الجمعة 1439/01/30 هـ
الأخبار ||

الفكري السياسي الإسلامي المعاصر تطورات وتحديات

الفكري السياسي الإسلامي المعاصر تطورات وتحديات
3/9/2014 3:46:27 PM

الفكري السياسي الإسلامي المعاصر 

تطورات وتحديات 

ورقة مقدمة لمحاضرة منظمة الأمة للتعاون العربي التركي 

قاعة بلدية إسطنبول 

1 مارس 2014 

بقلم أ.د. حاكم المطيري 

 

لا يمكن الحديث عن الفكر السياسي الإسلامي المعاصر قبل التمهيد له بمقدمات عن أسس هذا الفكر على مستوى النص والمفاهيم النظرية من جهة وعلى مستوى الممارسة التاريخية من جهة أخرى ويمكن إيجاز هذه الأسس بما يلي : 

الأول : الأساس العقائدي الإيماني : 

حيث جعل القرآن موضوع السلطة (الملك الحكم الأمر التشريع - الطاعة ) مرتبطا بأصل التوحيد كما في : 

توحيد الملك في قوله تعالى {له الملك} {ولم يكن له شريك في الملك} وقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم (لا ملك إلا الله) 

وتوحيد الحكم {إن الحكم إلا لله} {ولا يشرك في حكمه أحدا} 

وتوحيد التشريع {أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله} 

وتوحيد الطاعة {وإن أطعتموهم إنكم لمشركون} 

وقد صار هذا الموضوع من موضوعات علم العقائد والتوحيد .. 

 

الثاني : الأساس الأخلاقي والقيمي : 

فقد جاء الإسلام بمنظومة أخلاقية وقيمية لمعالجة موضوع الدولة والمجتمع والسلطة حيث ربطها بمجموعة من القيم (العلم الأمانة الكفاءة العدل - النصيحة) 

حيث جعل القرآن السلطة أمانة وجعل الغاية من وجود السلطة إقامة العدل كما قال تعالى {إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل} 

وقال تعالى {لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط}  

وقال تعالى (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل}  

وفي قصة يوسف {اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم}  

وفي قصة موسى {إن خير من استأجرت القوي الأمين} 

وقال النبي صلى الله عليه وسلم حين سأله أبو ذر الإمارة (إنك امرؤ ضعيف وإنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من إخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها)  

وقال (الدين النصيحة .. ولأئمة المسلمين وعامتهم) وقال (ما من أمير يلي أمر المسلمين ثم لا يجهد لهم وينصح إلا لم يدخل معهم الجنة) 

وقد اعتنت كتب السلوك والآداب في هذا الأساس الأخلاقي الذي يشترط توفره في السلطة وجودا وغاية وممارسة .. 

 

الثالث : الأساس التشريعي : 

وهو الأساس الأبرز ظهورا من حيث النص ومن حيث الممارسة التاريخية حيث كانت الخلافة كنظام سياسي له أصوله وقواعده وأحكامه هي موضوع كتب الأحكام السلطانية والسياسة الشرعية التي تعالج موضوع الخلافة (الدولة) والإمامة (السلطة) وهي تقوم على : 

  1. وحدة الأمة (المجتمع بكل مكوناته) 

  1. وحدة الدولة (دار الإسلام بكل أقاليمها) 

  1. وحدة الإمامة (السلطة) 

  1. وحدة المرجعية (الكتاب والسنة) 

  1. السيادة والاستقلال والأمن العام 

وقد تواترت النصوص القرآنية والنبوية في بيان الأحكام التشريعية في هذا الموضوع ومن ذلك : 

قوله تعالى {أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم} 

وقوله تعالى {وأمرهم شورى بينهم} {وشاورهم في الأمر} 

وقوله تعالى {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} 

وما جاء في الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء وإنه لا نبي بعدي وسيكون خلفاء فيكثرون فأفوا بيعة الأول فالأول) 

وقال أيضا (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي) 

وقال (إن الله يرضى لكم ثلاثا أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم} 

وقال كما في الصحيح (إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الثاني منهما).. 

وكانت الخلافة كنظام سياسي عرفها المسلمون منذ الخليفة الأول أبي بكر الصديق إلى السلطان العثماني عبد الحميد الثاني هي التجربة التاريخية الوحيدة التي عبرت عن الفكر السياسي الإسلامي حتى سقوط العالم الإسلامي في الحرب العالمية الأولى أمام جيوش الاستعمار الغربي.. 

 

 

تعريف الفكر السياسي الإسلامي المعاصر : 

وينبغي هنا قبل تعريف الفكر السياسي الإسلامي التنبيه على : 

أولا : التفريق بين الفكر الإسلامي نسبة إلى الإسلام كدين والإسلامي نسبة إلى المسلمين كأمة كما فعل أبو الحسن الأشعري في كتابه (مقالات الإسلاميين) والإسلامي نسبة للإسلاميين الحركيين! 

ثانيا : لا يمكن الفصل بين الفكر السياسي والخطاب السياسي الذي يعبر عن مضامين هذا الفكر  والممارسة السياسية التي هي انعكاس الفكر على الواقع العملي لمن يؤمن به ويدعو إليه، إذ الفعل الإنساني هو أثر من آثار التصورات والتصديقات والعقائد، وبناء عليه يكاد الفصل يكون مستحيلا بين الأفكار النظرية وتجلياتها العملية وبين الأفكار وأصحابها ولهذا يكاد الحديث عن الفكر السياسي الإسلامي ينصرف دائما إلى أطروحات الحركة الإسلامية على وجه الخصوص .. 

ثالثا : هناك ترابط بين ثلاثة مجالات تتداخل وتتقاطع فيما بينها لتشكل رؤى المفكرين الإسلاميين بشكل أو بآخر وهي المجال الفقهي والمجال السياسي والمجال التاريخي ومن هنا تصبح الرؤى والأفكار السياسية ثمرة تشكل الوعي عبر هذه المجالات من جهة وتفاوت تأثيرها من جهة أخرى. 

 

هذا ويمكن تعريف الفكر السياسي الإسلامي من خلال بيان مفرداته وهي على النحو التالي : 

الفكر لغة مشتقة من مادة ف ك ر قال ابن فارس في مقاييس اللغة 4/446 (الفاء والكاف والراء تردد القلب في الشيء يقال فَكُّر إذا تردد قلبه معتبرا، ورجل فكير كثير الفكر) وفي لسان العرب (الفِكر والفَكر إعمال الخاطر في الشيء .. والتفكر التأمل). 

ومن الاشتقاق في هذه المادة (فرك) ومن معانيها فتل الشيء حتى يتحلل كما في مقاييس اللغة 4/495، وفي لسان العرب 10/473 (استفرك الحب سمن واشتد وأفرك السنبل أي صار فريكا وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل.. وفي الحديث (نهى عن بيع الحب حتى يفرك) أي يشتد وينتهي) 

ففرك تدل في الماديات والمحسوسات على ما تدل عليه فكر في الشيء في المعنويات والعقليات حيث الفرك لها والفتل للآراء حتى تشتد وتصلح وتتجلى في عالم الفكر! 

ومن الاشتقاق في هذه المادة (كفر) وهو الستر والتغطية للشيء! 

وفي الوقت الذي نهى القرآن عن الكفر {ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس 70] نجده في المقابل يأمر بالفكر {قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون} [الأنعام 50] 

 {كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون} [البقرة 219] 

كما أمر بالتعقل وإعمال العقل {أفلا تعقلون}  

فالتفكر هو المدخل للوصول إلى المعرفة الصحيحة من خلال إعمال العقل والنظر والاجتهاد فيه. 

 

 السياسي نسبة إلى السياسة وهي لغة القيام على الأمر بما يصلحه والسياسة شرط الرئاسة فلا رئاسة بلا سياسة . 

واصطلاحا السياسة شرعا القيام على إدارة شئون الأمة والدولة بما يصلحها وفق حكم الإسلام. 

وقال ابن القيم في الطرق الحكمية ص4 (السياسة العادلة جزء من أجزاء الشريعة وفرع من فروعها. 

فالسياسة نوعان :  

سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها. 

وسياسة عادلة تخرج الحق من الظالم فهي من الشريعة. 

قال ابن عقيل في الفنون : السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد وإن لم يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي). 

 قال ابن نجيم الحنفي المتوفى سنة 970ه في البحر الرائق (السياسة القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح في الدولة - وانتظام الأموال) أو (الأحوال). 

وفي الكليات لأبي البقاء الكفوي - المتوفى 1094 ه (السياسة استصلاح الخلق بإرشادهم وهي من الأنبياء على الخاصة والعامة في ظواهرهم وبواطنهم) قال التهانوي في كشاف اصطلاحات الفنون ص 15 (وتسمى سياسة مطلقة لأنها في جميع الخلق وفي جميع الأحوال، وأما من الأمراء فإصلاح معاملة الناس فيما بينهم ونظمهم في أمور معاشهم وتسمى سياسة مدنية). 

 

التلازم بين السياسي والأخلاقي الشرعي : 

ويلاحظ هنا الارتباط الوثيق بين السياسة والإصلاح والعدل لغة وشرعا واصطلاحا وفقها فلا تنفك السياسة بمفهومها الاصطلاحي الإسلامي عن البعدين الأخلاقي والشرعي حيث هي القيام على الأمر بما يحقق الإصلاح والعدل وفق حكم الشرع في إدارة شئون الدولة والمجتمع. 

 فلا سياسة بلا تحقيق المصلحة ولا مصلحة بلا مشروعية أخلاقية ودينية 

فهي بهذا المفهوم تختلف اختلافا جذريا عن السياسة بمفهومها الغربي اليوم كفن وكممارسة حيث تم تجريدها من القيم الأخلاقية بعد ارتباطها بالفلسفة البرغماتية والنفعية التي تجعل من المصلحة وحدها المعيار الموضوعي للفعل السياسي دون نظر لقيم الحق والعدل والإصلاح في الأرض.  

 

الإسلامي نسبة إلى الإسلام كمرجعية للفكر فلا يدخل في التعريف ما لا علاقة له بالإسلام من أفكار سياسية قد تعارضه على مستوى النص، وكذلك نسبة للمسلمين لاجتهادهم في الرأي السياسي على مستوى الفقه والتجربة والممارسة. 

المعاصر قيد لتحديد الفترة الزمانية للفكر السياسي الإسلامي الذي نشأ مع نهاية الخلافة العثمانية على مستوى التجربة التاريخية وما زال يقدم رؤاه واجتهادته في هذا المجال .. 

وبناء على ما سبق يمكن تعريف الفكر السياسي الإسلامي المعاصر بأنه : 

مجموع الآراء والاجتهادات والرؤى التي حاولت تقديم تصور عن طبيعة الدولة في الإسلام وعن السلطة وصلاحيتها والأمة ودورها من منظور إسلامي منذ سقوط الخلافة العثمانية وإلى اليوم .. 

 

تطور الفكر السياسي الإسلامي المعاصر وإنجازاته : 

يعد سقوط الخلافة العثمانية حدا فاصلا بين مرحلتين تاريخيتين وتجربتين سياسيتين مختلفتين اختلافا جذريا في العالم الإسلامي إذ لم يكن سقوط الخلافة سقوطا لنظام سياسي فقط بل كان نهاية لعصر امتد أكثر من ألف عام وانتهى بنهايته كل من : 

الإسلام الأمة الواحدة 

والإسلام الوطن الواحد 

والإسلام الهوية الثقافية 

والإسلام المرجعية التشريعية 

وبدأ عصر الدول القطرية الوطنية التي رسم حدودها الاستعمار الغربي وفرض عليها واقعا جديدا لا عهد لها به وبدأت ببدايتها أزمة الأمة السياسية ورحلة الاغتراب القسري فكريا ونفسيا وسياسيا واقتصاديا لشعوب العالم الإسلامي وكان التطور الأبرز سياسيا في هذه المرحلة : 

  1. قيام حركات التحرر من الاستعمار في العالم الإسلامي ابتداء من تركيا ثم مصر والعراق وسوريا وانتهاء بالمغرب العربي ما بين الحربين العالميتين 1914 - 1945 وبروز قيادات سياسية تاريخية نجحت في قيادة المقاومة ضد الاحتلال وانتهت بالاعتراف بحق شعوبها بالاستقلال . 

  1. بدأت الحركة الفكرية في هذه المرحلة الحرجة تشق طريقها لتقديم رؤاها وتصوراتها تجاه النظام السياسي الجديد للعالم الإسلامي ويمكن اعتبار كتاب علي عبد الرازق الشيخ الأزهري المولود 1888 المتوفى 1966 - (نظام الحكم في الإسلام) - الذي بدأ بتأليفه أثناء أثناء الحرب العالمية الأولى وأصدره سنة 1925 بعيد الإعلان عن إنهاء الخلافة سنة 1924م -  هو كتاب المرحلة التي عبر عنها على مستوى الفكر السياسي وافتتحها بخطاب سياسي جديد لا عهد للعالم الإسلامي به! 

وكان كتاب عبد الرزاق السنهوري (نظام الخلافة وتطوره) الذي كان رسالة دكتوراه في جامعة السربون في فرنسا الذي ألف في الفترة نفسها من أبرز ما كتب حيث رد على كتاب علي عبد الرازق من حيث الحجج القانونية . 

 

  1. ظهور الجماعات الإسلامية التي حملت على عاتقها ربط الأمة بدينها ومواجهة الحملة التغريبية التي صاحبت الحملة الاستعمارية على مستوى الفكر وكانت من أوائل تلك الجماعات جماعة الأخوان المسلمون 1928م في مصر والجماعة الإسلامية في الهند 1941م  والحركة الإسلامية في تركيا منذ إنهاء الخلافة سنة 1924م وإعدام الشيخ سعيد بيران وتصدي بديع الزمان النورسي للدعوة إلى الإسلام منذ نفيه سنة 1925م.. 

وقد نجحت هذه الجماعات والحركات في جعل إقامة الحكم الإسلامي هدفا وغاية حاضرة في نفوس أتباعها مما يعد إنجازا فكريا.. 

 

  1. صدور الكتب التي تعالج موضوع نظام الحكم في الإسلام والفكر السياسي الإسلامي وكان من أبرزها كتب أبي الأعلى المودودي وسيد قطب .. 

 

  1. المشاركة السياسية والوصول إلى المجالس التشريعية والحكومة في عدد من الدول وممارسة العمل السياسي كمحاولة للإصلاح بشكل سلمي وكان من أبرزها التجربة الماليزية والتركية التي نجحت في تحقيق نجاحات سياسية واقتصادية وتنموية .. 

 

أزمة الفكر السياسي الإسلامي المعاصر والتحديات : 

إذا كان ما سبق ذكره هو أهم التطورات والنجاحات السياسية على مستوى الفكر والممارسة منذ سقوط الخلافة فهناك في المقابل تحديات كبرى تواجه الفكر السياسي الإسلامي المعاصر ومن أبرزها: 

  1. افتقاد الهوية وتراجع العناية بها في مقابل الاهتمام بالبرامج التنموية على مستوى الفكر وعلى مستوى الممارسة مما صبغ الخطاب السياسي الإسلامي المعاصر بصبغة مصلحية على حساب القيم المبدئية وهو ما خلق أزمة الهوية السياسية وعزز حالة الاغتراب في الخطاب السياسي الإسلامي نفسه ما انعكس على الممارسة السياسية التي بدت ظاهرة حتى في الدول التي تم تحقيق قدر من النجاح فيها في الوصول إلى السلطة وإدارة المجتمع، حيث تتجاوز الأزمة التي تعيشها الأمة وشعوبها مشكلة التنمية والنهضة إلى مشكلة وجود الدولة ذاتها وطبيعة نظامها السياسي وأهدافه الإستراتيجية، وهو ما يحدث عادة في الدول التي لم تستقر سياسيا، والتي لا يمثل النظام العام فيها إرادة الأمة التي يحكمها هذا النظام أو إرادة الأكثرية فيها، والتي ما زالت تبحث عن ذاتها وهويتها وأهدافها كما يجري في الدول التي تعيش إرهاصات تحولات تاريخية فكرية واجتماعية واقتصادية وسياسية تتشكل معه ومن خلاله رؤى جديدة لهذه المجتمعات وما تتطلع إليه داخليا وخارجيا، مما يجعل الصراع فيما بين قواها السياسية - التي تعبر عن تلك الرؤى وعن توجهات مكونات المجتمع - يصل إلى كل مؤسسات الدولة وطبيعة نظامها السياسي وأهدافه، ولعل أبرز الأمثلة ما يحدث في تركيا بين التيار السياسي الذي ورث تركيا بعد الحرب العالمية الأولى، والتيار الإسلامي بمفاهيمه الدينية وقيمه التاريخية وشرعيته الشعبية التي عادت من جديد، لا لتقف عند استبدال حكومة بحكومة، بل لتعيد صياغة تركيا الجديدة والجمهورية الثالثة على كل المستويات وفي كل الاتجاهات استجابة لتوجه الشعب التركي وتطلعاته، وبحثه عن ذاته وهويته وأهدافه بعد عقود من الاغتراب عن ماضيه وجذوره التي حقق بسببها أعظم إنجازاته التاريخية، كما عبر عن ذلك وزير الخارجية الحالي داود أوغلو في كتبه (العمق الاستراتيجي) حيث يقول ص 107(الحراك الفكري في تركيا ناتج عن بحث تركيا عن أساس جديد لهويتها الإستراتيجية والفكرية وربما تمر تركيا في أكثر المراحل جدية في تاريخها الحديث من جهة مواجهتها لذاتها وإعادة تحليل نفسها من جديد)!  

ويتحدث عن خطورة أزمة الهوية التي عاشها الشعب التركي بعد حالة الاغتراب التي عاشتها النخب السياسية العلمانية، فيقول في ص 42 (تعتبر الهوية والمرجعية لأي بلد أهم عنصر رابط ما بين المعطيات الثابتة والمتغيرة للدولة.. إن المجتمعات التي تمتلك هوية قوية وحسا مرجعيا نابعين من فهم مشترك، وتمتلك ثقافة تستطيع من خلالها تحريك العناصر النفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية، يمكنها أن تحقق انفتاحات إستراتيجية متجددة بخلاف المجتمعات التي تمر بحالة أزمة هوية، والتي تجعل من هذه الأزمة مشكلة ثقافية في بؤرة تموجات نفسية واجتماعية وسياسية واقتصادية تقع في حفرة من الانغلاق الاستراتيجي)..  

وهنا يأتي السؤال المشروع هل نجحت تركيا اليوم حل هذه الأزمة أم ما زال الطريق طويلا وشاقا لاستعادة الهوية التي كادت تطمس أمام مشروع العولمة الثقافي الغربي! 

 

  1. تراجع المشروع السياسي الإسلامي عن طموحاته المشروعة على مستوى الفكر وعلى مستوى الممارسة أمام مشروع الدولة القطرية والوطنية والقومية من جهة وأمام مشروع العولمة السياسي الذي جعل من الأمم المتحدة وسيادة الدول الخمس الاستعمارية سقف العالم الذي تخضع تحته شعوب العالم من جهة أخرى حيث لم تعد من أولوياته قضية وحدة الأمة وعودة خلافتها ولا استقلالها وسيادتها ولا استعادة شريعتها ولا تحرير مقدساتها حتى تراجع مشروع نظام الحكم الإسلامي أمام المعايير الغربية الأوربية ليتراجع معه الفكر السياسي الإسلامي! 

 

  1. توقف التجديد في رؤى الفكر السياسي الإسلامي من جهة وغياب الأصالة من جهة أخرى في أدبياته حيث ما تزال المدارسة الفكرية السياسية كما هي تعيد خطابها منذ عقود دون حدوث تجديد أو تأصيل وما يزال الفكر يتنازعه الخطابان : 

التقليدي الذي عجز عن فهم الواقع وضرورة مواكبة تطوره والاجتهاد فيه وله. 

والحداثي الذي انفصل تحت ضغط الواقع عن جذوره وأصوله .. 

 

  1. فشل التجربة السياسية لعدد من الحركات الإسلامية التي وصلت للسلطة أو شاركت فيها وهو يعود إلى أزمة في تصوراتها وممارساتها وخطابها السياسي ما أدى إلى فشلها في تحقيق أهدافها مما أثر سلبا على الفكر السياسي الإسلامي.. 

  1. الانفصام بين المفكر السياسي الإسلامي من جهة والممارسة السياسية للحركي من جهة والفقيه من جهة ثالثة! 

فغاب أو كاد يغيب الفقيه المجتهد المجدد  

وغاب أو كاد يغيب السياسي المبدئي 

وغاب أو كاد يغيب المفكر الإسلامي المبدع 

فلا فكر بلا إبداع ولا فقه بلا اجتهاد وتجديد ولا سياسة بلا أخلاق! 

 ومن هنا كان الفصل بين هذه المجالات أحد تجليات الأزمة وأخطر التحديات التي يواجهها الفكر السياسي الإسلامي المعاصر. 

 

وقد جاءت الثورة العربية اليوم بما تحمله الثورة بطبيعتها من إبداع وتجديد ورغبة في التغيير ومن روح جديدة تتوثب للمستقبل لتدفع بالفكر السياسي الإسلامي المعاصر نحو الأمام فالثورة لم تسقط فقط العروش بل أسقطت الأفكار التي كانت سببا في بقاء عروش الطغاة ووراء تخلف المجتمع! 

لقد جاءت الثورة العربية كردة فعل عنيفة ليس على الأنظمة الاستبدادية بل على المفكر والسياسي والفقيه الذي أسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في ترسيخ الطغيان طول هذه العقود في العالم العربي! 

وربما كان في الثورة العربية من جهة والتجربة التركية المعاصرة من جهة أخرى ما يسهم في استثارة الفكر السياسي الإسلامي ويحفزه على التجديد والإبداع لرسم المستقبل كما تطمح إليه الأمة وشعوبها لتحقيق النهضة الحضارية الجديدة من خلال هويتها وقيمها الدينية والثقافية وفي ظل نظامها السياسي في الحكم.. 

 

 

 



5/19/2015 3:00:16 PM
كريم
راءع

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ