الثلاثاء 1438/11/02 هـ
الأخبار ||

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 3

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 3
3/20/2014 12:57:17 PM
صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 3

صوارم الأقلام

في نقض الشبه والأوهام

 (3)

بقلم أ د حاكم المطيري

19 جمادى الأولى 1435ه

 20 مارس 2014 م

 

الاستشكال الثالث : عقد الإمامة وقياسه على الوكالة وهل الإمام وكيل عن الأمة أم لا :

قال الشيخ علوي السقاف في نقده لكتابي (الحرية أو الطوفان) :

 (ثالثا : قياسه - أي د حاكم -  بيعة الإمام على الوكالة وتهوينه من أمر فسخها) ثم نقل كلامي من كتاب الحرية ص 28 وفيه قولي (فإذا ثبت كل ذلك، وأنه لا إمامة بلا عقد البيعة، ولا عقد إلا برضا الطرفين، وأنه عقد وكالة: الأمة فيه هي الأصيل، والإمام هو الوكيل عنها في القيام بمهام محددة وفق صيغة محددة نصها (بايعناك على بيعة رضا على إقامة العدل والإنصاف والقيام بفروض الإمامة)([1])، أو (بايعناك على الكتاب والسنة)، كما كان الصحابة يفعلون : إذا ثبت ذلك كله فإنه لا يوجد عقد في الشريعة يقتضي الاستدامة ولا يمكن فسخه، بل جميع العقود التي تقبل الاستدامة وطول المدة - كالإجارة والوكالة والنكاح - يمكن فسخها ورفعها، خصوصا عقود الوكالة؛ إذ هي أوسع العقود في الشريعة الإسلامية في هذا الباب، إذ لكل من طرفي العقد فسخه، فإن للأصيل الحق في عزل الوكيل متى شاء، إذ هو صاحب الحق، وقد قال ابن الجوزي ردًّا على من يرى أن الحسين أخطأ في خروجه على يزيد ( لو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها، ثم لو قدرنا صحة خلافته فقد بدرت منه بوادر وكلها توجب فسخ العقد)([2])فعقد الإمامة كغيره من العقود التي يمكن فسخها) انتهى كلامي محذوفا منه ما تحته خط!

  ثم أردف السقاف - بعد أن حذف كلام ابن الجوزي الذي تحته خط - مستدركا بقوله (إن  تشبيه عقد بيعة الإمام بعقد الوكالة من كل وجه لا يصح، نعم هناك أوجه شبه كما أن ثمت فروقا كثيرة بينهما.. ثم إن هذا التشبيه بعقد الوكالة من كل وجه والزعم بجواز فسخه متى شاء الأصيل (الأمة) يجعل هذا العقد عرضة للفسخ لأدنى موجب .. فالذي ينبغي ألا يعد عقد البيعة كعقد الوكالة من كل وجه وألا يستهان بأمر فسخة)انتهى كلام السقاف!

والإجابة عن هذه الشبهة من وجوه :

الوجه الأول: حاول السقاف - كما فعل في الشبهة الأولى - التدليس وتضليل القراء مرة أخرى، حيث حذف أول كلامي عن تحديد طبيعة عقد الإمامة، ثم أخذ يكرر ثلاث مرات في فقرة واحدة عبارة (من كل وجه)، فقال (إن  تشبيه عقد بيعة الإمام بعقد الوكالة من كل وجه لا يصح)، وقال (إن هذا التشبيه بعقد الوكالة من كل وجه)، وقال (فالذي ينبغي ألا يعد عقد البيعة كعقد الوكالة من كل وجه)!

 فما هو السر في ترديد السقاف لعبارة (من كل وجه) ثلاث مرات؟

ومن أين جاء بها من كلامي؟

 ولماذا لم يورد السقاف نص كلامي عن طبيعة عقد البيعة في الفقرة الرئيسة التي قبلها والخاصة في الموضوع ؟

لقد رأى السقاف أن قياس عقد الإمامة على عقد الوكالة ليس رأيي فقط، وإنما هو قول أئمة المذاهب الفقهية لا يكادون يختلفون فيه! وحتى يكون تعقيبه على د حاكم واستدراكه عليه وجيها ومقبولا، اخترع عبارة (من كل وجه)ليوهم القراء بأن د حاكم قد جعل عقد الإمامة كعقد الوكالة (من كل وجه)، وأنه خالف الفقهاء من هذه الحيثية، ولم ينظر لما يترتب على هذا القول من لوازم خطيرة كما يزعم السقاف!

لقد كانت الأمانة تقتضي من السقاف ألا يزيد هذا اللفظ (من كل وجه) في كلام د حاكم لو لم يكن في كلامه ما ينافيه، وأن يقتصر على ما جاء في النص كما هو على الأقل، فكيف وفي كلام د حاكم ما يدفع هذه الشبهة جملة وتفصيلا!

وهذا نص كلامي من كتابي (الحرية أو الطوفان) وفي الفقرة الرئيسة التي قبل النص الذي نقله السقاف مباشرة - وسأضع تحته خط هنا - حيث قلت:

 (وعقد البيعة كسائر العقود، يشترط فيه ما يشترط فيها من حيث الجملة، وهو أشبه العقود بعقد الوكالة، حيث الأمة هي الأصيل، ومن تختاره إمامًا لها هو الوكيل عنها في القيام بما أوجب الله على المسلمين القيام به، من إقامة العدل والحقوق والحدود والمصالح التي يقوم بها الإمام نيابة عن الأمة بموجب عقد البيعة، ويؤكد ذلك أن الحق فيها هو للأمة تعقدها لمن تشاء وتصرفها عمن تشاء، لا ينازعها في ذلك أحد كما قال الماوردي (فإن تنازعاها أي الإمامة وادعى كل واحد منهما أنه الأسبق، لم تُسمع دعواه، ولم يحلف عليها، لأنه لا يختص بالحق فيها، وإنما هو حق المسلمين جميعًا، فلا حكم ليمينه ولا نكوله عنه، ولو أقر أحدهما للآخر بالتقدم خرج منها المقر ولم تستقر للآخر؛ لأنه مقر في حق المسلمين).([3])

فها هنا بيَّن الماوردي حكم عقد البيعة لرجلين دون معرفة السابق منهما، وأنه لا تسمع دعوى أي منهما أنه الأسبق ولا تقبل يمينه بذلك؛ لأنه ليس له أن يحلف على ما ليس من حقه؛ إذ عقد الإمامة حق للمسلمين جميعًا، وكذا لو أقر أحدهما للآخر بأنه هو الأسبق لا يقبل إقراره، بل يخرج هو من الإمامة باعترافه أنه ليس الأسبق، ولا تثبت الإمامة للآخر لأنه ليس لهذا الإقرار من أحدهما للآخر أي أثر ؛ إذ صاحب الحق ههنا هي الأمة.

وكذا لو توافرت صفات الإمامة وشروطها في رجل واحد فقط، فإنه لا يكون إمامًا بمجرد ذلك كما قال الماوردي (لأن الإمامة عقد لا يتم إلا بعاقد، كالقضاء إذا لم يكن يصلح له إلا واحد لم يصر قاضيًا حتى يُولاه).([4])

 وكذا قال أبو يعلى الحنبلي حيث قال (كذلك عقد الإمامة لأنه عقد لا يتم إلا بعاقد كالقضاء، لا يصير قاضيًا حتى يُولَّى، ولا يصير  قاضيًا وإن وجدت صفته؛ كذلك الإمامة ).([5])

وقال القلقشندي (لا تنعقد الإمامة إلا بعقد أهل الحل والعقد؛ لأن الإمامة عقد فلا يصح إلا بعاقد، وهو ما عليه جمهور الفقهاء وعليه اقتصر الرافعي والنووي، والمعتمد عليهما).([6])

كل ذلك يؤكد أن عقد الإمامة كغيره من العقود، وهو أشبه بعقد الوكالة، ينوب فيه الإمام عن الأمة([7])، فهي التي تختاره كما أنها هي التي لها الحق في عزله، وهذا المبدأ كان واضحًا جليًا في المرحلة الأولى من مراحل الخطاب السياسي الإسلامي التي تمثل تعاليم الدين المنـزّل، وحتى معاوية بن أبي سفيان، لم يصبح خليفة وإمامًا للأمة إلا في عام الجماعة، بعد أن اجتمعت الأمة عليه، وبايعه الجميع بعد أن بايعه الحسن بن علي - رضي الله عنهما - وقد دخل عليه أبو مسلم الخولاني فسلم عليه فقال (السلام عليك أيها الأجير ! فقيل له : قل الأمير . فقال : بل أنت أجير).([8])

وهذا يؤكد أن عقد الإمامة في نظر الصحابة - رضي الله عنهم - هو عقد أشبه بالوكالة، والإمام كالوكيل أو الأجير؛ ولهذا قال عبد الله بن عمر رضي الله عنه عندما أراد  معاوية رضي الله عنه أن يعهد إلى ابنه يزيد من بعده، وطلب من عبد الله بن عمر أن يبايع على ذلك قال له (إنما أنا رجل من المسلمين، أدخل فيما دخل فيه المسلمون)، وقال (والله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة).([9])

 فجعل الأمر للأمة يدخل معها فيما تختاره وترضاه، مما يؤكد أن حق اختيار الإمام هو حق للأمة وحدها، كما يدل حرص معاوية رضي الله عنه على أخذ البيعة ليزيد على ضرورة عقد البيعة وأهميته، وأن شرعية أي إمام لا تتم إلا به، وأن كونه خليفة للمسلمين لا يخوله حق فرض ابنه على الأمة، وأن عهده إلى ابنه دون عقد البيعة لا قيمة له، ولهذا حرص على عقدها لابنه لضرورتها .

وقد نص الفقهاء على كون الإمام وكيلا عن الأمة، فقد جاء في (كشاف القناع عن متن الإقناع) في فقه الحنابلة (وتصرفه أي الإمام على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين، فله عزل نفسه ولهم أي أهل الحل والعقد - عزله إن سأل العزل؛ لقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه  : أقيلوني أقيلوني . قالوا : لا نقيلك).([10])

وقد عللوا كونه لا ينعزل بموت أهل الحل والعقد الذين بايعوه، لأنه وكيل عن الأمة لا عن أهل الحل والعقد، فقد جاء في كشاف القناع (ولا ينعزل  بموت من بايعه لأنه ليس وكيلا عنه بل عن المسلمين).([11])

وكذا عللوا جواز طلب الإمام من الأمة عزله دون سبب يقتضي عزله بأنه وكيل عن الأمة، وللوكيل طلب العزل من موكله، كما قال أبو يعلى الحنبلي (لأنه وكيل للمسلمين وللوكيل عزل نفسه)([12])..) انتهى كلامي من كتابي (الحرية أو الطوفان)!

فلماذا يا ترى تجنب السقاف نقل هذا النص الأصلي الذي خصصته أصلا لبحث موضوع طبيعة عقد الإمامة وقياسه على عقد الوكالة؟

ولم اقتصر السقاف على العبارة التي بعد هذا النص الأصلي والتي لم تسلم هي أيضا من الحذف والتدليس لتضليل القراء؟

والسبب في كل هذا التدليس هو :

1- أن في النص الرئيس ما ينقض شبهة السقاف من جذورها وهو قولي ثلاث مرات - وهذا من غرائب الصدف - بأن عقد الإمامة (أشبه بعقد الوكالة)، وليس كعقد الوكالة (من كل وجه) كما افتراه علي السقاف ثلاث مرات!

وهذه هي عباراتي الثلاث من النص السابق قلت فيها:

- (وعقد البيعة كسائر العقود، يشترط فيه ما يشترط فيها من حيث الجملة، وهو أشبه العقود بعقد الوكالة)!

- (كل ذلك يؤكد أن عقد الإمامة كغيره من العقود، وهو أشبه بعقد الوكالة)!

- (وهذا يؤكد أن عقد الإمامة في نظر الصحابة رضي الله عنهم هو عقد أشبه بالوكالة، والإمام كالوكيل أو الأجير)!

فانظر كيف أكدت هنا في ثلاث عبارات صريحة بأن عقد الإمامة أشبه بعقد الوكالة، والإمام كالوكيل أو كالأجير، وكيف في المقابل افترى السقاف ثلاث مرات بأن د حاكم قاس عقد الإمامة على عقد الوكالة (من كل وجه)!

فهل هناك افتراء وتدليس أكثر من هذا الذي مارسه السقاف بكل وسطية واعتدال وراحة ضمير!

2- كما إن السبب الآخر الذي جعل السقاف يتجنب الإشارة إلى هذا النص هو ما فيه من النقول الصريحة عن الفقهاء بأن عقد الإمامة عقد وكالة! وحتى لا يطلع القراء عليها فيعذروا د حاكم بأن له سلفا من الفقهاء الذين سبقوه إلى هذا القول!

فقد قال الإمام أبو يعلى الحنبلي في (الأحكام السلطانية) عن الإمام (لأنه وكيل للمسلمين وللوكيل عزل نفسه).

وقال الإمام البهوتي الحنبلي في كتابه (كشاف القناع عن متن الإقناع) في فقه الحنابلة (وتصرفه أي الإمام على الناس بطريق الوكالة لهم، فهو وكيل المسلمين).

وقال أيضا (ولا ينعزل  بموت من بايعه لأنه ليس وكيلا عنه بل عن المسلمين).

وهذا يكاد يكون محل اتفاق بين الفقهاء في المذاهب الأربعة!

فهؤلاء هم الفقهاء يقررون بأن الإمام يتصرف في شئون الأمة كوكيل عنها، فلماذا لم يفهم السقاف من عباراتهم اللوازم التي فهمها من عباراتي مع أني قلت بأنه (أشبه بعقد الوكالة) والإمام (أشبه بالوكيل والأجير)، بينما هؤلاء الفقهاء يؤكدون بكل صراحة بأن الإمام وكيل عن الأمة ويتصرف بطريق الوكالة، فعباراتهم أحق بالنقد - من عباراتي التي فيها احتراز - على مقاييس السقاف!

3- لم يقتصر السقاف في تدليسه على هذا وحسب بل حتى في النص الذي نقله من كلامي حذف هذه العبارة وهي قولي (وقد قال ابن الجوزي ردًّا على من يرى أن الحسين أخطأ في خروجه على يزيد (لو نظروا في السير لعلموا كيف عقدت له البيعة وألزم الناس بها، ثم لو قدرنا صحة خلافته فقد بدرت منه بوادر وكلها توجب فسخ العقد)!

والسبب في حذف هذه العبارة هو أن فيها نصا صريحا من فقيه حنبلي كبير يؤكد جواز فسخ عقد البيعة إذا طرأ عليه ما يوجب فسخه!

ولا يريد السقاف أن يطلع قراؤه على ما قد يعذرون به د حاكم، لكونه مطمئنا بأن كثيرا منهم - وثقة منهم به - لن يراجعوا النص الأصلي في كتاب (الحرية أو الطوفان)!

 

الوجه الثاني: حاول السقاف إيهام قرائه بأن د حاكم يستخف بعقد بيعة الإمامة ويرى جواز فسخها لأدنى سبب، وقد لا يكون هذا السبب موجبا للفسخ! وأنه لم يلتفت لما قد يترتب عليه من دماء ..الخ!

 مع أني نقلت الإجماع على حرمة الخروج على الإمام العادل، وذكرت الخلاف في الخروج على الإمام الجائر كما هو مشهور بين الفقهاء، وقلت أيضا :

(وبهذا قررت الشريعة الإسلامية حق الأمة في مراقبة السلطة، وحقها في مقاومة انحرافها عن دستور الدولة ونظامها العام، فإذا حافظت السلطة على الأصول العامة القطعية؛ بإقامة شعائر الإسلام وأركانه الظاهرة، والحكم بالكتاب وشرائعه، ولم تظهر كفرًا بواحًا فالواجب السمع والطاعة لها بالمعروف، وفيما لا معصية فيه لله، حتى وإن خرج الإمام عن حد العدالة بظلم أو فسق قاصر، فإن تعدى ظلمه إلى الأفراد فقد جعل الشارع لهم الحق في مقاومة طغيان السلطة بالدفاع عن دمائهم وأعراضهم وأموالهم).

فهنا قررت بأنه حتى لو وقع الإمام بفسق وظلم قاصر على نفسه، فلا يخرج بذلك عن كونه إماما تجب طاعته، وأنه إن تعدى على الرعية كان لهم حق دفع الظلم عن أنفسهم، ولا يقتضي ذلك بمجرده فسخ عقد الإمامة، ما لم تقم الأمة بعزله أو الخروج عليه!

وبدلا من أن يناقش السقاف الأئمة الذين نقلت أقوالهم في موضوع الخروج وفسخ البيعة أخذ يناقشني بلوازم ما افتراه هو علي!

وقلت أيضا في كتاب (الحرية أو الطوفان) :

(كما إن السلطة تفقد مشروعية وجودها واستمرارها إذا أرادت تعطيل أحكام دستور الدولة وهو الكتاب والسنة، ويجب الخروج عليها عند ذلك، فقد بايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك، كما جاء في الحديث الصحيح ((وألا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفرا بواحًا عندكم من الله فيه برهان))([13])، و ((على أن نقول - أو نقوم - بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم )).([14])

وقد تضمن هذا الحديث ثلاثة مبادئ سياسية رئيسة :

1- وجوب الطاعة للسلطة ما قامت بواجبها وعدم منازعتها في ذلك .

2- حق الأمة في خلعها والخروج عليها إذا تجاوزت حدود ما أنزل الله، وأظهرت كفرا بواحًا وهو المعصية الظاهرة كما في بعض الروايات([15])، قال النووي : (المراد بالكفر هنا المعاصي)([16])، وهذا إذا أمكن بلا فساد . قال الداودي (الذي عليه العلماء في أمراء الجور أنه إن قدر على خلعه بغير فتنة ولا ظلم وجب، وإلا وجب الصبر).([17])

أما إن كفر الإمام أو غيّر الشريعة أو عطلها فيجب الخروج عليه بالإجماع، قال القاضي عياض : (أجمع العلماء على أنه لو طرأ عليه كفر أو تغيير  للشرع أو بدعة، خرج عن حكم الولاية، وسقطت طاعته، ووجب على المسلمين القيام عليه وخلعه ونصب إمام عادل إن أمكنهم ذلك، فإن لم يقع ذلك إلا لطائفة وجب عليهم القيام بخلع الكافر).([18])

وقال ابن حجر (ينعزل بالكفر إجماعًا، فيجب على كل مسلم القيام في ذلك).([19])..) انتهى كلامي.

فقد صرحت هنا بأنه في حال ظهور المعاصي الظاهرة فإن الخروج على السلطة مشروط بقيد الإمكان وعدم الفساد حيث قلت (وهذا إذا أمكن بلا فساد)!

وذكرت القيد الوارد في الحديث النبوي (وألا ننازع الأمر أهله ... إلا أن تروا كفرا بواحا)، وهذا نص الشارع الذي أذن للأمة بالمنازعة إذا خرج الإمام عن شروط عقد البيعة أو عجز عن الوفاء بها حتى ظهر كفر بواح، ولفظة (كفرا) جاءت في الحديث نكرة، فتعم حتى المعاصي القطعية، كما جاء مصرحا به في رواية ابن حبان في صحيحه (معصية لله بواحا)، وقد سمى النبي صلى الله عليه وسلم قتال المسلم للمسلم ظلما وعدوانا كفرا كما في الحديث الصحيح (قتال المسلم كفر)، فإذا وقع من السلطة عدوان على الأمة باستباحة الدماء المعصومة فقد ظهر كفر بواح يحل للأمة معه المنازعة لها بنص الحديث، ومع ذلك كله اشترطت - كما اشترطه الفقهاء - قيد الإمكان وعدم وقوع فساد أكبر!

وقد فصلت أيضا القول في هذه المسائل في كتابي (تحرير الإنسان) وهو مشهور ومنشور قبل كتابة السقاف لنقده بخمس سنين!

ولو راجع السقاف فهرس كتاب التحرير ص 705 لوجد هذه المباحث :

أحاديث الإمارة                                          ص 203

الأصل الأول : وجوب السمع والطاعة                ص 204

الأصل الثاني : وجوب لزوم الجماعة                  ص 212

الأصل الثالث : الصبر على السلطة                   ص 214

الأصل الرابع : صون الإمامة وتحريم الخروج عليها  ص 221

وقد قلت ص 221 (عن ابن عمر مرفوعا (من خلع يدا من طاعة،لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية).([20])

وفي هذا الحديث أصل عظيم من أصول الخطاب النبوي، وهو تحريم الخروج على السلطة، بعد عقد البيعة لها، ولزوم طاعتها، ولا حجة ولا عذر لمن خرج عليها، إذ كما أن الأمر شورى بين المسلمين عند اختيار السلطة، فكذلك الأمر شورى عند تغييرها أو خلعها، وليس لأحد أن ينزع يده من البيعة الشرعية الصحيحة، دون شورى الأمة،كما هو حال أهل الجاهلية.

كما في الحديث أصل ثان وهو ضرورة لزوم الجماعة، واعتقاد السمع والطاعة، وأنه لا يحل للمسلم أن يخرج عن الجماعة،كما هو حال أهل الجاهلية)!

فكل هذه النصوص ترد على السقاف وشبهته التي أراد منها وصمي بالاستخفاف بعقد البيعة الصحيحة، والاستخفاف بالدماء ليصل إلى ما يريد من إثبات أن د حاكم غال متطرف خارجي - تماما كما فعل حمد عثمان مع ما بين الفئتين من اختلاف - وليثبت لنفسه وفئته أنهم هم أهل الاعتدال الوسطية، والحكمة والروية، وأهل السنة والسلفية، ليبرروا موقفهم من ولاة أمرهم - إن لم يتزلفوا لهم - وأنهم دعاة هداة لا يطمحون إلى السلطة التي يتطلع لها الحزبيون!

بل لو رجع السقاف لكتابي (الفرقان) في الرد على حمد عثمان - وقد اطلع عليه أو يفترض أنه اطلع عليه إذ لا يسوغ في أدب النقد تجاهل كتبي الأخرى التي قد رددت فيها على الاستشكالات والشبه نفسها التي أثارها السقاف -  حيث قلت في (الفرقان) :

(هذا ويعلم كل من قرأ كتاب (الحرية) وكتاب (التحرير) أنني لم أتعرض لدولة بعينها بالاسم، ولا نظام حكم بعينه بذكر، وإنما كنت أتحدث عن أحوال الأمة كلها، والأطوار التي تمر بها، من خلال النصوص التي وردت في ذلك، والواقع الذي يشهد على ذلك، فأبى حمد عثمان إلا أن يقحم بعض الحكومات بعينها، وينزل الكتاب عليها، ويتزلف إليها، بهدف تحريضها وتأليبها، بدعوى أنني أدعو إلى الخروج وسفك الدماء وقتل الرؤساء..الخ!

كل هذا الافتراء علي مع أنني كنت وما زلت أدعو إلى الإصلاح السلمي، وقد أكدت ذلك في كل ما كتبته وفي كل ممارستي للعمل السياسي، لم أدع قط إلى فتنة ولا إلى اقتتال داخلي ولا إلى فساد، بل أدعو إلى الاتحاد ووحدة الصف ونبذ العنف، إلا أنني أرى أيضا أن للأمة الحق في الجهاد ودفع العدو المحتل عن أرضها بكل وسيلة، إذا عجزت أو تخاذلت عن ذلك حكوماتها، كما أرى بأن لشعوبها الحق في تغيير واقعها واختيار السلطة التي تحكمها ولو بالثورة الشعبية العامة، حين يسد أمامها سبيل الإصلاح السلمي، فهذا الحق لا يصادر عليها تحت أي ذريعة، ولست ممن يدعو إلى الانقلابات العسكرية لتذهب عصابة وتأتي عصابة أخرى! بل أدعو الأمة كلها أن تقوم بما أوجب الله عليها القيام به من إقامة (حكومات راشدة) في كل بلد تترسم خطى الكتاب والسنة وسنن الخلفاء الراشدين في سياسة الأمة، وتعمل على الوصول بشعوبها إلى إقامة (أمة واحدة وخلافة راشدة) كما بشر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) وكما أمرها كذلك كما في قوله (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)!

 فالواجب على المصلحين أن يأمروا بما أمر الله ورسوله به وأن يبشروا بما بشر به وأن يحذروا مما حذر منه صلى الله عليه وسلم).

انتهي كلامي من (الفرقان) في الرد على حمد عثمان وكأنني كنت أرد على السقاف!

فكل هذه الأدلة وهي غيض من فيض مبثوثة في كتبي (الحرية) و (التحرير) و (الفرقان) و (أهل السنة والجماعة) و (نحو وعي سياسي راشد) وكلها منشورة قبل تأليف السقاف لنقده بسنوات، مما يؤكد أنه لا معنى لكل استدراكاته وتعقيباته وتشغيباته التي أراد من ورائها التشهير بي والتصنيف لفكري - لصرف قرائه وأتباعه عن كتبي بوصمي بالتطرف والغلو ومخالفة أهل العلم، لحاجة في نفسه - وأراد الله بها كشف حقيقة هذه الفئة التي ابتليت بها الأمة، والتي استمرأت عقد محاكم التفتيش لكل كتاب ولكل كاتب وفكره، بأسلوب فج يفتقد لأدب الخلاف وأصول الجدل ومناهج النقد الصحيحة!

ولقد كنت أرى بعض كتاباتهم ومواقفهم وأعجب منها، وأرثي لحالهم، وأتفكر في أمر بعضهم وكيف ابتلاهم الله بسبب غرورهم وتعالمهم الذي تضج منه عباراتهم، وتنضح به كتاباتهم، حين يتحدثون عن وسطيتهم المزعومة وحميتهم للسنة الموهومة، وتصديهم لمحاكمة الآخرين وتصنيفهم، وكأن الله وكلهم على الأمة وعقولها، حتى صار التأليف في هذا الفن تجارة رائجة عند القوم يسترزقون به باسم الدفاع عن العقيدة والسنة - بلا علم ولا أدب - فلما جاءهم الحق على لسان غيرهم حال غرورهم بينه وبينهم، فيزداد عجبي كيف حال الله بعدله بين هؤلاء الكتاب وبين هذا الخطاب، الذي يدعوهم إلى العودة إلى سنن الرشد التي لا تخفى ضرورتها ووجوبها على أهل العلم بالشرع، ولا تخفى حاجة الأمة إليها على أهل المعرفة بالواقع، فأتذكر قول الله تعالى {سأصرف عن آياتي الذين يتكبرونفي الأرض بغير الحق وإن يروا كل آية لا يؤمنوا بها وإن يروا سبيل الرشدلا يتخذوه سبيلا وإن يروا سبيل الغي يتخذوه سبيلا ذلك بأنهم كذبوابآياتنا وكانوا عنها غافلين}!

وهذه الآية وإن كانت في شأن الكافرين وبيان سبب صرف الله لهم عن الإيمان به واتباع رسله، فإنها تتحدث - كذلك بدلالة الإشارة - عن سنن الله الكونية في صرف الله بعدله بعض الخلق عن البينات والآيات - صرفا كليا للكافرين أو جزئيا لمن أعرض عن بعض الحق من المسلمين - حين يتكبرون في الأرض بغير الحق، ويغترون بما عندهم من العلم، وهي تصدق في كل من أعرض عن شيء من الحق استكبارا عن قبوله أو لغفلته عنه وتجاهله له، فإن جزاءه العادل أن يصرفه الله عنه، فمهما رأى سبيل الرشد، لا يتخذه طريقا، بسبب شؤم غروره بما عنده من العلم، فلا يكون أمامه إذ ترك سبيل الرشد إلا سبيل الغي!

فانظر كيف صرف الله قلوب بعض هؤلاء الكتاب وأتباعهم عن سنن الرشد التي أمرهم الله ورسوله بالتمسك بها والعض عليها بالنواجذ، بسبب شؤم غرورهم بوسطيتهم المزعومة، واستكبارهم عن قبول الحق حين جاء من غير طريقهم، ولقد كانوا أحق به وبنصره، إذ الخطاب الراشدي هو الحق الذي لا يرتاب به من آتاه الله علما وفهما في الكتاب والسنة، فزهدوا به، وما زال شؤم الغرور يصدهم عنه، ويصرفهم عن قبوله فضلا عن نصرته، حتى حملهم على حربه وحرب من يدعو إليه، فإذا هم من حيث يريدون أو لا يريدون في خندق الطغاة - الذين (هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا) ويوالون عدونا وهم (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها) - يركنون إليهم، ويذودون عن سلطانهم الزائف، دفاعا عن (البيعة التي في أعناقهم) باسم السنة وفقه الواقع! 

وما زلنا مع السقاف وشبهه حول كتاب الحرية وللحديث بقية..



([1]) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص25، وكشاف القناع 6/160، ومطالب أولي النهى 6/265.

([2]) انظر الفروع لمحمد بن مفلح الحنبلي 6/160 .

([3]) الأحكام السلطانية ص 10 .

([4]) الأحكام السلطانية ص 9 . تأمل قوله: (حق للمسلمين جميعًا) وانظر كيف تم مصادرة هذا الحق واقعًا وباسم الدين ؟!

([5]) الأحكام السلطانية ص 24 .

([6]) مآثر الإنافة في معالم الخلافة 1،/47 48 .

([7])ونيابته عن الأمة لا تنافي كون الخلافة ذاتها نيابة عن النبي في إقامة الشريعة.

([8]) انظر تهذيب تاريخ دمشق 7/323 ، وسير الأعلام 4/13 .

([9]) ابن جرير الطبري 3/248 .

([10]) كشاف القناع 6/160 ، وانظر أيضًا مطالب أولي النهى في فقه الحنابلة 6/265 .

([11]) المصدرين السابقين .

([12]) المعتمد في أصول الدين ص 240 .

([13]) البخاري مع الفتح 13/5 ، ح رقم (7056) ، ومسلم 3/1470 ح رقم (1709) .

([14]) المصدر السابق

([15]) انظر فتح الباري 13/8 .

([16]) شرح مسلم 12/229 .

([17]) فتح الباري 13/8 .

([18]) شرح مسلم للنووي 12/229 . وقوله: (أو بدعة) أي مكفرة.

([19]) فتح الباري 3/123 .

([20])مسلم في صحيحه ح 1851 .

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1438 هـ