الثلاثاء 1438/11/02 هـ
الأخبار ||

مواضيع ذات صلة

الرسالة السابعة .. (نظرات فقهية في السياسة الشرعية)

الرسالة السابعة .. (نظرات فقهية في السياسة الشرعية)
4/25/2013 2:34:33 AM
الرسالة السابعة .. (نظرات فقهية في السياسة الشرعية)

الرسالة السابعة

(نظرات فقهية في السياسة الشرعية)


الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على رسوله النبي الأمي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:

فهذه نظرات فقهية في السياسة الشرعية، تعالج بعض إشكالياتها في الثقافة السائدة، حيث تعطلت الأمة عن دورها في تغيير واقعها السياسي، بسبب كثير من الإشكالات الفكرية والثقافية، ومنها :

1- السياسة.. إشكالية المفهوم والمصطلح :

فإشكالية الخلط بين مفهوم السياسة عند الفقهاء قديما، ومفهومها المعاصر، هي إحدى الإشكالات التي كان لها أسوء الأثر على ثقافة الأمة السياسية اليوم، حيث إن السياسة عند الفقهاء قديما تعني ما تمارسه السلطة والولاة والقضاة من حزم وحسن تدبير مما يحقق غايات الشرع ومقاصده، في باب الولاية وسياسة الأمة، مما لم يرد فيه تشريع من كتاب ولا سنة، ولهذا يقولون (حكم الشرع) و(حكم السياسة)، وعليه فالشرع عندهم هو كل ما فيه حكم من الكتاب أو السنة، وأما السياسة فهي حسن تطبيق الشرع على أعدل وجه وأكمل صورة، ولهذا جاء في الطرق الحكمية للإمام ابن قيم الجوزية :

(قال الشافعي ـ أي من هو على مذهب الشافعي لا الإمام الشافعي نفسه ـ : لا سياسة إلا ما وافق الشرع .. وقال ابن عقيل الحنبلي : السياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول ولا نزل به الوحي)! ([1])

فالشافعية لا يرون الحزم وحسن التدبير والتنفيذ يخرج عن دائرة المشروع، وليس للولاة ولا للقضاة أن يتجاوزوا في كل تصرفاتهم السياسية حكم الشارع، وهذا بناء على قاعدة عند المتكلمين والأصوليين منهم بأن الأصل في الأفعال الحظر حتى يرد حكم الشرع، وهي قاعدة مبنية على أصل عقائدي عند الأشاعرة وهو المنع من التحسين والتقبيح العقلي، وأن لا حسن ولا قبح قبل ورود الشرع!

وأما ابن عقيل الحنبلي والحنابلة فيرون بأن السياسة هي كل تصرف وفعل يصدر عن السلطة من الخلفاء والأمراء والولاة والقضاة، يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح في أحوالهم وشئون حياتهم، وأبعد عن الفساد، وإن لم يرد فيه نص من الكتاب والسنة، لأن الأصل في الأفعال والتصرفات عندهم الحل والإباحة، إلى أن يرد دليل الحظر والمنع من الشرع!

فالسياسة عند الفقهاء هي ما يقابل الشرع، إلا إنها عند الشافعية يجب أن توافق أحكام الشرع، بينما عند الحنابلة يجب أن لا تخالف أحكام الشرع!

ولهذا قال ابن القيم (ومن له ذوق في الشريعة واطلاع على كمالاتها وتضمنها لغاية مصالح العباد في المعاش والمعاد، ومجيئها بغاية العدل الذي يسع الخلائق - فالشريعة جاءت بغاية العدل، ولا عدل فوق عدلها، ولا مصلحة فوق ما تضمنته من المصالح - تبين له أن السياسة العادلة جزء من أجزائها، وفرع من فروعها، فإن السياسة نوعان، سياسة ظالمة فالشريعة تحرمها، وسياسة عادلة هي عين الشريعة علمها من علمها وجهلها من جهلها...فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه، بأي طريق كان فثم شرع الله ودينه، بل قد بين الله بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، ليست مخالفة له، بل موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبع لمصطلحكم وإنما هي عدل الله ورسوله).([2])

فتأمل قوله بأن السياسة لا تخالف الدين، أو أنها جزء من أجزائه، وفرع من فروعه، لأن كل ما جاء فيه نص وشرع وحكم فهذا من الدين قطعا، وليس من السياسة، وأما السياسة فهي حسن إدارة شئون الأمة على الوجه المشروع، أو على الوجه غير الممنوع شرعا!

وهنا يظهر جليا لمه شاع في الثقافة الدينية قول (من السياسة ترك السياسة)؟

ولمه شاع بين الفقهاء وفي أوساطهم العلمية عدم الاهتمام كثيرا بالسياسة والشئون السياسية؟

والسبب في ذلك لأنهم استصحبوا مفهوم السياسة في الفقه الإسلامي، وعند الفقهاء قديما وهو (الحزم وحسن التدبير لشئون الأمة)، وهذا أمر من اختصاص السلطة وحدها، ولا ينبغي إشتغال الجميع به، وليست السياسة هي الشريعة ليهتم الفقهاء والدعاة، بها فالواجب الاهتمام بالشريعة وأحكامها، دون السياسة وأقسامها!

بينما السياسة اليوم لها مفهوم آخر تماما، يختلف اختلافا جذريا عن مفهوم السياسة في الفقه الإسلامي، فهي لا تعني الحزم وحسن الإدارة والتنفيذ، بل تعني التشريع ذاته كفرد من أفراد موضوعها، أي أن ما يطلق عليه عند الفقهاء قديما (الشرع) و(الدين) أو(الكتاب والسنة) صار جزءا من أجزاء موضوع السياسة بمفهومها المعاصر، بعد أن كانت السياسة عند الفقهاء جزءا من أجزاء الشرع، وفرعا من فروعه!

أي أن من يقول اليوم (لا سياسة في الدين) و(من السياسة ترك السياسة) كأنه يقول تماما (لا دين في الدين) و(من الدين ترك الدين)!

أي صار كثير من المسلمين وعلمائهم أسرى ثقافة مفاهيم ومصطلحات لا وجود لها اليوم، فالسياسة بالمفهوم الفقهي القديم والتي أثرت سلبا على اهتمام كثير من المسلمين بشئونهم السياسية قديما، لم يعد لها وجود، بل السياسة التي يعزفون عنها اليوم ولا يهتمون بها، هي التي تشكل اليوم دينهم وشرائعهم وقوانينهم، بعد أن كانت السياسة قديما مجرد حسن تصرف السلطة في تطبيق الشريعة والكتاب والسنة!

ولهذا فما نسميه سياسة اليوم هو ما يسميه الفقهاء قديما (الأحكام السلطانية)، ولا يسمونها سياسة لأنها أحكام شرعية، فيها نصوص من الكتاب والسنة، بخلاف السياسة عندهم قديما، فهي ما لا شرع فيه من تصرفات السلطة السياسية!

2- إشكالية الموضوع والمضمون :

وذلك بتحديد موضوع كل من الدين والسياسة، فإذا كانت إشكالية الخلط بين مفهوم السياسة عند الفقهاء قديما، والسياسة في المفهوم الحديث، قد أثر سلبا على اهتمام الأمة بشئونها السياسية، ظنا منها بأن السياسة غير الشرع، وغير الدين، وأن الدين هو الأهم، فإذا سلم الشرع والدين، فلا يضر فساد السياسة وانحرافها، وحتى بلغ الحال أن خرج من الدعاة من يقول للأمة بأن احتلال القوى الاستعمارية للمنطقة لا خطر فيه على ديننا، وإنما خطورة ذلك فقط على دنيانا وسياسة دولنا، أما إسلامنا وشريعتنا فلا خوف عليهما فالله حافظهما؟!

فإن هذه الإشكالية إنما تزول بعد فهم موضوع كل من الشرع والسياسة، ودائرة كل منهما، وإنما وقع الخلط من طائفتين، طائفة لا تعرف موضوع السياسة أصلا، ومن ثم رأت بأنه لا سياسة في الدين، وطائفة لا تعرف موضوع الدين ولا أحكامه، فرأت بأنه لا دين في السياسة، وأن الإسلام لم يشرع في شئون السياسة شيء، وأحسنهم حالا من يقول بأن الإسلام وضع مبادئ عامة فقط!

وكل هؤلاء إنما أتوا من إعراضهم عن هدايات الكتاب والسنة، وعدم علمهم بالواقع، وكيفية تنزيل أحكام الكتاب والسنة عليه، بعد اتساع الشقة بين واقع الأمة السياسي، وأحكام الشريعة المطهرة!

فإذا نظرنا في موضوع السياسة وتعريفها اليوم، فإذا هي كما يعرفها علماء الفن بأنها (علم الدولة)، أو (علم السلطة)، أو (علم الدولة وعلاقة السلطة بالمجتمع وأفراده وحدود صلاحياتها..الخ).

أي أن موضوع السياسة اليوم ودائرة قضاياها التي تعالجها هو :

1ـ موضوع الدولة والمجتمع والفرد من حيث تصرف السلطة في شئونه..

2ـ وتحديد السيادة وهي السلطة الأعلى في الدولة وحدود طاعتها وصلاحياتها..

3ـ والسلطة التشريعية، وصلاحياتها في تشريع القوانين وسنها..

4 ـ والسلطة القضائية، وصلاحياتها في الحكم والفصل بين الناس بحسب القانون..

5 ـ والسلطة التنفيذية، وصلاحياتها في إدارة شئون الدولة والمجتمع وفرض القانون وتطبيقه..

6 ـ والعلاقة بين هذه السلطات والنظام العام للدولة، ودستورها الذي ينظم العلاقة بين هذه السلطات، ويحدد صلاحياتها بحسب طبيعة النظام وفلسفته..الخ.

وكل هذه القضايا هي بعينها موضوع الدين ذاته! وهي قضايا الشريعة الإسلامية الرئيسة! فمنها ما هو :

1 ـ من قضايا التوحيد وأصول الدين والإيمان، كموضوع السيادة المطلقة لله وكونه الرب {رب العالمين}، {رب الناس}، وكونه الملك {الملك الحق}، و{ملك الناس}، وكونه الحاكم {إن الحكم إلا لله}، والسيد الذي له وحده الطاعة المطلقة {والله يحكم لا معقب لحكمه}، {لا يسأل عما يفعل وهم يسألون}، وكما في الحديث (إنما السيد الله)!

وكونه هو الذي يشرع لعباده وحده لا شرك له {ولا يشرك في حكمه أحدا}، {ولا تشرك في حكمه أحدا}، وكون الطاعة له وحده ولرسوله لأنه الواسطة بينه وبين عباده {وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول}، وكون الطاعة للسلطة منوطة بطاعتها لله ولرسوله {وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول} ..الخ وهذه كلها من مسائل الاعتقاد وأصول الدين في الإسلام.

وقد خصص لها الأئمة مباحث في كتب التوحيد والاعتقاد، وكذا مباحث في أصول الفقه كما قال الغزالي في(المستصفى في علم الأصول): (وفي البحث عن الحاكم يتبين أنه لا حكم إلا لله، وأنه لا حكم للرسول، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله ووضعه).

وقال الآمدي في (الأحكام): (الأصل الأول في الحاكم: اعلم أنه لا حاكم إلا الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به).

وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام): (وتفرد الإله بالطاعة، وكذلك لا حكم إلا له).

2 ـ ومن قضايا السياسة المعاصرة وموضوعاتها ما هو من باب أصول الأحكام وشرائع الإسلام كالإمامة والخلافة التي صنف لها الفقهاء كتب (الأحكام السلطانية)، ونصوا بأنه لا قيام للدين دون قيام الإمامة ووجود الخلافة، كما قال الماوردي: (الإمامة موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين، وسياسة الدنيا، وعقدها لمن يقوم بها في الأمة واجب بالإجماع).([3])

وقال ابن حزم:(علمنا بضرورة العقل وبديهته أن قيام الناس بما أوجبه الله من الأحكام عليهم في الأموال والجنايات والدماء والنكاح والطلاق ومنع الظلم، وإنصاف المظلوم، وأخذ القصاص ممتنع غير ممكن أي دون إمام وهذا مشاهد في البلاد التي لا رئيس لها، فإنه لا يقام هناك حكم حق ولا حد، حتى ذهب الدين في أكثرها، فلا تصح إقامة الدين إلا بالإسناد إلى واحد أو أكثر).([4])

وقال القرطبي: (لا خلاف في وجوب ذلك - إقامة الخلافة - بين الأمة ولا بين الأئمة، وأجمع الصحابة على تقديم الصديق ..فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين).([5])

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (ولاية أمر الناس من أعظم واجبات الدين، بل لا قيام للدين إلا بها، فإن بني آدم لا تتم مصلحتهم إلا بالاجتماع، لحاجة بعضهم إلى بعض، ولابد لهم عند الاجتماع من رأس؛ لأن الله أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا يتم ذلك إلا بقوة وإمارة، وكذلك سائر من أوجبه ما الجهاد والعدل وإقامة الحج والجمع والأعياد ونصر المظلوم وإقامة الحدود لا تتم إلا بالقوة والإمارة).([6])

وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ (لا إسلام بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمامة).([7])

3 ـ ومن موضوعات السياسة ما هو من الفروض والواجبات الشرعية، كالقضاء، وفصل الخصومات، ودفع الظلم، والجهاد، وحماية البيضة، وإقامة الحقوق والحدود..الخ.

4 ـ ومنها ما هو من المندوبات الشرعية، كأكثر أعمال المجتمع المدني وفروض الكفايات، كالإحسان إلى الخلق، والعناية بشئون المجتمع، والإصلاح في الأرض ..الخ كما في الحديث الصحيح (الدين النصيحة ـ أي الاجتهاد والإخلاص وبذل الوسع والطاقة ـ لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم).

أي أن كل موضوعات السياسة وهي (السلطة والمجتمع) هي موضوع الدين ذاته (الدين النصيحة لأئمة المسلمين وعامتهم) وموضوع الشريعة التي تنتظم أحكامها كل تصرفات الإنسان والمجتمع والدولة!

3- خطاب الأنبياء السياسي لأممهم :

ومما يؤكد ما سبق بيانه من كون موضوع السياسة في المفهوم المعاصر هو موضوع الدين ذاته، أن القضية الرئيسة في خطاب الأنبياء لأممهم ومهمتهم هي الدعوة إلى الإصلاح في الأرض، وعدم الفساد، أي إصلاح أحوال مجتمعاتهم، كما قال شعيب لقومه {إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت}، وكما في قوله تعالى {ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها}، ولهذا نجد أن سورة الشعراء وحدها ذكرت كل المجالات السياسية التي جاء الأنبياء للإصلاح فيها، سواء على مستوى المجتمع أو السلطة والدولة ومن ذلك :

1 ـ بدأت السورة بقصة موسى وفرعون {وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين. قوم فرعون ألا يتقون ... وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل}..ألخ.

فالطغيان السياسي ومواجهته، وتحرير بني إسرائيل من ظلم فرعون وملئه، هي الأبرز في قصة موسى، كما في قوله تعالى {اذهب إلى فرعون إنه طغى}، وفي قوله تعالى {إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين. ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين. ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون}.

2 ـ ثم تحدثت السورة عن إبراهيم وقومه {واتل عليهم نبأ إبراهيم إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون...} وهذا في مجال إصلاح عقائد المجتمعات وتصوراتها وسلوكياتها، وهو موضوع سياسي بحسب المفهوم المعاصر لعلم السياسة، ولم تذكر السورة ولا سور القرآن الأخرى عقوبة لقوم إبراهيم بخلاف الأمم الأخرى، إذ قضية الشرك وحده، أمره إلى الله يحاسب عليه يوم القيامة، بخلاف الظلم والطغيان والفساد في الأرض!

3 ـ ثم ذكرت السورة قصة نوح وقومه وطغيانهم الاجتماعي، وظلم الملأ المستكبرين منهم للمستضعفين، كما في قولهم {أنؤمن لك واتبعك الأرذلون. قال وما علمي بما كانوا يعملون. إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون. وما أنا بطارد المؤمنين}!

4 ـ ثم ذكرت السورة قصة هود وقومه عاد، وطغيانهم المادي، وبطشهم، كما قال تعالى {كذبت عاد المرسلين... أتبنون بكل ريعة آية تعبثون. وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون. وإذا بطشتم بطشتم جبارين}!

5 ـ ثم ذكرت السورة قصة النبي صالح وقومه ثمود، وفسادهم في الأرض، حيث خاطبهم بقوله {أتتركون فيما ههنا آمنين. في جنات وعيون. وزروع ونخل طلعها هضيم. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين. فاتقوا الله وأطيعون. ولا تطيعوا أمر المسرفين. الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون}!

ولهذا وصف القرآن هذه الأمم (قوم فرعون وعاد وثمود) بالطغيان في سورة الفجر فقال (ألم تر كيف فعل ربك بعاد. إرم ذات العماد. التي لم يخلق مثلها في البلاد. وثمود الذين جابوا الصخر بالواد. وفرعون ذي الأوتاد. الذين طغوا في البلاد. فأكثروا فيها الفساد. فصب عليهم ربك سوط عذاب. إن ربك لبالمرصاد}!

فالطغيان والفساد في الأرض أبرز مظاهر أحوال تلك الأمم، وسبب عذابهم في الدنيا، بخلاف الشرك والكفر بالله، فقد توعد الله عليه في الآخرة.

6 ـ ثم ذكرت السورة قوم النبي لوط وفسادهم وفجورهم وطغيانهم الأخلاقي، فقال تعالى {كذبت قوم لوط المرسلين... أتأتون الذكران من العالمين. وتذرون ما خلق لكم ربكم من أزواجكم بل أنتم قوم عادون. قالوا لأن لم تنته يا لوط لتكونن من المخرجين}!

7 ـ ثم ذكرت السورة قصة النبي شعيب مع قومه، وطغيانهم الاقتصادي، {كذب أصحاب الأيكة المرسلين. إذ قال لهم شعيب ألا تتقون. إني لكم رسول أمين... أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين. وزنوا بالقسطاس المستقيم. ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض المفسدين}!

فالسورة في تناولها لكل هذه القضايا والمشكلات التي تعاني منها المجتمعات الإنسانية على مر التاريخ، أوضح دليل على حقيقة الأديان السماوية وغاياتها، وهو تحقيق الإصلاح في الأرض للفرد والمجتمع، والمنع من الطغيان والظلم، سواء كان طغيانا سياسيا، كطغيان قوم فرعون، أو طغيانا اجتماعيا كطغيان قوم نوح، أو طغيانا اقتصاديا، كطغيان قوم شعيب، أو طغيانا وانحرافا أخلاقيا سلوكيا، كطغيان قوم لوط، أو طغيانا ماديا وعسكريا كطغيان قوم عاد، أو انحرافا عقائديا، كانحراف قوم إبراهيم.

وكل هذه القضايا هي موضوعات السياسة بالمفهوم المعاصر للسياسة، بل إن كل الأنبياء كانوا يدعون أممهم إلى شيء واحد رئيسي وهو {اتقوا الله وأطيعوني}، كما قال تعالى عن الأنبياء جميعا {وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله}، وموضوع الطاعة هو بعينه موضوع (السلطة والدولة)، فالأنبياء إنما يدعون أممهم لطاعتهم واتباع شرائعهم وهديهم، والدول والحكومات تقوم لتفرض على الشعوب طاعتها والخضوع لقوانينها؟!

4- السياسة بالمفهوم الشرعي :

ومن الشبه التي يثيرها المخالفون قولهم بأن الشارع لم يستخدم أصلا لفظة سياسة بمعناها المعروف اليوم، وإنما كلمة ساس يسوس، إنما وردت بمعناها اللغوي، وهو من قولهم ساس الفرس يسوسها فهو سائس!

وهذا الاعتراض أوضح دليل على عدم معرفة هؤلاء بالسنة ولغة الشارع، فقد جاءت كلمة سياسة بمعناها الاصطلاحي اليوم على لسان الشارع في الحديث الصحيح في مسلم (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء كلما هلك نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي! فقالوا فما يكون يا رسول الله؟ فقال يكون خلفاء فيكثرون فأوفوا بيعة الأول فالأول)!

وقال عمر رضي الله - كما في مصنف ابن أبي شيبة - (علمت والله متى تهلك العرب! إذا ساسهم من لم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم، فيعرف الورع، أو يدرك الجاهلية فيأخذ بأحلامهم)، وفي رواية (حين يسوس أمورهم من لم يعالج الجاهلية، ولم يصحب النبي صلى الله عليه وسلم) !

وجاء عن علي رضي الله عنه قوله لزياد بن أبيه حين ولاه على فارس فتشدد في ولايته (إنه ليس لي ولا لك أن نسوس الناس سياسة واحدة، أن نلين جميعا فنحرج الناس في المعصية، ولا أن نشتد جميعا فنحمل الناس على المهالك، ولكن تكون للشدة والغلظة، وأكون للين والرحمة والرأفة)!

ففي الحديث النبوي وفي هذه الآثار الراشدية أوضح الأدلة على بطلان تلك الشبهة، فقد ثبت إطلاق كلمة سياسة على إدارة شئون الأمة، وعلى السلطة حيث كان الأنبياء هم ملوك بني إسرائيل الذين يسوسون أمورهم، ويحكمون بينهم بشرائعهم السماوية، وبما أنه لا نبي بعد محمد صلى الله عليه وسلم ليسوس أمته ويحكم فيها بالكتاب والسنة، فقد أخبرهم عن طبيعة النظام السياسي الإسلامي الذي سيقوم بعد عهد النبوة، وهو الخلافة، وهي نيابة عن النبي صلى الله عليه وسلم ورئاسة عامة باختيار الأمة لسياسة شئون الأمة وفق أحكام الكتاب والسنة.

وقد استخدم الشارع، والخلفاء الراشدون بعده، لفظ سياسة في المدلول ذاته لهذه الكلمة في المفهوم المعاصر، وهو إدارة شئون الأمة، وموضوعها السلطة والحكم، وليس بمعناها الفقهي عند الفقهاء قديما، حيث قصروا كلمة سياسة على فرد من أفراد هذه الكلمة، وجزء من أجزائها، وهو الحزم وحسن التصرف في الولاية، بينما أطلقوا على موضوعها الأصلي (أحكام الإمامة) و(الأحكام السلطانية)!

أي أن السياسة بمعناها الفقهي اصطلاح عرفي حادث، أما السياسة بمعناها المعاصر فهي اصطلاح شرعي، حيث استعملها الشارع بمعنى السلطة والحكم!

وقد جاء في آيات كثيرة أن الله آتى الأنبياء الملك والحكم والنبوة لتأكيد هذا الأصل العظيم، وهو أن الله إنما أرسل أنبياءه ليطيعهم الناس، ويحتكم إليهم من آمن بهم، وهذه الطاعة تقتضي الحكم بينهم بشرع الله ودينه، أي أن تكون لهم السلطة للحكم بين الناس بالعدل، كما قال تعالى {وما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة ثم يقول للناس كونوا عبادا لي من دون الله ولكن كونوا ربانيين}، وقال تعالى في شأن أنبيائه {أولئك الذين آتيناهم الكتاب والحكم والنبوة}، وقال تعالى {ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة}، وقال {ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبيهم لهم ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل الله... وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا}.

وقال في شأن داود {وقتل داود جالوت وآتاه الله الملك والحكمة والنبوة}..الخ.

وقال أيضا في شأن داود {يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله}.

فكل هذه الآيات تؤكد التلازم بين كل من :

أولا: الكتاب وهو الشرع المنزل من عند الله ليحكم به النبيون.

وثانيا: الملك وهو السلطة السياسية التي يسوس بها الأنبياء شئون أممهم كما في شأن داود وطالوت.

وثالثا : الحكم وهو القضاء والفصل بين الخلق بالحق الذي نزل به الكتاب!

والملك الوارد هنا في شأن طالوت وداود وغيرهم من أنبياء بني إسرائيل هو الملك المشروع، وهو السلطة المأذون لهم بها من الله بالوحي والنبوة، كما قال مجاهد في تفسير قوله تعالى {والله يؤتي ملكه من يشاء} قال (الملك السلطان)!

وقال ابن جرير الطبري في تفسيره 15/159 (الملك سلطان، والطاعة ملك)!

ولهذا أطلق القرآن على داود لفظ {خليفة} وحدد مهمته {فاحكم بين الناس بالحق}!

فالخلافة هي السلطة للحكم بين الخلق بالحق!

أي أن القرآن ذكر في كل الآيات السابقة السلطات الثلاث وهي:

1 ـ السلطة التشريعية: وتتمثل في الكتاب وهو الدستور والقانون.

2 ـ السلطة التنفيذية: وتتمثل في الخلافة والملك أي السلطة.

3 ـ السلطة القضائية : وتتمثل في الحكم بين الناس.

وكل ذلك يؤكد بطلان الشبه حول عدم تحدث القرآن عن أصول السياسة وأنه ليس له هديات في هذا الباب!


بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1438 هـ