الإثنين 1439/01/05 هـ
الأخبار ||

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 2

صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 2
3/17/2014 6:37:49 PM
صوارم الأقلام في نقض الشبه والأوهام 2

صوارم الأقلام

في نقض الشبه والأوهام

 (2)

بقلم أ د حاكم المطيري

15 جمادى الأولى 1435ه

16 مارس 2014 م

الاستشكال الثاني: حول حقيقة سنن الخلفاء الراشدين :

ذكر الشيخ علوي السقاف في نقده المأخذ الثاني على كتابي (الحرية أو الطوفان) فقال (يقول د حاكم ص 252 ( وهي - أي السنن الراشدة - مما حث عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور..) وإنما المقصود سننهم في أمور الخلافة وسياسة شئون الأمة) وحصر المؤلف لسنة الخلفاء الراشدين في أمور الخلافة وسياسة شئون الأمة لم يقل به أحد من العلماء فيما علمنا بل هو عام في كل أمور الدين ومنها هذه الأمور، وهذا صنيع العلماء الفقهاء وشراح الأحاديث واعتمادهم على ما روي عن الخلفاء الراشدين في كثير من مسائل الدين العلمية الاعتقادية والعملية الفقهية، واعتماد رأيهم وإجماعهم حجة معمول به .. ثم إن إخضاع النصوص للتأويل المتعسف أو حصر معناها في معنى واحد لتوافق مذهبا أو رأيا معينا خطأ منهجي كبير) انتهى كلام السقاف.

والإجابة عن هذه الشبهة من وجوه هي :

الوجه الأول: لِمَ أردف السقاف بهذه القضية حول (عدم حصر سنن الخلفاء الراشدين بسننهم في الخلافة وسياسة الأمة)، بعد أن بدأ بالشبهة الأولى وهي قضية (لا دين بلا دولة) وما أثاره من جدل حاول فيه إثبات أن هذه العبارة غلو باطل! وأنه يمكن إقامة الدين بلا دولة! وما أثاره حول الخلافة وأنها صعبة المنال!

فالسقاف لديه أزمة عميقة مع :

(موضوع الدولة في الإسلام) فلا يشترط وجود دولة عنده لقيام الدين + (موضوع الخلافة) التي يصعب عودتها في هذا العصر + (سنن الخلفاء الراشدين السياسية) وسننهم في الحكم وسياسة الأمة!

فيمكن عنده إقامة الدين بلا دولة!

ويستحيل عنده عودة الخلافة!

ويمكن اتباع الخلفاء الراشدين في قضايا الدين وليس فقط في سننهم في الخلافة وسياسة شئون الأمة وفق حكم الله!

وسأدع الحديث عن العلاقة بين هذه القضايا والسر في ابتدائه بها على وجه الخصوص حتى نستكمل نقض شبهه الأخرى، حيث سيتجلى للقراء هدفه بكل وضوح من كل هذه الزوابع التي أثارها حول كتاب (الحرية أو الطوفان)!

الوجه الثاني: هناك فرق كبير بين حجية قول الصحابي عموما، وحجية أقوال الخلفاء الراشدين على وجه الخصوص كأصل من أصول الفقه - من جهة - وهو ما قررته في نظمي في أصول الفقه في (بدائع الفنون وروائع المتون)، لثبوت هذه الأصول الفقهية بأدلة كثيرة عند من يقول بها، وبين الاستدلال - من جهة أخرى - بهذا الحديث خاصة على موضوعه الذي ورد فيه وهو (سنتي وسنة الخلفاء الراشدين)!

 فحين أقول بأن هذا الحديث وارد كما هو صريح لفظه في سننهم في الخلافة على وجه الخصوص - لإضافة سنتهم إليها (سنة الخلفاء) أي لكونهم خلفاء يسوسون الأمة بعد نبيها -  فلا يعني ذلك عدم حجية أقوالهم في فروع الفقه عند من يقولون به لأدلة أخرى، ولهذا حاول السقاف التشغيب على د حاكم والخلط بين القضيتين، وكأنه يلزم من حمل هذا الحديث على سننهم في باب الإمامة وسياسة الأمة لكونهم خلفاء إهدار لأقوالهم الفقهية الأخرى كصحابة فقهاء - حيث لأقوالهم الفقهية أيضا من الحجية ما ليس لباقي الصحابة الآخرين لتوليهم الخلافة مما يرجح شهرة القول عن الواحد منهم حين لا يخالفه غيره بخلاف غيرهم من الصحابة - مع أنه لا تلازم بين الأمرين إلا عند السقاف!

والسؤال هنا  - كي يتحرر الجواب - يفترض أن يكون على النحو التالي :

ما معنى (سنن الخلفاء الراشدين) في هذا الحديث؟

ولم خصهم هنا بوصف الخلافة؟

وهل يدخل فيه أقوالهم قبل أن يكونوا خلفاء؟ أم الحديث خاص في سننهم بعد اتصافهم بوصف الخلافة؟

وهل يجب - حسب هذا الحديث - اتباع أقوال علي - مثلا - في عهد أبي بكر وعمر وعثمان أم المراد اتباع سننه بعد أن صار خليفة راشدا؟

والإجابة - كما تقضي به اللغة العربية التي خاطب النبي صلى الله عليه وسلم أمته - ترجح أن المراد هنا سننهم حال كونهم خلفاء وبعد توليهم الخلافة لا قبلها..

وعدم اعتبار هذا المعنى خاصة في هذا الحديث هو إهدار لهذا الوصف (الخلفاء الراشدين) وكأنه لا فرق بينه وبين قوله (عليكم بسنتي وسنة أصحابي من بعدي)!

وإذا ثبت ذلك فالسؤال الآخر الذي يقرب الإجابة للأذهان أكثر فأكثر :

ما السنن التي سنها الخلفاء الراشدون للأمة حال كونهم خلفاء راشدين؟ والتي من تمسك بها وعض عليها بالنواجذ اهتدى ونجا ومن تركها ضل وهلك؟

فهل العقائد والعبادات توقيفية عن الشارع - وهو الحق الذي لا شك فيه - ليس للخلفاء أن يسنوا فيها شيئا غير ما سنه النبي صلى الله عليه وسلم؟ أم هي اجتهادية لهم أن يسنوا للأمة فيها باجتهادهم ما ليس فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم ويجب على الأمة اتباعهم؟

 

وهل يجب في المسائل الفقهية غير السياسية حين يختلف فيها فقهاء الصحابة اتباع قول الواحد من الخلفاء الراشدين فيما خالفه غيره من الصحابة كابن مسعود وابن عباس وعائشة؟ أم يسوغ اتباع من خالفه منهم؟


فقد خالف ابن عباس قول أبي بكر وعمر في متعة الحج، وكان يشتد على من يخالفه حتى قال عروة بن الزبير لابن عباس (حتى متى تضل الناس يا بن عباس! قال ما ذاك يا عرية؟ قال تأمرنا بالعمرة في أشهر الحج وقد نهى أبو بكر وعمر؟ فقال ابن عباس قد فعلها رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال عروة كانا هما أتبع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأعلم به منك).[1]


وكيف يمكن الجمع بين وجوب اتباع أقوال الخلفاء في الفروع الفقهية وقد روى أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله (وأفرض أمتي زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)[2]فهما أعلم بالفرائض وبالحلال والحرم، حتى كان الشافعي وغيره من الأئمة لا يخالفون قول زيد بن ثابت في الفرائض، وإن خالفه بعض الخلفاء الراشدين؟

قال الشافعي (فقلنا لهم: أنتم تتركون ما تروون عن علي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود في أكثر الفرائض لقول زيد بن ثابت، فكيف لم يكن هذا فيما تتركون؟).[3]

فإذا كان فقهاء الصحابة رضي الله عنهم قد يخالفون قول أبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي في حياتهم، ولا يرون وجوب تقليدهم في مسائل الفروع الفقهية، فهل يجب على من بعدهم ما لم يجب عليهم؟

وهل يصدق على من خالف قول عمر أو قول عثمان في المسائل الفقهية بأنه ضل وهلك وأحدث في الدين وابتدع كما هو نص هذا الحديث؟

وإذا ثبت هذا المعنى ثبوتا لا يشك فيه من يعرف أصول الفقه ومذاهبه، فيأتي السؤال الثالث الذي سيقرب معنى الحديث أكثر فأكثر وهو:

ما سنن الخلفاء التي كان الصحابة يرون وجوب لزومها والأخذ بها، إذ كان ما يجب عليهم يجب على من جاء بعدهم من المسلمين؟

والجواب هو ما ثبت في صحيح البخاري عنهم جميعا أنهم بايعوا عثمان رضي الله عنه على الكتاب وسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة الخليفتين من بعده ولفظه (فلما صلى - صهيب - للناس الصبح واجتمع أولئك الرهط عند المنبر، فأرسل - عبد الرحمن بن عوف - إلى من كان حاضرا من المهاجرين والأنصار وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر، فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد يا علي! إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلن على نفسك سبيلا،فقال أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس المهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون).[4]

ورواه عبد الرزاق الصنعاني في المصنف ولفظه (فلما فرغ اجتمع الناس إلى عبد الرحمن فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإني نظرت في الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي على نفسك سبيلا! ثم قال عليك يا عثمان عهد الله وميثاقه وذمته وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن تعمل بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وبما عمل به الخليفتان من بعده؟ قال نعم فمسح على يده فبايعه ثم بايعه الناس ثم بايعه علي).[5]

فهذا نص صحيح صريح يؤكد معنى سنة الخلفاء في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ)، وقد أجمع الصحابة والمسلمون حين بايعوا عثمان على اشتراط اتباعه لسنة الخليفتين من قبله، وهي سننهما ونهجهما في باب الخلافة وسياسة شئون الأمة، إذ هما أول الخلفاء بعد عهد النبوة مما لم يسبق للأمة فيه هدي إلا هديهما، كما جاء في الصحيحين (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء وإنه لا نبي بعدي! فقالوا وماذا يكون يا رسول الله؟ قال : خلفاء فيكثرون! فقالوا فما تأمرنا؟ قال : أفوا بيعة الأول فالأول)!

فالخلفاء الراشدون في الأمة بعد عهد النبوة كأنبياء بني إسرائيل الذين كان يخلف بعضهم بعضا في سياسة قومهم بالوحي، إلا إنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم وإنما بعده كما أخبر صلى الله عليه وسلم (خلافة النبوة ثلاثون سنة) و(خلافة على منهاج النبوة)، وهي مدة خلافة الخلفاء الراشدين الأربعة، هذا ولسنن أبي بكر وعمر من الخصوصية ما ليس لمن بعدهما لحديث (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر)، وللإشارة في حديث (إن يطيعوا أبا بكر وعمر يرشدوا)..

فاشتراط الصحابة على عثمان مثل هذا الشرط حين أراد تولي الخلافة يؤكد أن سنن الخليفتين واجبة الاتباع على من تولى الخلافة والإمارة، لا على سائر الناس، وفيما كان من سننهم ونهجهم في سياسة شئون الأمة، لا في كل آرائهم الفرعية الفقهية!

وليس هناك سنن يجب على عثمان الالتزام بها كما شرط عليه الصحابة ويختص بها أبو بكر وعمر إلا السنن في باب الإمارة والولاية!

فاجتمع النص والإجماع القطعي على وجوب اتباع سنن الخلفاء الراشدين لمن تولى الخلافة والإمارة وأراد سياسة شئون الأمة.

 فدليل النص كما في قوله تعالى {ومن يتبع غير سبيل المؤمنين} وهم الصحابة، وقوله {قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني}، وكما في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) وحديث (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر).. الخ

 ودليل الإجماع ما ثبت عن الصحابة في بيعة عثمان واشتراطهم عليه اتباع سنة الخليفتين من قبله، وما كان لهم أن يشترطوا هذا الشرط، وما كان له أن يقبل لولا ثبوت هذا الأصل عندهم ثبوتا لا شك فيه!

وإذا ثبت هذا الفهم عن الصحابة بإجماعهم القطعي - مع كذلك إجماعهم وما ثبت عنهم ثبوتا متواترا أنهم لم يكن يوجبون على أحد تقليد أحد بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم في الفروع الفقهية أو الأصول العقائدية، بل كانوا يجتهدون في مسائل الفروع الفقهية وربما خالف بعضهم بعض الخلفاء الراشدين في اجتهاده فلا يعيب بعضهم على بعض مثل هذه المخالفة - تأكد صحة ما ذهبت إليه من أن المراد في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) هي سننهم في باب الإمامة والخلافة وسياسة شئون الأمة على وجه الخصوص، وهذا ما فهمه الصحابة وما مارسوه وأجمعوا عليه!

فليس ما ذهبت إليه بدعا من الرأي، ولا محدثا من القول، كما حاول السقاف إيهام القراء بذلك!

الوجه الثالث:

وإذا نظرنا كذلك في الأحاديث الأخرى - سواء التي جاء فيها الأمر بلزوم السنة، أو التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم فيها من المحدثات بعده - نجد أنها صريحة في السنن السياسية، والمحدثات السياسية خاصة، وهي الملك العضوض والملك الجبري، وقد قلت في كتابي (تحرير الإنسان) (فهذه الأحاديث - وغيرها كثير - تتحدث عن سنن سياسية حول الخلافة والسمع والطاعة، ومعلوم أن أبرز سنن الخلفاء الراشدين وأظهرها على الإطلاق هي سننهم في باب الإمامة وخلافة النبي صلى الله عليه وسلم، فلفظ (الخلفاء الراشدين) الوارد في الحديث، وهذا الاشتقاق (خ ل ف) يشعر ويفيد بأن المقصود هو الاقتداء بهم في باب خلافتهم للنبي صلى الله عليه وسلم في شئون الإمامة وسياسة الأمة على وجه الخصوص، إذ هذا هو الوصف الجامع للخلفاء الراشدين، وهو كونهم خلفاء للنبي صلى الله عليه وسلم في أمته بعده، ولولا ذلك لقال عليكم بسنتي وسنة الفقهاء أو العلماء من أصحابي، والدليل على أن المقصود بسنة الخلفاء هي سننهم في باب الإمامة على وجه الخصوص هو أن الانحراف والاختلاف الذي حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم في أول الحديث: المقصود به هنا الانحراف في باب الإمامة، بدليل حديث (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا عاضا، فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكا جبرية، فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة).([6])

فحدد النبي صلى الله عليه وسلم مراحل الانحراف بالخروج عن سنن النبوة وسنن الخلافة الراشدة التي هي خلافة النبوة في باب الإمامة، وتحولها إلى ملك عضوض، ثم ملك جبري، ولهذا جاء في الحديث الآخر (أول من يغير سنتي رجل من بني أمية)([7])، وقد تحقق ذلك فعلا فإن وقوع الانحراف في هذا الباب وقع في عهد بني أمية، فكان أول من استولى على الإمامة والأمة قهرا بالسيف هم من بني أمية، وهم أول من عطلوا الشورى، وأول من استأثروا بأموال الأمة، وكل ذلك يؤكد أن المقصود بحديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)، هو التمسك بما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون في باب سياسة الأمة على وجه الخصوص، وأن الاختلاف الذي حذر منه أشد تحذير هو الانحراف الذي وقع في هذا الباب خاصة، وهو العدول عن سنن الخلفاء الراشدين وهديهم في سياسة شئون الأمة وفق ما جاء في القرآن والسنة من العدل والقسط، إلى سنن القياصرة والأكاسرة والجبابرة بما تقوم عليه من الظلم والقهر، كما في حديث (ثم يكون ملكا عاضا ثم ملكا جبريا)، وهو أول انحراف وقع في الأمة وأخطره على الإطلاق، وهو السبب الذي أدى إلى الضعف والانحلال الذي أصاب الأمة، وقد جاء في الحديث الصحيح (لتتبعن سنن من كان قبلكم... قالوا فارس والروم يا رسول الله؟ قال: نعم)، وفي حديث آخر(اليهود والنصارى).([8])

قال الحافظ ابن حجر (حيث قال فارس والروم كان هناك قرينة تتعلق بالحكم بين الرعية).([9])

فكما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم لهدم سنن الأحبار والرهبان وإبطال ربوبيتهم الزائفة، وعبودية الناس لهم وطاعتهم في أمر الدين،كذلك بُعث صلى الله عليه وسلم لهدم سنن الأكاسرة والقياصرة الجائرة، وإبطال عبودية الناس لهم وطاعتهم في أمر الدنيا!

إن السنة المقصودة في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي)، وحديث (أول من يغير سنتي رجل من بني أمية)، وحديث (يكون بعدي أمراء لا يقتدون بهديي، ولا يستنون بسنتي)، هي سننه صلى الله عليه وسلم في الخطاب السياسي وفي باب الإمامة، وما جاء به من العدل والقسط والحق والخير والرحمة في باب سياسة الأمة، وهي السنن التي حذر أشد التحذير من تركها، واتباع المحدثات التي تخالفها من سنن الفرس وأكاسرتهم، وسنن الروم وقياصرتهم، التي خالف فيها هديه هديهم، وسنته سنتهم.

ويؤكد ذلك أن لفظ المحدثات في قوله (وإياكم ومحدثاتالأمور) تطلق ويراد بها في لغة العرب ما يحدثه المفسدون في الأرض، الباغون على الحق والعدل، والخارجون على القانون والدولة، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم في شأن حرمة المدينة (من أحدث فيها حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله)([10])والإيواء عادة يكون للخارجين عن السلطة أو القانون، وما جاء في حديث بني قريضة (لم تقتل منهم امرأة إلا واحدة كانت قد أحدثت حدثا) أي قتلت نفسا، ومنه قول المثنى بن حارثة الشيباني للنبي صلى الله عليه وسلم (إنا قد عاهدنا كسرى على أن لا نحدث حدثا ولا نؤي محدثا) أي خارجا على النظام والقانون والسلطة، وما جاء في الأثر (إن الحرم لا يؤوي محدثا)، فهذه النصوص تؤكد أن الإحداث بمعنى الاعتقادات والآراء التي تخالف السنة هو اصطلاح حادث لا يعرف في كلام العرب ولا في كلام الشارع، وإن كان يدخل في عموم النهي تبعا لا أصالة!

فالحديث وارد أصلا في شأن السنن النبوية السياسية ووجوب الالتزام بما جاءت به من الحق والعدل، وفي شأن الخروج عنها والإحداث والإفساد في الأرض بالظلم والبغي، أو الإحداث والتغيير في الأمر، وهو يطلق ويراد به الحكم والسلطة والأحكام التي جاء بها الإسلام، ومثله حديث(من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد)،كما سيأتي بيانه).[11]انتهى نص كلامي من كتابي (تحرير الإنسان) وليس عندي أكثر من هذا البيان!

فلفظ السنة يأتي أحيانا كثيرة في الأحاديث النبوية ويراد به السنة في سياسة شئون الأمة كما في (أول من يغير سنتي رجل من بني أمية) وبنو أمية إنما غيروا في باب الإمامة وسياسة الأمة، وكحديث الصحيحين في الفتن حين أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بالمحدثات السياسية بعده فقال عن المرحلة الثانية (قوم يهدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي تعرف منهم وتنكر) ثم قال عن الثالثة (دعاة على أبواب جهنم من أطاعهم قذفوه فيها)، والطاعة هنا للأمراء، ثم أخبر عن المخرج من هذه الفتن العامة للأمة فقال (إلزم جماعة المسلمين وإمامهم)، وفي رواية (إن كان لله في الأرض خليفة فالزمه)، فلم يقل عليك بالكتاب والسنة، لأن هذه الفتن العامة والتحولات هي في باب سياسة الأمة، فكان المخرج منها والحل لها حلا سياسيا وهو لزوم الأمة الواحد والخلافة الواحدة (إلزم جماعة المسلمين وإمامهم)!

وجاء في الحديث الآخر ما يبين حقيقة هؤلاء الذين يهتدون بغير هديه ويستنون بغير سنته فقال صلى الله عليه وسلم (إنه لم يكن نبي قط إلا وله من أصحابه حواري، وأصحاب يتبعون أثره ويقتدون بهديه، ثم يأتي من بعد ذلك خوالف أمراء، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون).[12]

وجاء في الصحيحين أيضا (لتتبعن سنن من كان قبلكم فارس والروم)..

وقد نص الحافظ ابن حجر في شرحه فتح الباري بأنه حيث ذكر سنة فارس والروم كانت هناك قرينة تتعلق بين الناس في الحكم.([13])

ولهذا السبب ولكون المحدثات التي ستحدث بعد عهد النبوة والخلافة الراشدة هي محدثات سياسية على يد أمراء - يسوسون الأمة بغير هدي الكتاب والسنة، وتتمثل في سنن الملك العضوض وسنن الملك الجبري وسنن الطغاة وسنن فارس والروم - جاء حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي وإياكم ومحدثات الأمور) التي يحدثها الأمراء على غير سنن الخلفاء المهديين الراشدين (يهتدون بغير هديي ويستنون بغير سنتي)!

الوجه الرابع:

أن الصحابة أنفسهم رضي الله عنهم كانوا أول من أدرك هذه السنن والمحدثات التي حدثت في الخلافة وسياسة الأمة على خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنن الخلفاء الراشدين، ومن ذلك لما قال مروان بن الحكم - وكان أميرا على المدينة لمعاوية - وأراد البيعة وولاية العهد ليزيد (إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيا حسنًا، وإن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر وعمر)([14])، وفي رواية (سنة أبي بكر وعمر).([15])

فرد عليه عبد الرحمن بن أبي بكر فقال (ليس بسنةأبي بكر، وقد ترك أبو بكر الأهل والعشيرة، وعدل إلى رجل من بني عدي؛ أن رأى أنه لذلك أهل، ولكنها هرقلية).([16])

وفي رواية قال له (جعلتموها والله هرقلية وكسروية).([17])

وفي لفظ (بل سنة هرقل وقيصر).([18])

 وفي رواية (جئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم).([19])

وفي رواية (فقام عبد الرحمن بن أبي بكر فقال:كذبت والله يا مروان، لا يكون ذلك، لا تحدثوا علينا سنة الروم،كلما مات هرقل قام مكانه هرقل).([20])

ثم قال عبد الرحمن (يا معشر بني أمية، اختاروا منها بين ثلاث: بين سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو سنة أبي بكر، أو سنة عمر، إن هذا الأمر قد كان، وفي أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم من لو ولاه ذلك لكان لذلك أهلاً، ثم كان أبو بكر، فكان في أهل بيته من لو ولاهّ لكان لذلك أهلاً، فولاها عمر فكان بعده، وقد كان في أهل بيت عمر من لو ولاه لكان لذلك أهلاً، فجعلها في نفر من المسلمين، ألا وإنما أردتم أن تجعلوها قيصرية،كلما مات قيصر كان قيصر، فغضب مروان بن الحكم).([21])

فانظر لعبارات الصحابة هنا - الذين كانوا أول من رأوا حدوث التغيير كما أخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله (من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا) - وكيف تصدوا للمحدثات تمسكا بسنن الخلفاء الراشدين، وتأمل قولهم (سنة أبي بكر وعمر)، (سنة كسرى وقيصر) (لا تحدثوا علينا سنة الروم)، يظهر لك بجلاء حقيقة هذه الأحاديث ووجهها الصحيح الذي كاد يطمسه الأئمة المضلون الذين حذر منهم النبي صلى الله عليه وسلم في الأخبار الصحيحة (أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلون)، وبلغ من خوفه منهم على أمته أن قال (غير الدجال أخوف عندي عليكم أئمة مضلون)..

الوجه الخامس:

ثم لو سئل السقاف ما سنن الخلفاء التي فعلا يصدق عليها أنها سنن هدى ورشد يجب العض عليها بالنواجذ، وهي تخالف الإحداث في الدين والابتداع الذي يكون وعيد صاحبه (النار)؟

فإنه لن يجد إلا سننهم في باب الإمامة وسياسة شئون الأمة!

وقد حاول السقاف أن يذكر أمثلة من أقوال الخلفاء في الفروع الفقهية يستدرك بها علي - ليقول للقراء بأن د حاكم المطيري يحرف النصوص لهواه - ولو تأملها كلها لما وجد فيها ما يصدق عليه ما ورد في الحديث! حيث ذكر السقاف مسائل عن عمر في المواريث كالعول وامرأة المفقود وجمع الطلاق الثلاث ..الخ!

فهذا كل ما استطاع السقاف ذكره في استدراكه علي ليؤكد أن سنن الخلفاء الراشدين أعم من سننهم في باب الخلافة! وأنه لا ينبغي قصر دلالة الحديث على السنن السياسية، وأن ما ذهبت إليه أنا في شرح الحديث خطأ منهجي كبير وإخضاع للنصوص بالتأويل المتعسف كما يزعم السقاف حامي جناب التوحيد وحارس قصر الوسطية؟!

وكل هذه الأمثلة التي ذكرها السقاف لا تصلح - كما لا يخفى على من له أدنى معرفة في علم الفقه والحديث - أن تكون هي المراد من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث العرباض بن سارية (تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، وإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ، وإياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة)، وفي حديث آخر (وكل ضلالة في النار)!

وفي أول حديث العرباض (وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، فقلنا يا رسول الله إن هذه لموعظة مودع فما تعهد إلينا؟) فأمر بلزوم سنته وسنن الخلفاء من بعده!

فالسقاف يتكلف في ذكر مسائل لا تخرج عن كونها اجتهادات لبعض الخلفاء الراشدين في فروع فقهية خالفهم فيها الصحابة أنفسهم، ثم يدعي أني تكلفت وتعسفت في حمل الحديث على السنن في باب الخلافة وسياسة الأمة!

فمسألة العول في الفرائض نسبت إلى زيد بن ثابت وأنه أول من عال في الفرائض.[22]

وخالفه فيها ابن عباس وعطاء حتى كان ابن عباس يدعو إلى المباهلة فيها، وكان لا يرى العول في الفرائض، بل يرى تقديم الأحق فيها على من بعده وقال (لا تعول فريضة أبدا).[23]

وعن عطاء قال (قلت لابن عباس: إن الناس لا يأخذون بقولي ولا بقولك، ولو مت أنا وأنت ما اقتسموا ميراثا على ما نقول قال: فليجتمعوا فلنضع أيدينا على الركن ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين، ما حكم الله بما قالوا).[24]

فلا يصلح أن يكون المخالف فيها لقضاء عمر وزيد ممن ضل وهلك وأحدث في الدين!

وكذلك إمضاء عمر الطلاق الثلاث بلفظ واحد أو مجلس واحد ثلاث طلقات، عقوبة لمن استخف بالطلاق، فقد خالفه فيه بعض السلف وقالوا هي طلقة واحدة، كما كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهد أبي بكر وهو مذهب أهل البيت وطوائف من أتباع الأئمة الأربعة ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم!

حتى قال ابن تيمية (فأمر المؤمنين عند تنازعهم برد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. فما تنازع فيه السلف والخلف وجب رده إلى الكتاب والسنة. وليس في الكتاب والسنة ما يوجب الإلزام بالثلاث بمن أوقعها جملة بكلمة أو كلمات بدون رجعة أو عقدة؛ بل إنما في الكتاب والسنة الإلزام بذلك من طلق الطلاق الذي أباحه الله ورسوله؛ وعلى هذا يدل القياس والاعتبار بسائر أصول الشرع).[25]

فلا يصلح أيضا دخول هذه المسألة في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)!

وكذا امرأة المفقود فقد قضى فيها عمر تنتظره أربع سنين ثم تعتد وخالفه علي فقال (ليس الذي قال عمر رضي الله عنه بشيء، يعني في امرأة المفقود، هي امرأة الغائب حتى يأتيها يقين موته أو طلاقها).[26]

فلم يسلم للسقاف من الأمثلة التي أوردها استدراكا علي ما يصلح أن يكون فعلا من سنن الخلفاء الراشدين التي يجب على الأمة لزومها والتمسك بها وإلا ضلت عن هدى النبي صلى الله عليه وسلم؟!

فكل هذا التكلف في الاستدراك علي في فهم الحديث لم يخرج منه السقاف بطائل ولم يبق منه إلا اتهامي بالتكلف والتعسف وإخضاع النصوص للتأويل!

وكما قال أبو الطيب المتنبي :

وكم من عائب قولا صحيحا .. وآفته من الفهم السقيم!

ولكن تأخذ الآذان منه .. على قدر القرائح والفهوم !

 

الوجه السادس:

أن السنن السياسية التي رجحت أنا أنها هي المقصودة في حديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) - والتي اجتهدت في جمعها وحصرها، وبعثها ونشرها، والدعوة إليها ونصرها، في كل كتبي إحياء للسنة النبوية والسنن الراشدية في باب الإمامة وسياسة الأمة -  هي فعلا التي يصدق عليها الحديث الوارد فيها، ابتداء من سنن الخلفاء الراشدين في إقامة سنة الخلافة نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم في القيام بالأمر من بعده، وبالحكم بالكتاب والسنة، وجعل الأمر شورى بين الأمة لا اغتصاب له ولا تنازع فيه، وما سنه أبو بكر من جهاد أهل الردة والافتراق الذين أرادوا تفريق الأمة والدولة والعودة بها إلى الجاهلية، وما سنه من عدم التصرف في أموال الأمة، وعدم الأخذ منها لنفسه إلا قدر ما تفرضه الأمة له، ومساواته الناس في العطاء حتى ساوى بين الحر والعبد، وما سنه حين حضرته الوفاة من رد ما فضل عنده من المال إلى بين مال المسلمين حتى قال عمر (لقد أتعبت من بعدك)، وما سنه من إقصاء الأقارب عن الولايات، وعهده بالأمر بعد شورى الصحابة للأكفأ منهم علما وعملا لا الأقرب رحما ونسبا، وما قرره من أنه لا طاعة له عليهم إذا عصى الله ورسوله، وأن طاعتهم له منوطة بطاعة الله ورسوله..الخ

وكذا ما سنه عمر من سنن في الحكم وسياسة شئون الأمة التي امتدت لتضم شعوب كسرى وقيصر، حتى ضرب بسياسته المثل في العدل، كسنته في الأموال وما فرض للناس فيها حتى الأطفال الرضع، وما سنه في وقف الأرض، وجعل ريعها لبيت المال، لمنع وجود الإقطاعيات، وترك الجزية عن نصارى تغلب وجعلها صدقة تألفا لهم، وإعطائه فقراء أهل الذمة إذا احتاجوا من بيت المال، وتركه الأمر شورى من بعده، وعدم توليته للأقارب، وترشيحه للخلافة ستة أكفاء لتختار الأمة واحدا منهم، وتحديد مدة الاختيار ثلاثة أيام، وتقريره مبدأ ترك الولاية بالعجز، ومبدأ الترجيح بالأكثرية في اختيار الخليفة، ومبدأ إعادة الشورى إذا تساوت الآراء بالعدد، ومراقبته لأداء العمال والولاة، وعدم تركه لهم أكثر من أربع سنوات في الولاية، ومشاطرته نصف أموالهم وردها لبيت المال، وعزله الأكفاء من الولاة إذا اشتكى منهم الناس كما فعل مع سعد بن أبي وقاص.. الخ

وكذلك سنن عثمان وعلي في مواجهة الفتن الداخلية وعدم التعرض لمن خالفهم الرأي ما لم يسل السيف على الأمة، وما سنه علي في الخوارج من سنن بقوله (لهم علينا ثلاث ألا نبدأهم بقتال ولا نحرمهم من الفيء ولا نمنعهم مساجد الله) وموقفه ممن كفره وسبه .. الخ

فهذه السنن التي تجلت فيها هدايات السماء، وسنن الأنبياء - في سياسة الأمم بالشورى والعدل والرحمة - هي السنن التي يصلح أن يحث النبي صلى الله عليه وسلم الأمة على لزومها ويخشى عليهم من تركها والأخذ بسنن الملوك، والتوريث في الحكم، والحكم بغير الكتاب والسنة!

ولو نظر السقاف بعين الإنصاف لعلم أن هذه السنن هي التي تحتاجها الأمة حقا في كل زمان ومكان، بل لا تحتاج الأمة إلى أكثر من هذه السنن لتستقيم عليها شئونها في دينها ودنياها!

ولعل الأمة اليوم - كما أثبتت الثورة العربية وما جرى فيها من القتل والدماء بسبب الظلم والطغيان ووقوعها تحت الاحتلال الصليبي منذ سقوط الخلافة وتقسيمه لها إلى دويلات وظيفية وقواعد عسكرية لجيوشه - لا تعاني أزمة كأزمتها في باب الحكم والسلطة وسياسة الأمة!

وقد رأى السقاف كيف صلحت أحوال أمم الشرق والغرب الدنيوية ببعض هذه السنن التي هدتهم إليها عقولهم - كالشورى وانتخابهم لحكوماتهم، ومراقبة الشعوب للسلطة، ومحاسبتهم لها، ومحافظتها على أموالهم، وثرواتهم، والمساواة بينهم أمام النظام بلا فرق بين غني شريف، وفقير ضعيف - وهي بعض سنن الخلفاء الراشدين التي فرطت الأمة بها وأعرضت عنها، فما باله بكل سننهم وهداياتهم لو عمل المسلمون بها وبعثوها من جديد!

وقد كنت في مجلس مع عدد من طلبة العلم - قبل سنوات في الرياض سنة 2009م - أتحدث عن حاجة الأمة للإصلاح السياسي، فاعترض أحد أتباع هذه المدرسة فكاد يتقطع غيضا من حديثي عن الخطاب الراشدي ووجوب بعثه فقال: أصلا أحاديث (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين) وحديث (ثم تكون خلافة على منهاج النبوة) فيها نظر من حيث الثبوت!

وقال: لعله لم تقم بعد عهد النبوة دولة تحكم بالإسلام كمثل هذه الدولة ولو شئت لقلت ولا حتى الخلفاء الراشدين لولا مكانتهم وفضلهم!

فقلت له دع عنك الأحاديث أليس في نصوص القرآن القطعية ما يوجب الاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وهي أكثر من مائة آية! ابتداء من قوله تعالى {وكذلك جعلناكم أمة وسطا} وقوله {كنتم خير أمة أخرجت للناس}، وانتهاء بقول الله تعالى {اتقوا الله وكونوا مع الصادقين}، وقوله {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون}، وقوله {والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه}، وكلها في شأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضي الله عنهم وأرضاهم ووجوب اتباعهم بإحسان!

لقد بلغ الانحراف عند بعضهم حدا حملهم على الركون إلى الذين ظلموا، وحسنوا ما هم عليه من الجور، وبرروا ما هم فيه من الفجور، مع ظهور طغيانهم وفسادهم الذي لا يخفى على من له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد!

بل لا تكاد تجد من أتباع هذه الطائفة عامة من يهمه موضوع الخلافة ووحدة الأمة واجتماعها - فضلا عن سنن الخلافة الراشدة - مما يهم أمم الأرض الأخرى كالأوربيين الذين يرون ضرورة الاتحاد الأوربي لحماية أوربا ونهضتها، ويهم الأفارقة الذين يسعون لوحدة أفريقيا ونهضتها!

فكان العقل وهداياته أحسن أثرا على هذه الأمم في صلاح أحوال دنياهم، من دين هؤلاء الذين لا يرون في الدين إلا ما وجدوا عليه آباءهم حتى احتل العدو أرضهم، وساس أمرهم، وهم ما يزالون يتدارسون فقه الواقع في عالمهم الافتراضي! 

وكنت إذا حدثت بعضهم عن واقع الأمة وخطورة وقوعها تحت الاحتلال الأجنبي - ووجوب تحريرها من وجوده وقواعده العسكرية كما أوجب الله ورسوله وكما توجبه العقول الصحيحة والفطر السليمة التي تأنف من خضوع أممها لنفوذ عدوها الأجنبي خاصة جزيرة العرب إذ بوجوده لا تقوم للإسلام دولة - استخفوا في الحديث وتندروا به وقالوا هذا خطاب (الجهاديين)!

وإذا حدثتهم عن ضرورة الخلافة ووحدة الأمة ووجوب الاهتمام بها - ولو على مستوى الخطاب العلمي والدعوي لكونها أصلا من أصول أهل السنة والجماعة - استخفوا به وقالوا هذا خطاب (التحريريين)!

وإذا حدثتهم عن الحكومة الراشدة ووجوب اختيار الأمة لحكوماتها وإقامة سنن العدل وتحرير الشعوب من طغاتها وحماية حقوق الإنسان بحسب الإمكان قالوا هذا خطاب (التنويريين)!

وأحسنهم طريقة من يقول إن ما تدعو إليه حق إلا أنه غير ممكن فلا تشغل نفسك به!

فيحتجون بالقدر الكوني على ترك الأمر الشرعي العام في قوله صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين)!

فصار الحق الذي عليه غيرهم من الجماعات الأخرى مرفوضا عندهم لا لشيء إلا لأنهم لا يتصورون أن يخرج الحق عن فئتهم وطائفتهم!

ومن جهلت نفسه قدره ... رأى غيره منه ما لا يرى!

فالدين عندهم هو حماية التوحيد بالحسبة على شرك القبور، ومنع المنكرات بالحسبة على أهل الفسق والفجور! والصبر على أئمة الجور وأرباب القصور!

فلم أجد فئة غرها ما تدين به وما هي عليه من انحراف وقصور في الفهم للدين وحقيقته كهذه الفئة التي تظن - وأكذب الحديث الظن - أنها وحدها على السنة والوسطية التي انحرف الناس عنها بين غال فيها وجاف عنها إلا هم! فقد هداهم الله لم اختلف فيه من الحق بإذنه فهم أهل التوحيد والسنة والوسطية التي لا غلو فيها ولا تفريط!

فانظر كيف تعامى السقاف تحت تأثير مفاهيم هذه المدرسة - عن هذه السنن السياسية الراشدة مع وضوحها وشدة حاجة الأمة إليها ووقوع الانحراف عنها إلى الملك العضوض والملك الجبري وسنن طغاة فارس والروم - وتكلفه في المقابل إدخال مسائل فقهية فرعية خلافية بين الصحابة أنفسهم في دائرة دلالة هذا الحديث، ليتسنى له بعدها رمي د حاكم بالتكلف والتعسف وإخضاع النصوص لآرائه بالتأويل!

ولعل أشد ما في هذا التضليل النفسي الذي يمارسه السقاف هو أنه يمارسه براحة ضمير وغبطة وسرور خادع، ظنا منه بأنه بذلك يحمى الدين من تأويل المبطلين! وأنه كشف شبهات د حاكم في كتابه (الحرية أو الطوفان) بالدليل والبرهان! وبالعلم والفقه والسنة، التي ظنها حكرا عليه وعلى فئته، ليخفي وراء ذلك كله أهواء النفوس وحزازاتها وميولها ورغباتها!

وهو ما سيتجلى أكثر فأكثر - كما سيأتي في باقي الصوارم - كلما تتابعت استدراكاته، وتوالت عثراته، في مقالته النقدية، مهما حاول في كل فقرة فقيرة التظاهر بالحكمة والروية! والتدثر بلبوس الموضوعية والحيادية العلمية، ونسي السقاف أن عقل المرء وضميره مخبوءان تحت لسانه وقلمه!   

وقد ينبت المرعى على دمن الثرى .. وتبقى حزازات النفوس كما هي!

فلم تكلف السقاف يا ترى على هذا النحو في الاعتراض والاستدراك على سنن الخلفاء الراشدين السياسية؟

وعمن يدافع السقاف في حقيقة الأمر في مقاله هذا؟

وما الرابط المشترك بين كل استدراكاته التي جاءت في مآخذه على (الحرية أو الطوفان)؟

هذا ما سيتجلى في الحلقات القادمة فما زلنا مع السقاف ونقض شبهاته في هذه القضية إذ ما زال للحديث معه بقية!



[1]  أحمد في المسند 1/ 252 بإسناد صحيح على شرط الشيخين.

[2]  صحيح ابن حبان ح رقم 7137 .

[3] معرفة السنن والآثار للبيهقي 5 / 78 .

[4] صحيح البخاري ح رقم 7207 .

[5] ح رقم 9775 بإسناد صحيح على شرط الشيخين .

([6]) أحمد في المسند 4/273، وهو صحيح الإسناد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ح رقم (5).

([7])  صحيح الإسناد. وانظر سلسلة الأحاديث الصحيحة ح رقم (1749)، قال الألباني: لعل المراد بالحديث تغيير نظام الخلافة وجعله وراثة! وهو الذي لا شك فيه كما سيأتي بيانه.

([8]) صحيح البخاري ح رقم 7319 و7320، وصحيح مسلم 2669 .

([9]) افتح الباري في شرح هذا الحديث.

([10]) صحيح البخاري ح رقم 1768، ومسلم ح رقم 1370.

[11]  تحرير الإنسان ص 24 .

[12] أحمد في المسند 1/ 461 .

([13]) افتح الباري في شرح هذا الحديث.

([14]) انظر فتح الباري 8/576 ح رقم (4827) .

([15]) انظر فتح الباري 8/577 .

([16]) تاريخ الإسلام للذهبي سنة 51هـ ص 148 .

([17]) ابن كثير 8/92 في حوادث نسة 58هـ وهو من رواية عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن عبد الرحمن بن أبي بكر، وهذا إسناد صحيح .

([18]) المصدر السابق وانظر الدر المنثور للسيوطي 6/11 ، وقال : (أخرجه عبد بن حميد والنسائي وابن المنذر والحاكم وصححه) .

([19]) فتح الباري 8/577 .

([20]) رواه القالي في الأمالي 2/175 من طريق ابن شبة المؤرخ صاحب (تاريخ المدينة) بإسناد صحيح مرسلا .

([21]) أورده الذهبي في تاريخ الإسلام ص 148 عن ابن أبي خيثمة المؤرخ بإسناد صحيح .

[22] رواه سعيد بن منصور في السنن رقم 33 بإسناد صحيح.

[23] المصدر السابق رقم 35 بإسناد صحيح .

[24]  المصدر السابق ح رقم 37 .

[25] الفتاوى الكبرى 3/ 285 .

[26] سنن البيهقي الكبرى 7/ 444


بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ