما له الخلق والأمر والحكم وحده!

 ثم بعد تقريره لهذه الحقيقة المطلقة في كون الحكم لله وحده قضاء وقدرا ونهيا وأمرا وجزاءا وحسابا رتب عليه {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}، فلكونه هو وحده الحاكم الذي له الحكم المطلق وهو الذي يحكم ويشرع لعباده ويأمرهم وينهاهم ويجازيهم فيثيبهم أو يعاقبهم = {أمر}، والأمر فرع من الحكم، وفرد من أفراده، إذ منه أمر ونهي وإباحة وإذن وتشريع، وجاء هنا بفعل {أمر ألا تعبدوا إلا إياه}، وهي جملة فعلية لما في الفعلية من معنى الحدوث والتجدد، إذ الأمر والنهي يتجدد بالشرائع كلما أرسل الله الرسل وفصل الأحكام، فالحكم والأمر المطلق قديم النوع، وآحاد الأحكام وآحاد الأمر الإلهي تتجدد وتختلف باختلاف الشرائع والكتب التي خاطب الله بها عباده ورسله {ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون}..

وقوله {ألا تعبدوا إلا إياه} هو بيان لموضوع الأمر وقضيته، أي حكم فأمركم ألا تعبدوا أحدا إلا إياه، حيث قصر وحصر العبادة له وحده لا شريك له!

فصدور الحكم والأمر - وهو من أفعال الله سبحانه - للعباد بعبادة الله وحده، أسبق وجودا من وقوع العبادة منهم لله وحده التي هي من أفعال العباد!

قال ابن حيان الأندلسي في تفسيره (البحر المحيط) :

 ({إن الحكم إلا للّه} أي ليس لكم ولا لأصنامكم حكم، ما الحكم في العبادة والدين إلا للّه، ثم بين ما حكم به فقال {أمر أن لا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم}، ومعنى القيم: الثابت الذي دلت عليه البراهين).[2]

فانظر قوله (ما الحكم في العبادة والدين إلا لله، ثم بين ما حكم به فقال أمر ألا تعبدوا إلا إياه)!

فالأمر بعبادة لله وحده لا شريك له هو أثر لتوحيده في الحكم، وبيان له، حيث حكم الله لأجل ذلك بإفراده بالعبادة!

فالأمر بالعبادة هو موضوع الحكم وبيانه، والحكم هو الأصل!

وقال أيضا في البحر المحيط (وقال تعالى وتقدس {لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي} فذكر العبادة عقيب التوحيد، لأن التوحيد هو الأصل، والعبادة فرع).[3]

وقال أيضا (قوله {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} أي فوحدوه وأخلصوا له العبادة، لأن أصل العبادة هو التوحيد).[4]

فتأمل قول ابن حيان الأندلسي (لأن التوحيد هو الأصل، والعبادة فرع)، وقارن ذلك مع قول السقاف (وفي هذا التأصيل غلو في مسألة الحاكمية... وهو فيما نعلم مخالف لتأصيل العلماء في ذلك، فإنهم عكسوا الأمر، وجعلوا توحيد الله في عبادته هو الأصل، ومن ضمنه إفراده سبحانه بالحكم)!

وخلط السقاف بين (توحيد الله في الحكم) الذي هو من صفاته وأفعاله وأسمائه، جل جلاله وتقدس في عليائه، و(التحاكم إلى حكمه) الذي هو من أفعال عباده الموحدين له، وهي من عباداتهم وطاعاتهم التي يتقربون بها إليه!

فمن لم يوحد الله في الربوبية والحكم والأمر والنهي، لا يتصور منه توحيده في العبادة والطاعة التي هي فرع للإقرار بالأصل، مع كونها في الوقت ذاته هي الفرع الذي لا يقبل الله التوحيد إلا به إذ هي الغاية من الخلق والأمر والنهي!

فليس في قول ابن حيان (التوحيد أصل والعبادة فرع) ما يفهم منه أنه لو تخلف الفرع صح التوحيد، وإنما مراده أنه من لم يستقم له الأول لم يستقم له الثاني، فمن لم يؤمن بأن الله إله وحد يحكم ويأمر وينهى - وهذا فعل الرب - لا يتصور منه الإخلاص له بالعبادة والطاعة له والتحاكم إليه وحده  كما أمر بقوله {فاعبدني}التي هي فعل العبد!

قال ابن عاشور في التحرير والتنوير (وجملة {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} إبطال لجميع التصرفات المزعومة لآلهتهم بأنها لا حكم لها فيما زعموا أنه من حكمها وتصرفها، وجملة {أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} انتقال من أدلة إثبات انفراد الله تعالى بالإلهية، إلى التعليم بامتثال أمره ونهيه، لأن ذلك نتيجة لإثبات الإلهية والوحدانية له، فهي بيان لجملة {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ} من حيث ما فيها من معنى الحكم).[5]

فتأمل قوله (انتقال من أدلة إثبات انفراد الله تعالى بالإلهية إلى التعليم بامتثال أمره ونهيه، لأن ذلك نتيجة لإثبات الإلهية والوحدانية له)!

فلن يعرف الخلق ما يريد الله منهم من توحيده وإفراده بأنه إله واحد وأنه المعبود المستحق للعبادة وحده، إلا بحكمه وشرعه وأمره وأنه الحاكم وحده بما أوحاه سبحانه إلى رسله وأنزله في كتبه، ولن يؤمنوا بأنه الحاكم وحده لا شريك له، حتى يؤمنوا بأنه الخالق والرب وحده لا شريك له!

فمن لم يثبت أولا توحيد الله في الخلق لن يثبت بداهة توحيده في الأمر {ألا له الخلق والأمر}، ومن لم يثبتهما أولا، فلن يثبت أنه الذي له وحده العبادة والطاعة ثانيا، لأن الطاعة والعبادة لا تكونان إلا بعد الأمر والنهي والحكم والشرع (افعل ولا تفعل)!

ولا يتحقق التوحيد الذي به نجاة الخلق يوم القيامة إلا بإفراد الله وحده لا شريك له بالعبادة والطاعة والتسليم لحكمه وأمره ونهيه وشرعه، وهي الغاية التي خلقهم الله من أجلها {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}، وأرسل الرسل من أجلها {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}!

وقوله {إلا ليعبدون} أي ليوحدون أو آمرهم ويطيعوني!

قال ابن حيان في البحر المحيط (وفسرت العبادة في {إياك نعبد} بأنها التذلل والخضوع، وهو أصل موضوع اللغة، أو الطاعة كقوله تعالى {لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ}، أو التقرب بالطاعة أو الدعاء {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} أي عن دعائي، أو التوحيد {إلا ليعبدون} أي ليوحدون، وكلها متقاربة المعنى).[6]

وقال شيخ مشايخنا العلامة محمد الأمين الشنقيطي في تفسيره لهذه الآية (وقال بعض أهل العلم: وهو مروي عن مجاهد أيضا معنى قوله {إلا ليعبدون} أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره، وعلى هذا القول : فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله {ليعبدون} - إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل لطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية، لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك بدليل قوله تعالى {قل يا أيها الكافرون 0 لا أعبد ما تعبدون 0 ولا أنتم عابدون ما أعبد} إلى آخر السورة، والتحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة {إلا ليعبدون}، أي إلا لآمرهم بعبادتي وأبتليهم أي أختبرهم بالتكاليف، ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر، وإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية، لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملا، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم..).[7]

فرجح الشيخ الشنقيطي هنا قول مجاهد بأن المراد بآية {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون} أي حتى آمرهم بعبادتي وأبتليهم بطاعتي!

وقال شيخ مشايخنا الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره في قوله تعالى {إن الحكم إلا لله} (لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع، ويسن الأحكام، وهو الذي أمركم { أن لا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ }).[8]

فأمره للخلق بعبادته وحده لا شريك له إنما كان بحكمه ولكونه هو الحاكم وحده!

فلا يتصور توحيد الله في عبادته وطاعة أمره قبل توحيده ومعرفة حكمه وشرعه وأمره ونهيه!

وهذا أمر بديهي لا يحتاج إلى تدقيق نظر إذ لا يعرف التوحيد من الشرك إلا بالشرع، وبعد الحكم والأمر والنهي، ولهذا قرن الله بين الخلق والأمر {ألا له الخلق والأمر} القدري والشرعي فهما أصل التوحيد وأساسه!

قال في تفسير المنار ({إن الحكم إلا لله} أي ما الحكم الحق في الربوبية والعقائد والعبادات الدينية إلا لله وحده يوحيه لمن اصطفاه من رسله، لا يمكن لبشر أن يحكم فيه برأيه وهواه ولا بعقله واستدلاله، ولا باجتهاده واستحسانه، فهذه القاعدة هي أساس دين الله تعالى على ألسنة جميع رسله، لا تختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، ثم بين أول أصل بني عليها، لأنه أول ما يجب أن يسأل عنه من عرفها، فقال {أمر ألا تعبدوا إلا إياه} بل إياه وحده فادعوا واعبدوا، وله وحده فاركعوا واسجدوا، وإليه وحده فتوجهوا، حنفاء لله غير مشركين).[9]

فهذه بعض أقوال أئمة التفسير من المتقدمين والمتأخرين، كلها تؤكد ما قررته في العبارة التي اعترض عليها السقاف وزعم أن ما ذكرته من تفسير للآية ومن تأصيل لتوحيد الله المطلق في الحكم غلو يخالف ما قرره العلماء!

وما زلنا مع هذه القضية والشبه حول كتاب الحرية وللحديث بقية!



[1] (9 / 280)

[2] (6 / 278)

[3] (1 / 44)

[4]  (1 / 162)

[5] (12 / 66)

[6] (1 / 44)

[7] أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن (7 / 445)

[8] (1 / 398)

[9] (12 / 254)

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ