الإثنين 1439/01/05 هـ
الأخبار ||

مواضيع ذات صلة

الرسالة الخامسة .. الأصول الإيمانية القرآنية للسياسية الشرعية

الرسالة الخامسة .. الأصول الإيمانية القرآنية للسياسية الشرعية
4/25/2013 2:29:17 AM
الرسالة الخامسة .. الأصول الإيمانية القرآنية للسياسية الشرعية

الرسالة الخامسة

الأصول الإيمانية القرآنية

للسياسية الشرعية

أصول الخطاب السياسي القرآني :

تعريف أصول الخطاب السياسي:

والمقصود بأصول الخطاب القرآني على وجه الخصوص الأصول العقائدية الإيمانية، التي يقوم عليها النظام السياسي للدولة الإسلامية، والتي لا يمكن فهم الأصول العملية السياسية التشريعية، دون فهم هذه الأصول الإيمانية العقائدية، التي دعا إليها الخطاب القرآني المكي، قبل قيام الدولة النبوية في العهد المدني، ومع وضوح هذه الأصول العقائدية في القرآن، إلا أنها لم تعد كذلك في ثقافة المسلمين اليوم، بعد أن طمست معالمها بالتأويل والتحريف المعنوي لدلالتها، من أجل ترسيخ الخطاب المؤول والمبدل الذي يحكم واقع الأمة اليوم، بأنظمته الاستبدادية الفرعونية والقيصرية على اختلاف أشكالها وأنواعها، الملكية، والعسكرية، والجمهورية، هذا الواقع الذي لا يمكن تغييره إلا بالعودة إلى الخطاب القرآني، وفهمه فهما صحيحا، ليحدث من التأثير والأثر الخطير، كالذي أحدثه في العالم يوم نزوله، حتى غير مجرى التاريخ الإنساني كله، يوم أن كانت دلالاته ومعانيه، غضة طرية كألفاظه ومبانيه، قبل أن تعدي عليها عوادي التأويل، والجدل والتبديل!

وبالاستقراء والتتبع نجد أن أهم أصول الخطاب القرآني في هذا الباب، قد عالجت الإشكاليات الكبيرة، وأجابت عن الأسئلة الخطيرة، التي طالما حاول الإنسان معرفة الحق فيها، والوصول إلى كنهها، وهي:

ما أصل هذا الوجود؟

وما أصل الإنسان؟

وما طبيعة العلاقة بين أفراد المجتمع الإنساني؟

وما لهم من حقوق؟

وما عليهم من واجبات؟

ومن يحق له تحديد ذلك بينهم؟

وبأي حق يحكمهم؟

وعلى أي أساس يخضعون له ويطيعونه؟

وما الموقف من اختلاف عقائد الناس ومللهم ونحلهم، الذي طالما كان الاختلاف فيها سبب حروبهم وبؤسهم وشقائهم؟

وما الموقف من السلطة التي طالما دار الصراع في المجتمعات حول الوصول إليها، والسيطرة عليها؟

وما الموقف من الثروة والمال؟

ومن يحق له تقسيمهما؟

وكيف يتم توزيعهما؟

وما الحقوق الاجتماعية فيهما؟

إنها القضايا الرئيسة الأربعة (الإنسان ـ الدين ـ السلطة ـ الثروة)، التي طالما دارت الحروب وحدث الصراع في المجتمعات الإنسانية بسببها، وبسبب الموقف منها، وما زال الصراع حولها قائما، فالشيوعية، والرأسمالية، والاشتراكية، والليبرالية، والقومية، والفاشية، والنازية، وكل الفلسفات الوضعية السياسية، ما هي إلا نتاج تلك الأسئلة الخطيرة، والمشكلات الإنسانية الكبيرة، حيث حاولت معالجة قضية الإنسان والسلطة والثروة والدين، ولا يتصور ألا يكون للقرآن هداياته السماوية في هذه القضايا الرئيسة، ولا يتصور أن يكون القرآن كتاب هداية للخلق كافة، وكتاب رحمة وهدى ونور، كما وصفه الله عز وجل (كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم)([1])، وكما قال تعالى(ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين)([2])، وقال سبحانه(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)([3])، ثم لا يكون له نظام حياة، يحقق للإنسانية ما تتطلع إليه من عدل وحرية ومساواة، ويهديها إلى الحق في هذه المشكلات التي تعاني منها البشرية أشد العناء!

وقد تجلت أبرز أصول هدايات الخطاب القرآني في هذا الباب في الأصول التالية:

الأصل الأول:توحيد الله جل جلاله:

وهذا هو أصل الأصول في الخطاب القرآني، وقد جعل شعاره كلمة التوحيد(لا إله إلا الله)، وذلك باعتقاد وحدانيته، سبحانه وتعالى، لا شريك له، في الخلق، والملك، والسيادة، والحكم، والطاعة، والعبادة، كما قال تعالى(فاعلم أنه لا إله إلا الله)([4]).

فتوحيد الله وحده لا شريك له في كل ما أوجب إفراده به هو أول واجب على الخلق كافة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن ـ وكان فيها يهود ونصارى ـ (إنك تقدم على قوم أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يوحدوا الله تعالى ـ فإذا عرفوا ذلك ـ وفي رواية فإن هم أطاعوا لذلك ـ فأخبرهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإذا صلوا، فأخبرهم أن الله افترض عليهم زكاة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك، فخذ منهم، واتق كرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب).([5])

وهذا الربط الوثيق بين توحيد الله ودفع الزكاة للفقراء وتجنب الظلم أوضح دليل على معنى التوحيد ومعرفة مقاصده، إذ دفع الأموال والضرائب لا يكون عادة إلا بعد الإقرار بالطاعة للجهة التي تأمر بدفعها أو جبايتها، وهم الملوك والرؤساء عادة، فكان أول واجب يدعوهم إليه هو توحيد الله وإفراده بالطاعة ـ التي هي أبرز مظاهر العبودية ـ له وحده لا شريك له، فلا طاعة للأحبار ولا للرهبان ولا للملوك الذين صاروا أربابا من دون الله، يتحكمون في عباده ويخضوعنهم لطاعتهم، ويجبون أموالهم ليزداد الملوك والملأ بها ترفا وبطرا وطغيانا على حساب الفقراء والمستضعفين.

كما أن في ذكر دفع الزكاة للفقراء ورفع الظلم عن الضعفاء بعد توحيد الله، بيانا لمقاصد التوحيد وغاياته، وهو تحرير الخلق، وتحقيق العدل، ونصرة المستضعفين، ورفع الظلم عنهم، الذي طالما مارسه عليهم الجبابرة والطغاة، الذين نازعوا الله في ملكه وخلقه وعباده.

وقال صلى الله عليه وسلم:(من وحد الله، وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله، ودمه، وحسابه على الله)، وفي رواية(من قال لا إله إلا الله، وكفر بما يعبد من دون الله...).([6])

وقوله (وكفر بما يعبد من دون الله)يشمل الكفر بكل معبود غير الله، سواء كانوا ملوكا وأوثانا، أو أحبارا ورهبانا، إذ أن طاعتهم عبادة لهم واتخاذهم أربابا من دون الله كما سيأتي بيانه.

فحقيقة التوحيد إفراد الله وحده لا شريك له فيما يجب له وذلك باعتقاد وحدانيته في:

1-الخالقية كقوله(ألا له الخلق والأمر)([7]) أي ليس لغيره معه خلق ولا أمر، وكقوله(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو)([8]).

2-والربوبية كقوله(رب العالمين)([9])وقوله(رب الناس)([10])، وقوله(أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء)([11]).

3-والألوهية كقوله(الله لا إله إلا هو)([12]).

4-وصفات الكمال وأسماء الجلال كقوله(ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه)([13]).

5-والملك كقوله(ذلكم الله ربكم له الملك لا إله إلا هو فأنى تصرفون)([14])، وقوله(ملك الناس.إله الناس)([15])، فكما لا إله للناس إلا الله، فليس لهم ملك سواه.

6-والحكم كقوله(إن الحكم إلا لله)([16])، وقوله(وله الحكم)([17])أي ليس لغيره.

7-والطاعة كقوله(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)([18])أي بأمر الله وحده لا شريك له.

8-والعبادة كقوله(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)([19])، وكقوله(فإياي فاعبدون)([20]).

9-والرهبة والخشية والخوف كقوله(وإياي فارهبون)([21])، وتقديم المفعول يفيد القصر والحصر، أي لا ترهبون أحدا إلا أنا، وكقوله(إنما هو إله واحد فإياي فارهبون)([22])، وكقوله(فلا تخشوا الناس واخشوني)([23])، وكقوله في أبرز صفات الموحدين المؤمنين(ولا يخشون أحدا إلا الله)([24])، وكقوله في صفات أهل الإيمان(من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله)([25]).

إلى غير ذلك من صور التوحيد ومعانيه مما أوجب الله على عباده إفراده بها، وحرم عليهم الإشراك به فيها، كقوله في العبادة(ولا يشرك بعبادة ربه أحدا) ([26])، وقوله في الحكم(ولا يشرك في حكمه أحدا)([27])، وقوله في التشريع(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)([28])، وقوله في الملك(لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك)([29])، وفي الطاعة كقوله(وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)([30]).

فكما أوجب توحيده بكل ما سبق، فق حرم كذلك الإشراك به في كل ما سبق.

معنى (إله) و(ألوهية) في الخطاب القرآني:

وقد جاء بيان هذه اللفظة التي عليها مدار كلمة التوحيد نفيا (لا إله)، وإثباتا (إلا الله)، في آيات كثيرة قطعية في دلالاتها، ومن ذلك إطلاقه على:

1- المعبود من دون الله سواء كان حجرا أو بشرا، كما في قوله تعالى(قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)([31])، وقوله(ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه)([32])، وقوله(وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) ([33])، وقال مشركو العرب حين تصدوا لدعوة التوحيد(أجعل الآلهة إلها واحدا)([34]).

2- المتبوع من دون الله، سواء كان ملكا أو عالما أو هوى، كما في قوله تعالى(اتبع ما أوحي إليك من ربك لا إله إلا هو وأعرض عن المشركين)([35])، أي المتبعين غيره، وكما في قوله(اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء)([36])، وقوله(وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء)([37])، فجعل كل متبوع من دون الله شريكا وتابعه مشركا، وقوله(إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا ورأوا العذاب وتقطعت بهم الأسباب)([38])، وقوله(وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد)([39])، والجبار في لغة العرب الملك والطاغية، وكما في قوله(فاتبعوا أمر فرعون وما أمر فرعون برشيد)([40])، وقوله(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)([41])، وقوله(واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا)([42])، وقد صرح القرآن بأن المتبوع من دون الله إله من دون الله عند من اتخذه متبوعا، كما في قوله تعالى(أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا)([43])، وقوله(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم)([44])، فسمى القرآن الهوى إلها، وذلك حين يتبع الإنسان هواه ليجعل من نفسه إلها من دون الله.

3- المطاع من دون الله، كما قال تعالى(ولا تأكلوا مما لم يذكر سم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)([45])، والشرك نقيض التوحيد، والشياطين هنا هم شياطين البشر الذين يجادلون عن الباطل من الرؤساء والعلماء، فدل على وجوب إفراد الله وحده بالطاعة، وقال سبحانه(وقالوا ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)([46])، وقال أيضا في بيان أن الغاية من إرسال الرسل أن تكون الطاعة لله وحده وبإذنه وأمره(وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)([47])، فالطاعة للرسول إنما وجبت لكونها طاعة لله، إذ الرسول هو المبلغ عن الله، كما قال تعالى(من يطع الرسول فقد أطاع الله)([48])، والفرق بين الطاعة والاتباع أن الطاعة تكون عادة من أدنى لأعلى، كما تقتضي وجود أمر ونهي من الأعلى للأدنى، كطاعة الناس للملوك، بينما الاتباع أعم من ذلك، فقد يكون بلا أمر ولا سلطة، كاتباع رجال الدين، واتباع الهوى، واتباع الشهوات، واتباع خطوات الشيطان.

4- المتحاكم إليه من دون الله، كما قال تعالى(أفغير الله أبتغي حكما وهو الذي أنزل إليكم الكتاب مفصلا)([49])، وقوله(إن الحكم إلا لله)([50])، وقوله(يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)([51])، وقال أيضا(ولا يشرك في حكمه أحدا)([52])، وفي قراءة سبعية (ولا تشرك في حكمه أحدا).

ومما يؤكد أن (إله) تطلق على كل من تبذل له الطاعة من دون الله قوله تعالى في قصة فرعون(وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري)([53])، وقال لموسى(قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)([54])، وإنما أراد فرعون من موسى وبني إسرائيل طاعته وعدم الخروج عن سلطته، فكانت تلك هي الألوهية التي أرادها لنفسه، وهي الربوبية التي ادعاها في قوله(أنا ربكم الأعلى)، أي السيد والملك الذي لي الطاعة عليكم، وهذه هي العبودية التي كان فيها بنو إسرائيل كما في قول الملأ من قوم فرعون(فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون)([55])، أي خاضعون طائعون لا يخرجون عن سلطتنا.

ويؤيد ذلك قراءة(قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك)([56])، فقد كان لفرعون آلهة يعبدها هو وقومه، فدل ذلك على أنه إنما كانت الألوهية التي ادعاها فرعون لنفسه والربوبية التي انتحلها هي اتباع أمره، وطاعته وعدم الخروج عن سلطته.

قال ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية(يقول تعالى ذكره:فقال فرعون وملؤه{أنؤمن لبشرين مثلنا}فنتبعها {وقومهما} من بني إسرائيل {لنا عابدون} يعنون أنهم لهم مطيعون متذللون، يأتمرون لأمرهم، ويدينون لهم، والعرب تسمي كل من دان لملك عابدا له، ومن ذلك قيل لأهل الحيرة:العباد لأنهم كانوا أهل طاعة لملوك العجم).

فهذا نص صريح يكشف معنى العبادة والعبودية في لغة العرب، وأن كل من دان لملك وأطاعه فقد عبده وصار عبدا له، فجاء الإسلام بالتوحيد وعبادة الله وحده، والكفر بعبادة كل ما سواه، ومن ذلك طاعة الملوك والرؤساء ورجال الدين.

الفرق بين كلمة (إله) وكلمة (رب):

ولفظ (إله) و(رب) إذا اجتمعتا في السياق افترقتا في المعنى، فكان لكل منهما معنى أخص به، كقوله سبحانه(قل أعوذ برب الناس.ملك الناس.إله الناس)، فالرب هو السيد الذي له الأمر والسيادة، والملك هو الذي له الملك والحكم والطاعة، والإله هو الذي له الدعاء والعبادة.

وإذا افترقتا في السياق اجتمعتا في المعنى، كقول فرعون(أنا ربكم الأعلى)، وهذا بمعنى قوله(ما علمت لكم من إله غيري)، فكل من تبذل له الطاعة والخضوع من دون الله فهو رب وإله عند من خضع له وأطاعه، وهذا كقوله تعالى في شأن طاعة أهل الكتاب لرجال الدين (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)([57])، وكقوله على لسان يوسف (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار)([58])، وكقوله(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)([59])، وكقوله(ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون)([60])، فسمى الله كل ما يعبد من دونه، أو يدعى من دونه، أو يطاع من دونه، أو يتبع من دونه ربا وإلها، وكل من فعل ذلك فقد أشرك بالله في ربوبيته وألوهيته.

وبهذا جاءت كلمة التوحيد لتنفي كل صور الألوهية، وكل صور الربوبية، عن كل من سوى الله جل جلاله، من بشر أو حجر، ولتبطل كل صور العبودية لغير الله من عبادة أو طاعة أو اتباع أو تحاكم، ولتفرد الله وحده بذلك كله لا إله إلا هو، بل ولتوحده أيضا بكل نعوت الكمال وصفات الجمال وأسماء الجلال التي تتعلق بذلك كله ـ كما سيأتي بيانه ـ ليقطع الطريق على كل صورك الشرك والوثنية والجاهلية.

وقد أكثر القرآن من تقرير وحدانية الله في الخلق، والملك، والحكم، والطاعة، والسيادة، والعبادة، لبيان بطلان منازعة الملوك والطغاة له في شيء من خلقه، لشيوع هذا الشرك في المجتمعات الإنسانية كافة، فقد كان من أبرز صور الشرك وأظهرها، منازعة ملوك الأرض له في ربوبيته، واستعبادهم خلقه، ولهذا افتتح الله القرآن بقوله سبحانه(الحمد لله رب العالمين.الرحمن الرحيم.ملك يوم الدين.إياك نعبد وإياك نستعين).([61])

فتضمنت هذه الآيات تأكيد وحدانية الله في ربوبيته للعالمين كافة، وأنه وحده ربهم وسيدهم، لا رب لهم سواه، ولا مالك لهم غيره، لكونه خالقهم ورازقهم، ومحييهم ومميتهم، وهو الملك الذي سيحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم يوم الدين والجزاء، وليس أحد سواه، فملوك الأرض عبيده، ليس لهم من الملك معه شيء، ولهذا أوجب على عباده أن يعبدوه وحده، وأن يستعينوا به وحده، فلا يعبدوا الملوك، ولا يتذللوا لهم، لأنهم بشر مثلهم، لا يستطيعون نفعا ولا ضرا، ولا خيرا ولا شرا، إلا ما شاء الله وحده.

كما ختم الله القرآن بقوله تعالى(قل أعوذ برب الناس.ملك الناس.إله الناس) ([62])، ليؤكد الحقيقة نفسها التي افتتح بها كتابه، فهو رب الناس وسيدهم الذي تجب له الطاعة وحده، وهو ملك الناس الذي له الملك والحكم وحده، وهو إله الناس الذي تجب له العبادة وحده، وليجيب عن أول سؤال مشكل تواجهه المجتمعات الإنسانية كلها منذ وجدت:فمن رب الناس وسيدهم الذي له حق الطاعة عليهم؟ومن ملك الناس الذي له حق الحكم بينهم؟ومن إله الناس الذي له حق العبادة والتذلل والخشية والرهبة والرغبة؟

وإنما أكد القرآن هذه الحقائق الثلاث لكون الشرك فيها أظهر، والنزاع فيها أشهر، وآثارها على الإنسانية أشد وأخطر، خاصة في جاهلية الأمم الأخرى من غير العرب كالفرس والروم.

ولقد كان وما زال الشرك في الربوبية يتمثل في طائفتين:

الطائفة الأولى:الملوك الذين يدّعون ملك الناس، ويدعون حق الطاعة عليهم، لما لهم من سلطان الدنيوي مادي، كما قال فرعون مصر لقومه(أنا ربكم الأعلى) ([63])، وكما قال نمرود العراق حين(حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت)([64]).

وكل ملوك الأرض ينازعون الله في هذا الحق بلسان الحال، أو صريح المقال!

والطائفة الثانية:رجال الدين من الأحبار والرهبان، وعلماء السوء وسدنة السلطان والصولجان، في كل ملة ونحلة، الذين يوجبون على الخلق طاعتهم، واتباعهم، ويصدرون صكوك الحرمان في حق من خالفهم، لما لهم من سلطان روحي معنوي، كما قال تعالى في شأنهم (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)([65]).

ولطالما تحالف الفريقان في كل زمان ومكان، فرعون وهامان، والقيصر والرهبان، وكسرى والموبذان، وجاء أخيرا على سننهم المفتي والسلطان!

لقد جاء الإسلام ليبطل ربوبية الملوك، وربوبية رجال الدين، ويقيم للناس الحنيفية السمحة، ويعطل الوثنية ورسومها، ويبطل جاهليتها وعلومها، فلا إله إلا الله، ولا رب غيره، ولا ملك سواه.

ومع وضوح هذه الحقائق إلا إن المجتمعات الإنسانية ظلت تعيش ـ وما زالت ـ هذه الوثنية في عبوديتها للملوك والطغاة، بل هي أشد فتنة تحول بين المسلمين اليوم والعودة إلى دينهم وتوحيد الله وطاعته وحده لا شريك له، دع عنك الأمم الأخرى!

الفرعونية السياسية وظاهرها:

لقد ضرب القرآن المثل بفرعون في طغيانه السياسي واستبداده، ومنازعته الله في الملك، والربوبية، والإلهية، فقال الله لموسى (اذهب إلى فرعون إنه طغى)([66])، ولقد تجلى طغيان فرعون فيما يلي:

1ـ في ادعائه حق السيادة المطلقة على قومه (أنا ربكم الأعلى)([67]).

2ـ وادعائه ملك الأرض في مصر(قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي) ([68]).

3ـ وفي ادعائه حق الطاعة والخضوع له(وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري)([69]).

4ـ وفي علوه في الأرض، واستضعافه للخلق، وظلمه لهم وتقسيمه الناس على طبقات(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين) ([70]).

5ـ وفي استعباده لبني إسرائيل، كما قال تعالى(فاستكبروا وكانوا قوما عالين.فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون)([71]).

لقد كان بنو إسرائيل على دين آبائهم يعقوب وإسحاق وإبراهيم، ولم يكونوا يعبدون فرعون بالمعنى الاصطلاحي للعبادة، إلا إنهم لما كانوا مستضعفين تحت سلطانه وقهره صدق عليهم أنهم عبيد له، وقد بعث الله موسى لتحريرهم من عبوديتهم لفرعون، وطاعتهم له، ليعبدوا الله وحده لا شريك له.

وفي قصة موسى مع فرعون بيان لقدرة الله وكمال ربوبيته، حيث قدر سبحانه لموسى أن يحيا في بيت فرعون، وتحت سلطانه، ليبطل دعواه فيما ادعاه من أنه ربهم الأعلى، وأنه له ملك مصر، أوأنه ينفع أو يضر!

لقد كانت عبودية الشعوب للملوك والطغاة ومازالت أبرز مظاهر الانحراف في المجتمعات الإنسانية، فقد جمع الملوك مع دعواهم الملك في الأرض بغير حق، إدعاء السيادة على الخلق، وادعاء حق الطاعة المطلقة، وتعبيد الخلق لهم ترهيبا وترغيبا، وكل ذلك منازعة لله في أخص خصائص ربوبيته، كما قال تعالى عن نفسه (لا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون).([72])

وهذا بعينه هو حق السيادة الذي يدعيه الملوك الطغاة، والرؤساء العتاة، وهو تنفيذ أمرهم، دون مراجعة لهم، ودون نقد لذواتهم المصونة!

كما أوجب سبحانه أن تكون الرهبة والرغبة منه وإليه وحده، لا من الملوك والطغاة، كما قال تعالى لموسى وهارون حين قال (اذهبا إلى فرعون إنه طغى، فقولا له قولا لينا، لعله يتذكر أو يخشى، قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى، قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى) ([73]).

فلم يأذن الله لعباده بالخوف من غيره، حتى ولو كان ذلك الخوف الخوف البشري غير الإرادي([74])، كما قال تعالى في شأن موسى حين رأى ما جمع له فرعون من السحرة(فأوجس في نفسه خيفة موسى قلنا لا تخف إنك أنت الأعلى)([75]).

فقد أمر الله عباده بالخوف منه وحده، فهو الذي يملك وحده النفع والضر، ويقدر الخير والشر، كما في قوله تعالى مخاطبا المؤمنين حين بلغهم نبأ ما جمع المشركون لهم فقال سبحانه(ولا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين)([76])، وقال تعالى (فلا تخشوهم واخشوني)([77])، وقال أيضا(فلا تخشوا الناس واخشون)([78])، وقال تعالى(وإياي فارهبون)([79])، وقال أيضا(وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون).([80])

وكل ذلك دعوة إلى توحيد الله وإفراده وحده بالخشية، وتحرير النفس البشرية، من كل صور الخوف من غير الله، بإفراد الله وحده بالخوف والرهبة، التي ينازعه فيها ملوك الأرض وطغاتهم، ليستعبدوا عباده بسياطهم وسجونهم، وجلاوزتهم وعيونهم، وما يخترعونه من وسائل التعذيب لتثبيت سلطانهم، وفرض طغيانهم، وهو ما جاء القرآن لهدمه كله، وتأكيد بطلانه وأنه من الشرك بالله.

ولا يتصور أن يتصدى القرآن لشرك الأوثان، ويتجاوز أشد مظاهر الشرك خطرا، وأبلغها أثرا في واقع حياة المجتمعات الإنسانية، المتمثل في تأله الملوك والطغاة، واستعبادهم الخلق ظلما وعلوا، وإخضاع الناس لطاعتهم، واستعبادهم بسلطتهم، ومنازعة الله في الملك، والطاعة، والحكم، والسيادة، والربوبية، تلك المظاهر التي هي سبب شقاء المجتمعات البشرية!

شرك العرب الاختياري وشرك الأمم الإجباري:

لقد كان شرك العرب في جاهليتهم أهون من شرك الأمم الأخرى، إذ كانت عبوديتهم للأوثان الحجرية عبودية اختيارية، فكانوا إذا جاعوا أكلوها، ولم يكن لهم ملوك ولا طغاة يستعبدوهم أويذلونهم، بينما كانت عبودية الأمم المجاورة لهم عبودية قهرية جبرية للملوك من القياصرة والأكاسرة، ولهذا كان العرب أكثر استعدادا من غيرهم لحمل الرسالة الخالدة، إن هم تخلصوا من الأوهام وعبادة الأوثان، وكانوا أقدر على نشر التوحيد في الأرض، ومواجهة الآلهة البشرية، التي هي أشد خطرا من الأحجار والأشجار التي كان العرب يعبدونها باختيارهم، ظنا منهم أنها تنفعهم وتضرهم، فما إن أدركوا أنهم ليسوا على شيء، وأنهم أسرى الوهم والخرافة، حتى هدموا أصنامهم بأيديهم، فإذا هم قد أصبحوا أحرارا موحدين، وتوجهوا من فورهم يحملون رسالة الله رب العالمين إلى الأمم كافة، ليحرروا الأمم المستضعفة من جور الملوك الطغاة، والجبابرة العتاة، كما قال ربعي بن عامر لرستم قائد جيوش كسرى، حين سأله ما جاء بكم؟ فقال له ربعي:(إن الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، ومن جور الأديان إلى عدل الإسلام)([81])، تلك الغاية التي لخصها زهرة الجشمي لرستم حين سأله عن الرسالة التي يحملونها للناس فقال له زهرة:(شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والناس بنو آدم وحواء، أخوة لأب وأم، وأنكم إن أسلمتم كان لكم ما لنا وعليكم ما علينا، ولا ندخل أرضكم إلا لتجارة، أو لحاجة).([82])

لقد كان تحرير الشعوب من عبادة الملوك، هي المهمة الأشد خطرا، فالأوثان البشرية ليست كالأوثان الحجرية التي يسهل التخلص من عبادتها وعبوديتها، فالأوثان البشرية تقاتل بجيوشها، وبقوة سلطانها وعروشها، وبرجال دينها، كل من يريد الخروج عن طاعتها وسلطتها!

لقد عبر زهرة الجشمي بأزجز عبارة وأوضحها عن مضامين الرسالة السماوية المحمدية وهي تحرير الخلق من عبادة الملوك وطاعتهم، وتأكيد المساواة والأخوة الإنسانية بينهم.

لقد كان صلى الله عليه وسلم الرحمة المهداة للعالمين، كما قال تعالى عنه(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ([83])، بينما كان قيصر وكسرى رمزا للظلم وشعارا للطغيان، الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم لهدم عروشه، وتحطيم جبروته، وتعطيل سلطانه، وتحرير المضطهدين من طغيانه، لتكون الربوبية كلها لله وحده، والملك كله له وحده، والحكم كله له وحده، فالأرض أرضه، والخلق خلقه، والناس جميعا أخوة، لا يبغي أحد منهم على أحد، ولا يطغى منهم أحد على أحد، من آمن به ومن كفر، كما قال تعالى(فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)([84]).

لقد جرد الله جل جلاله الملوك والطغاة وسلبهم كل صور السلطة وأشكالها، تجريدا كاملا، وسلبا شاملا، فليس لهم معه ملك، ولا حكم، ولا سيادة، ولا طاعة، فالأرض له، والخلق عياله، فهو خالقهم، وملكهم، وربهم، وسيدهم، وحاكمهم، لا إله إلا هو وحده لا شريك له، فقال جل جلاله على لسان نبيه(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو).([85])

وتأمل هذه الآية وحدها كاف في بيان مضمون هذا الإعلان السماوي وهو أنه رسول للعالم كله من الله الذي له الملك كله، فلا ملك غيره، ولا إله سواه!

لقد جاء تقرير هذه الحقائق في القرآن على نحو يقطع الطريق على من يريد التأويل أو التحريف، فكانت آيات هذا الباب من محكمات القرآن، حيث جاءت آيات وحدانيته في الخلق، والملك، والحكم، والربوبية، والسيادة، والطاعة، والعبادة، والدعوة إلى توحيده في ذلك كله، في أوضح بيان على النحو التالي:

1- توحيد الله في الخلق:

والخلق هو إيجاد الأشياء، وتكوينها من العدم، وتقديرها في عالم الوجود، وقد جاء إثبات هذه الوحدانية وتقريرها على نحو قاطع ومن ذلك:

أولا: إثبات أنه خالق كل شي، كما قال تعالى(الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل) ([86])، وقال(ذلكم الله ربكم خالق كل شيء لا إله إلا هو)([87]).

ففي هذه الآية جمع الله بين توحيده في الخلق، فهو خالق كل شي فلا خالق إلا هو، وتوحيده في الربوبية والسيادة، فهو ربكم، فليس لكم رب سواه، وهو ما يقتضي أن تكون الطاعة له وحده، وكذا توحيده في الإلهية، فلا إله غيره يستحق العبادة، والدعاء، والرغبة، والرهبة.

وقال أيضا(ذلكم الله ربكم لا إله إلا هو خالق كل شيء فاعبدوه)([88])، فقرر وحدانيته في الربوبية (ربكم)، ووحدانيته في الخالقية (خالق كل شيء)، ووحدانيته في الإلهية (لا إله إلا هو).

ثانيا:قرر أن له الخلق وحده، كما له الأمر وحده، فقال سبحانه (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين) ([89]).

فقرر هنا أن الخلق له، وهذا يقتضي أن يكون الأمر له أيضا، لكونه رب العالمين الذي لا رب لهم سواه، فهو الذي خلقهم، وهو الذي يأمرهم وينهاهم، وليس ملوك الأرض وجبابرتهم، إذ لا حق لهم في شيء من ذلك، بل دعواهم في الربوبية والسيادة زائفة كاذبة، بل الله وحده رب العالمين جميعا.

ولقد كرر القرآن هذا التقرير في كل سورة من سور القرآن، ليكشف طبيعة الإشكالية، التي تعيشها المجتمعات البشرية، التي جاء الرسل ليخرجوها من الظلمات إلى النور، وليخلصوها بالعدل من الطغيان والجور، وكان من أكبر أسباب شقائها، تجبر الطغاة، وادعاؤهم الملك، وسفكهم الدماء من أجل السيطرة على الخلق، وإخضاعهم لطاعتهم، بالسلطان المادي للملوك، والسلطان الروحي المعنوي لرجال الدين، فجاء القرآن ليبطل ذلك كله بإثبات أن الله هو الخالق، وأنه خالق كل شيء، وأن له الخلق والأمر، وهو الذي خلق السموات والأرض، وخلق الخلق كافة، فبأي حق يملكهم الملوك، وبأي حق يظلمونهم، وبأي سلطان يستعبدونهم، وبأي حق يتصرفون بهم، بلا إذن منه جل جلاله، وهو ما قرره فيما سيأتي من الدعوة إلى توحيده في الملك.

2- توحيد الله في الملك:

وإذا تقرر كون الله جل جلاله خالق كل شيء، فيجب بداهة اعتقاد كونه الملك والمالك لمخلوقاته وحده لا شريك له، فمن له الخلق له كذلك الملك، والملك هو الاستبداد بالشيء والتصرف فيه، قال في لسان العرب:(الملك هو الله تعالى وتقدس، ملك الملوك، وله الملك، وهو مليك الخلق وربهم ...قال ابن سيده:المُلك احتواء الشيء، والقدرة على الاستبداد به)، ومعلوم أنه لا ينازع الله في ذلك إلا ملوك الأرض، فكل ما جاء في القرآن من آيات في هذا الباب إنما هي لهدم دعواهم، وكشف بطلانها، وجاء تقرير وحدانية الله في الملك على النحو التالي:

أولا:إثبات أن الله هو الملك الحق:وذلك في آيات كثيرة منها:

1ـ قوله تعالى (فتعالى الله الملك الحق) ([90]).

2ـ وقوله أيضا(فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش العظيم)([91])، فهو وحده جل جلاله الملك الحق، وكل ملك سواه هو ملك بالباطل، وقد أكد ذلك بقوله(رب العرش العظيم)، لبيان بطلان العروش الزائفة لملوك الأرض.

3ـ وأنه سبحانه(ملك يوم الدين) ([92])، فهو ملك يوم الجزاء، وملك الدار الآخرة، كما له ملك الدنيا.

4ـ وأنه ملك الناس(رب الناس.ملك الناس)([93])، فليس لهم ملك يستحق أن يخضعوا له سوى الله، وهذا إعلان سماوي إلهي بتحرير البشرية كلها من سلطان الملوك الزائفة التي تملك عباده، وتسيطر عليهم، وتستعبدهم، ظلما وعدوانا بلا إذن منه.

5ـ وأنه جل جلاله(يسبح له ما في السماوات وما في الأرض الملك القدوس)([94]).

6ـ وأنه سبحانه(هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون) ([95]).

فالله هو الملك الحق، وهو ملك الناس، وكل ملك سواه باطل، وتعالى الله عن أن يكون معه ملك ينازعه في الملك، والسيادة، أو ينازعه في حق الطاعة له على عباده، بل ذلك كله من الشرك (سبحان الله عما يشركون)، وجاء في الحديث الصحيح لما حكم سعد بن معاذ في شأن بني قريضة قال صلى الله عليه وسلم(لقد حكمت أو قضيت فيهم بحكم الله)وفي رواية(بحكم الملك)([96])، ليؤكد أن لا ملك إلا الله، ولا حكم إلا حكمه.

وإنما ينازع الله تعالى في هذا كله ملوك الأرض، ولهذا جاء في الحديث الصحيح قال الله تعالى(الكبرياء ردائي، والعزة إزاري، فمن نازعني فيهما أدخلته النار)، وفي لفظ :(العز إزاري، والكبرياء ردائي، فمن ينازعني عذبته)([97]).

وجاء في الحديث المتفق عليه:(يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء، ثم يقول:أنا الملك، أين ملوك الأرض؟) ([98])، وفي رواية أخرى:(ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟)([99]).

ففي هذه الأحاديث بيان حدوث المنازعة في الملك، وأن الذي ينازع الله في ذلك ليست الأصنام الحجرية، بل هم ملوك الأرض والأوثان البشرية.

لقد قرر سبحانه في آية سورة (المؤمنون ) ـ المذكورة آنفا ـ الوحدانية في الملك على نحو قاطع وبلا منازع، فقال(فتعالى الله الملك الحق)، لأن أشد من ينازع الله في ذلك هم الملوك بالباطل، ثم أكد هذه الوحدانية المطلقة أوضح تأكيد في هذه الآية بالجمع بين الدعوة إلى:

1- توحيده في الملك(الملك الحق)، فكل ملك سواه باطل.

2- وتوحيده وإفراده وحده لا شريك له في الربوبية(رب العرش العظيم)، لأن ملوك الأرض هم أصحاب العروش الحقيرة الزائفة، وهم الذي ينازعونه سلطانه.

3- وإفراده وتوحيده بالألهية(لا إله إلا هو)التي تقتضي العبادة له وحدة، والطاعة له وحده، وكلاهما ينازعه فيهما ملوك الأرض، كما قال الملأ من قوم فرعون في شأن موسى وهارون (أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون)([100]) أي طائعون خاضعون.

ويزيد ذلك وضوحا قوله سبحانه في آية الحشر (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون).

فافتتح الآية بالدعوة إلى توحيده، واختتمها بنفي الشريك عنه، ثم ذكر فيما بين الدعوة إلى توحيده ونفي الشريك عنه، من أسمائه وصفاته ما يجب على العباد إفراده بها، واعتقاد وحدانيته فيها، وكل هذه الأسماء العظيمة، وما دلت عليه من الصفات الكريمة، لا أحد ينازع الله فيها، ولا يضاده بها إلا ملوك الباطل، فالله جل جلاله هو :

1ـ الملك:وملوك الأرض يدعون الملك، ويتسمون بهذا الاسم كذبا وزورا!

2ـ والله القدوس:أي المبارك، والطاهر، الذي تقدسه مخلوقاته كلها، وتنزهه بالثناء عليه، وبالحمد له، وبالتسبيح باسمه، والتمجيد لجلاله، وكذا ملوك الأرض تفرض على الناس تمجيدها، وإجلالها، وتعظيمها، ومدحها، وتبجيلها، والإشادة بها بغير الحق!

ولهذا جاء في الحديث الصحيح أن رجلا قام يثني على أمير من الأمراء، فجعل المقداد رضي الله عنه يحثو في وجهه التراب، وقال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحثو في وجه المداحين التراب، فقال:(إذا رأيتم المداحين فاحثوا في وجههم التراب)([101])، لما فيه من التزلف، والتقرب، الذي لا ينبغي إلا لله وحده، ومعلوم أن المداحين لا يمدحون الأصنام والأوثان، وإنما يمدحون الملوك ذوي السلطان والتيجان، كمثل أشعارهم في النعمان، كما في معلقة الحارث بن حلزة في مدحه النعمان بن المنذر:

ملك أضرع البرية لا يو جد فيها لما لديه كفـاءُ

ملك مقسط وأفضل من فيها ومن دون ما لديه الثناء

وهذا غاية الإطراء، والتقديس، لبشر مثلهم، لا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، ولا خيرا ولا شرا، وأنه ليس له من القوة إلا ما منحوه، ولا من السلطان عليهم إلا ما أعطوه!

3ـ والله هو السلام :وهو اسم من أسماء الله، دال على اتصافه بالكمال المطلق، فهو سبحانه السالم من العيوب والنقائص كلها، وهو ما يدعيه ملوك الأرض لأنفسهم بلسان الحال أو المقال.

كما يدل هذا الاسم على أنه سبحانه ملك السلام، الذي ينشر على عباده الأمن والأمان، ويدعوهم إلى دار السلام (والله يدعو إلى دار السلام)([102])، وكما قال سبحانه(فليعبدوا رب هذا البيت.الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).([103])

وهذا بخلاف ملوك الأرض، الذين يضادونه في ذلك، فهم ملوك الحروب، والخوف، والرعب، والدماء، والأشلاء!

وقد جاء في الصحيح أن الصحابة كانوا يصلون خلف النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا:السلام على الله، فقال لهم (إن الله هو السلام، ولكن قولوا:التحيات لله، والصلوات، والطيبات).([104])

4ـ والمؤمن:اسم من أسماء الله جل جلاله، يدل على أنه هو وحده الذي يؤمّن عباده من كل خوف، ويحميهم من كل سوء، وهو الذي يأمن عباده ظلمه، فهو الملك العدل الذي لا يظلم أحدا أبدا، كما قال عن نفسه(ولا يظلم ربك أحدا).([105])

وملوك الأرض ينازعون الله في المعنى الأول، ويدعون أنهم يضرون وينفعون، كما قال النمرود الطاغية وهو يحاجج إبراهيم (أنا أحيي وأميت)([106])، وكما قال فرعون للسحرة حين آمنوا (لأقطعن أيديكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى)([107]).

كما يضادونه في المعنى الثاني، فهم الذين يظلمون عباده ويطغون، ويستضعفونهم ويبغون، كما قال سبحانه في شأن فرعون(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين).([108])

5ـ والمهيمن:اسم من أسماء الله تعالى، وهو الشاهد والرقيب على عباده وأفعالهم، والقائم على كل نفس بما كسبت، يصرف شئون خلقه، ويرعاهم، ويكلأهم، ويدبر أمرهم، وكذلك ملوك الأرض يدعون الهيمنة على عباده، وينازعونه تدبير شئونهم، والتصرف فيهم، والتسلط عليهم، ورصد حركاتهم وسكناتهم!

6ـ والعزيز الجبار المتكبر:وكلها أسماء لله عز وجل، لا ينازعه فيها أحد كمثل ملوك الأرض، ولهذا يقول الله يوم القيامة(أنا الملك، أنا الجبار، أنا المتكبر، أين ملوك الأرض؟أين الجبارون؟أين المتكبرون؟)([109])، وينادي(لمن الملك اليوم)([110]).

وقد أكد القرآن حقيقة الصراع بين الرسل وأتباعهم، والجبابرة وأشياعهم، كما في قوله تعالى(وتلك عاد جحدوا بآيات ربهم وعصوا رسله واتبعوا أمر كل جبار عنيد)([111])، والجبار في لغة العرب الملك الغاشم، ففي هذه الآية أوضح دليل على حقيقة الإشكالية التي كانت سبب نزول العذاب على عاد وهو طاعتها واتباعها لما يأمرها به الجبابرة والطغاة!وفي قوله(وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودون في ملتنا فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين.ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد.واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد)([112])، وتوعد سبحانه الجبارين فقال(كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)([113])، كما نفى سبحانه عن رسله هذه الصفة فقال في شأن يحيا بن زكريا(ولم يكن جبارا عصيا)([114])، وقال في شأن عيسى(ولم يجعلني جبارا شقيا) ([115])، وقال لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم(وما أنت عليهم بجبار)([116]).

والجبار هو الملك والمتسلط على الناس بالقوة كما في لسان العرب: (الإجبار القهر والإكراه... ورجل جبار متسلط قاهر، والقاتل بغير حق وكله راجع إلى معنى الكبر...والجبار الملك، والجبابرة الملوك..).

فالرسل وأتباعهم ليسوا جبارين ولا متكبرين ولا متسلطين على الخلق يقهرونهم ويقتلونهم، بل هذه صفات الملوك وأشياعهم الذين يقتلون الناس على ملكهم بغير حق، ويقهرونهم من أجل إخضاعهم لسلطانهم ظلما وعدوانا.

وقد جاء في الصحيح (لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر)، فقال رجل: يارسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا، ونعله حسنة؟ فقال صلى الله عليه وسلم(الكبر:بطر الحق، وغمط الناس)([117])، فكل من ظلم الناس ورد الحق فهو متكبر.

وقد استدل هرقل على نبوة النبي محمد صلى الله عليه وسلم بكونه لم يكن ملكا ولا جبارا، وبكون أتباعه هم المستضعفين، وذلك حين سأل هرقل أبا سفيان وكان قد قدم على الشام في تجارة لقريش بعد صلح الحديبية، كما في الحديث الصحيح(وسألتك هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا! قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه، وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل! وسألتك أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون! وكذلك أمر الإيمان حتى يتم، وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فذكرت أن لا! وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب).([118])

والمقصود أن الآية الواردة في صفات الله جل جلاله في آخر سورة الحشر ظاهرة كظهور الشمس في رائعة النهار في دلالتها على أن المقصود هو إثبات وحدانية الله في هذه الأسماء الحسنى، وما تضمنته من صفاته العلى، ليبطل سبحانه دعوى أن يكون معه فيها شركاء وأنداد، أو له فيها عدلاء وأضداد، من الملوك والرؤساء، فقال في آخر الآية (سبحان الله عما يشركون)!

فشرك الخلق في عبوديتهم للطغاة، وطاعتهم للجبابرة العتاة، وخوفهم منهم، ورغبتهم إليهم، واتخاذهم أندادا وأولياء من دون الله، يطيعونهم في غير طاعة الله، ويمجدونهم في غير مرضاة الله، أشد من شركهم للأصنام الحجرية، ولهذا جعل عذابهم وحسابهم يوم القيامة أشد الحساب، كما قال تعالى(أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).([119])

إذ خشية الناس من الملوك والجبابرة أشد من خشيتهم للأصنام والأوثان، وفتنتهم بهم أشد، كما قال تعالى(ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله)([120])، وضمير المفعول به في قوله(يحبونهم) يعود على عاقل، ولو كان يعود على الأوثان غير العاقلة لقال (يحبونها)، ويؤكده قوله تعالى بعد ذلك(إذ تبرأ الذين اُتبعوا من الذين اتبعوا .. وقال الذين اتبعوا لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم كما تبرءوا منا)، فهناك تابع ومتبوع، ويوضحه أيضا قوله تعالى(قال الذين استضعفوا للذين استكبروا بل مكروا الليل والنهار إذ تأمروننا أن نكفر بالله ونجعل له أندادا)([121])، وكما في قوله تعالى في شأن فتنة المشركين بالرؤساء والكبراء(ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)([122])، وقال في شأن شركهم في التشريع والطاعة(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)([123])، والأوثان الحجرية لا تشرع، ولا تُبذل لها الطاعة، وإنما المقصود بالشركاء هنا الأوثان البشرية من الملوك والملأ الذين يشرعون من دون الله ويبذل لهم الناس الدين والطاعة والمحبة طوعا أو كرها.

ومحبة المفتونين برؤسائهم وملوكهم أشد من محبة المشركين للأحجار التي يلتمسون بركتها دون محبة منهم لها، ولهذا يقاتلون دون رؤسائهم ويموتون في سبيل مجدهم وسلطانهم، ويجعلون أعراضهم دون أعراضهم كما هو مشاهد على أرض الواقع!وربما كانت غاية أحدهم في الحياة كلها أن ينظر إليه الملك، أو يشير إليه بيده، أو يثني عليه في مجلسه، ليموت بعدها في سبيل خدمته!

ثانيا: إثبات أن الملك لله وحده وذلك في آيات كثيرة:

1- كما في قوله تعالى (ذلكم الله ربكم له الملك).([124])

فهو الرب أي السيد الذي له وحده السيادة، وله وحده حق الطاعة، لكونه سبحانه هو الذي له وحده الملك.

2- وأن له ملك السماوات والأرض (قل لله الشفاعة جميعا له ملك السموات والأرض).([125])

فالله وحده هو الذي له الشفاعة جميعا، لا للأصنام الحجرية، ولا للأوثان البشرية، لأن الله وحده الذي له ملك السماوات والأرض، وليس معه فيهما شريك حتى يكون شفيعا أو وسيطا.

3- وكما في قوله(لله ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء)([126])، وقوله (لله ملك السموات والأرض يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء)([127])، وقوله أيضا(له ملك السموات والأرض وهو على كل شيء شهيد).([128])

فالله هو وحده له ملك السموات والأرض، وهو الشهيد والشاهد على كل شيء، لا يغيب عنه شيء في السماء والأرض، ولا تخفى عليه خافية فيهما، وعليه فهو الذي يحق له وحده أن يسائل ويحاسب، ويعذب أو يغفر، وهو وحده الذي يملك ذلك، فلا يستحق الطاعة والعبادة إلا هو وحده، لا ملوك الأرض الذين يتشبهون به، ويدعون حق الملك معه، وحق محاسبة عباده ظلما وعدوانا.

4- وأنه سبحانه(له ملك السموات والأرض يحيي ويميت وهو على كل شيء قدير)([129])، وأنه سبحانه(بيده الملك وهو على كل شيء قدير)([130])، وأن(لله ملك السموات والأرض وما فيهن)([131])، وأن(لله ملك السموات والأرض وما بينهما وإليه المصير).([132])

فالله جل جلاله هو الذي له وحده الملك في السماوات والأرض، وما فيهن، وما بينهن، وبيده الملك وحده، وهو وحده الذي يحيي ويميت، وهو القادر على كل شيء، وليس للأوثان البشرية ولا الحجرية شيء من ذلك، فلا تستحق لذلك العبادة ولا الطاعة، ولا الخشية، ولا الرغبة، ولا الرهبة.

5- وأنه جل جلاله (له الملك وله الحمد).([133])

والألف والام في (الحمد)، لإفادة استغراق جميع جنس الحمد، وكل أنواع المحامد، فليس لغيره معه فيها شيء، فكما أن الله هو الملك وحده، وهو الرزاق وحده، والواهب الفضل وحده، والكاشف الكرب وحده، كما قال تعالى(أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء)([134])، فهو كذلك المستحق للحمد كله، وللمدح والثناء كله، وحده لا شريك له، لا ملوك الأرض، ولا أحبارهم وكهانهم، ولا ضروحهم وأوثانهم، ولهذا جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في دعائه(اللهم لك الحمد كله، ولك الملك كله، وبيدك الخير كله، وإليك يرجع الأمر كله)([135])، وهذا الدعاء من جوامع الكلم النبوي، فقد اشتمل على توحيد الله عز وجل في كل شيء يناسب استحقاقه وحده للحمد وهو الملك، والخير، والأمر، فإنه لا يخرج حمد الحامدين لمن يحمدونهم عن واحد من هذه الأسباب الثلاثة، إما لكونهم ملوكا، أو لهم في الملك شيء، أو لكونهم لهم الأمر، أو لهم من الأمر شيء، أو بيدهم الخير، أو عندهم من الخير شيء، فنفى ذلك كله عمن سوى الله، ووحده سبحانه في ذلك كله، وجعل الحمد له كله، ولهذا جاء في الحديث الصحيح(احثوا في وجوه المداحين التراب) ([136])، وقال أيضا(لا أحد أحب إليه المدحة من الله، من أجل ذلك وعد الله الجنة) ([137])، وفي رواية(ولذلك مدح نفسه)([138])، وأكثر الخلق منازعة لله في ذلك ملوك الأرض، فالمدح والتمجيد أكثره مصروف إليهم رغبة بما عندهم، ورهبة منهم، مع كونهم عبيدا لله الملك الحق!

6- وأنه هو الذي يؤتي الملك (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شيء قدير).([139])

7- وأنه سبحانه (قوله الحق وله الملك).([140])

وكل هذه الآيات الكريمة، والتأكيد الوارد فيها بأوضح بيان، في إثبات كون الملك لله، فيه بيان بطلان ادعاء من يدعي من الملوك خاصة، ومن الناس عامة، أن يكون لهم مع الله شيء في الملك، أو شيء من الملك.

ثالثا: إثبات أنه لا شريك له في الملك:

وذلك في آيات كثيرة منها:

1ـ قوله تعالى (الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا).([141])

2ـ وقوله سبحانه (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك).([142])

ولا أحد يدعي أنه شريك في الملك إلا ملوك الأرض، حالا أو مقالا، فهم الذين جعلوا من أنفسهم ملوكا في الأرض بطرا وظلما، بلا إذن من الله، ولا رضا من الخلق، ولا أحد ينازع الله في هذا الأمر إلا ملوك الأرض، فهم الذين ينازعونه في ادعائهم ملك الأرض، وفي فرضهم الطاعة لهم على الخلق، وفي منازعة الله في كبريائه، وجبروته، وفي زرع الرغبة في قلوب الخلق إليهم، وفي إثارة الرهبة والخشية في القلوب منهم، وفي ادعاء حق السيادة عليهم بأن لا يرد أحد أمرهم، ولا يستدرك عليهم قولهم، وكل ما هو من خصائص ربوبية الله الذي لا ينازعه فيها إلا الملوك في الأرض، ولهذا أكثر القرآن من ذكر فرعون كنموذج لطغيان الملوك حين ادعى أن له ملك مصر، وأنه الرب والسيد الأعلى الذي له الطاعة على شعب مصر، وأن كل من يخرج عن طاعته يقتل ويسجن!

بل لقد توعد الله من اغتصب شبرا من الأرض، وادعى ملكها بغير وجه حق، أن يطوقه الله يوم القيامة بسبع أرضين، وأن يخسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين، كما في الحديث الصحيح (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) ([143])، وفي الحديث الآخر (من أخذ من الأرض شيئا بغير حقه، خسف به يوم القيامة إلى سبع أرضين).([144])

فإذا كان كل ذلك الوعيد في شأن من أخذ شبرا من الأرض بغير حق، فكيف بالملوك والأمراء والرؤساء الذين يتسلطون على الأمة قهرا، ويستولون على أرضها جبرا، وهي الأرض التي جعلها الله للأمة كلها، كما قال عنها عمر (لا حمى إلا لله ولرسوله والله إنها لبلادهم قاتلوا عليها في الجاهلية، وعليها أسلموا في الإسلام، والذي نفسي بيده لولا المال الذي أحمل عليه في سبيل الله ما حميت عليهم من بلادهم شبرا)([145]).

فإذا الملوك يغصبون الأرض بغير حقها، ويحمون عن الأمة ما شاءوا منها بغير إذنها، ويتصرفون فيها كما يتصرف المالك بأرضه، ويورثونها أبناءهم ونساءهم، بلا إذن من الله، ولا رضا من الأمة؟!

رابعا: إبطال دعاوى ملوك الأرض يوم القيامة:

حيث ستبطل يوم القيامة كل دعاوى ملوك الأرض وطغاتهم، وسيفصل الله جل جلاله في أمرهم، ويتم الإعلان النهائي(لمن الملك اليوم لله الواحد القهار)([146])، وأن (الملك يومئذ الحق للرحمن)([147])، وأنه تعالى (قوله الحق وله الملك يوم ينفخ في الصور) ([148])، وأن(الملك يومئذ لله يحكم بينهم).([149])

وأن الله ينادي يوم القيامة(أنا الملك! أنا الجبار! أنا المتكبر!أين ملوك الأرض؟أين الجبارون؟أين المتكبرون؟)(لمن الملك اليوم؟)

حقيقة الصراع بين الأنبياء والرؤساء:

إنها الحقيقة التي عميت عنها البصائر مع وضوحها وجلائها، مع كثرة الآيات الواردة في إثبات حقيقة الصراع بين الرسل الذين جاءوا بالقسط والحق والعدل، لتحرير الخلق من الظلم والشرك والجهل، والملوك والرؤساء الطغاة، ورجال الدين البغاة، الذين يباركون لهم ظلمهم، ويدافعون عن جبروتهم، الذين قال الله في شأنهم(إن الذين يقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب إليم)([150]).

ومن الذي يقتل الأنبياء ويقتل الذين يأمرون بالعدل والقسط، غير الملوك الطغاة ومن شايعهم من علماء السوء؟

لقد كان علماء السوء من الأحبار والرهبان يؤيدون الملوك والجبابرة في قتلهم للأنبياء وقتل أتباعهم الذين يأمرون بالعدل والقسط، كما فعل علماء السوء من اليهود حين حرضوا ملوك الرومان على قتل أنبيائهم وأتباعهم الذين كانوا يحذرونهم من الظلم، وأكل السحت، وأكل الربا، وأكل أموال الناس بالباطل، كما فعلوا مع يحيي بن زكريا، وعيسى بن مريم!

ومع كثرة الأدلة القرآنية على وحدانية الله في الملك، وإثبات أنه لا شريك له فيه، وأنه الملك الحق وما سواه باطل، إلا إن الخلق ما يزالون يرتكسون في حمئة العبودية للملوك البشرية، التي نازعت الملك الحق في سلطانه، وعباده، وطاعته!

بل لقد أصبح المسلمون أنفسهم، الذي جاء دينهم بالتوحيد المطلق لله، يعيشون في عبودية الملوك والطغاة، ويتذللون لهم وإليهم، ويخشعون عندهم، ويركعون بين أيديهم، ويقبلون الأرض من تحت أقدامهم، ويخشونهم كخشية الله أو أشد، ويتخذونهم أندادا، وأولياء من دون الله، رغبا ورهبا، ويمجدونهم ليل نهار، ويثنون عليهم صباح مساء، ويسبحون بحمدهم، ويطرونهم، ويطيعونهم طاعة مطلقة حتى فيما خالف أمر الله، وفي المقابل تأله الملوك حتى ادعوا أن الأرض لهم، والمال مالهم، والأمر أمرهم ونهيهم، وأنهم لا يُسألون عما يفعلون، والناس يُسألون، ولا تنقد ذواتهم، ولا تستدرك عليهم تصرفاتهم، بل صارت الدساتير تنص على أن ذواتهم مصونة عن النقد، ولم يتركوا شيئا مما اختص الله به من الملك والأمر إلا ونازعوه فيه، وقد حرم عليهم الإشراك به في كل ذلك، وجاء في الصحيح(العزة إزاري، والكبرياء ردائي، فمن نازعني فيهما أدخلته النار)!

لقد أبطل الإسلام الملكيات، وعبّد الملوك لله، ولم يترك شيئا من أمر الجاهلية، وما كان عليه طغاة القياصرة، وعتاة الأكاسرة، إلا وأبطله، ونسخه وعطله، فليس هناك ملك إلا الله وحده، والخلق كلهم عبيده وعياله، نواصيهم بيده، وأمرهم إليه وحده، وهذا هو الإسلام لله، فهو الاستسلام إليه وحده، وخلع الملوك والأنداد، والطغاة والأضداد، والأوثان الحجرية، والأصنام البشرية، وتوحيد الله وحده لا شريك له، وتحرير الإنسانية من عبودية كل من سواه.

إن كل هذه المعاني الدالة على التوحيد المطلق لله جل جلاله لا يمكن معرفتها دون معرفة أضدادها، والأسباب التي دعت إليها وإلى تأكيدها على هذا النحو في القرآن الكريم، ودون معرفة أحوال الجاهلية التي جاء الإسلام لنسخها، والطاغوتية والوثنية التي تعيشها الأمم في الجاهلية العربية والعالمية، وقد تجلت هذه الوثنية البشرية في سنن الأكاسرة والقياصرة، كما جاء في وصايا ملك الفرس كسرى أنوشروان حيث يجعل من الملوك أربابا ومن الشعوب عبيدا لهم حيث يقول:(الملك والعبودية اسمان يثبت كل واحد منهما الآخر، فإن الملك يقتضي العبودية، والعبودية تقتضي الملك، فالملك محتاج إلى العبيد، والعبيد محتاجون إلى الملك، وأفضل محامد العبيد الاستقامة على الطاعة على المنشط والكره، والوفاء بالعهد فيما ساء وسر، وإن الملك أولى بالعبيد من العبيد أنفسهم، فهم خلفاء الله في أرضه، جعلهم عالين آمرين غير مأمورين، وحاكمين غير محكومين، ومستغنين غير محتاجين، وجعل الله الرعية مأمورة محكوما عليها، خاضعة لملوكها، وإن الملك هو الجامع المفرق، والمؤلف والمبدد، وهو المقوي والمضعف، وهو المهين والمكرم)([151]).

وانظر في هذا الوصف للملوك على لسان كسرى وتأمل أواخر آيات سورة الحشر لتقف على المقصود والمراد منها، وأن المراد هو نقض كل هذه الدعاوى الزائفة الكاذبة التي ينازع الله فيها ملوكُ الأرض وطواغيتهم!

وقد ذكر الجاحظ في كتابه (التاج في أخلاق الملوك)من سنن الملوك التي تحسن لهم ـ كما نقله عن كتب فارس ـ ما يكشف عن أحول تلك الوثنية والطاغوتية التي جاء القرآن لهدمها وطمسها فأحياها المبتدعون والمحدثون حتى صارت مشروعة في دين الله ـ كما زعم المبطلون ـ ومن ذلك كما قال الجاحظ(من حق الملك أن يقف منه الداخل بالموضع الذي لا ينأى عنه ولا يقرب منه، وأن يسلم عليه قائما، فإن استدناه قرب منه فأكب على أطرافه يقبلها، ثم تنحى عنه قائما، حتى يقف في مرتبة مثله، فإن كلمه أجابه بانخفاض صوت وقلة حركة ـ أي بخشوع ـ ومن حق الملك أن يجعل ندماءه طبقات ومراتب، وأن يخص ويعم، ويقرب ويبعد، ويرفع ويضع، ومن حق الملك أن لا يسمى ولا يكنى، في جد ولا هزل، ولا أنس ولا غيره، ولم يتقرب العامة ـ للملك ـ بمثل الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع، ومن أخلاق الملك البحث عن سرائر خاصته، وإذكاء العيون ـ الجواسيس ـ عليهم، وعلى الرعية عامة) ([152]) .

فاقرأ هذا النص وراجع كل ما سبق ذكره من السنن النبوية التي تضادها وتناقضها ليتجلى لك بكل وضوح ما المقصود، ومن المقصود بها!

كشف الشبهات وبيان الآيات المتشابهات:

وربما تمسك أنصار الخطاب السلطاني لرد الخطاب القرآني بالمتشابهات من الآيات كقوله تعالى(قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء)([153])، لبيان مشروعية وجود الملوك، وأن الله هو الذي وهبهم الملك!

ولا دليل في ذلك على مشروعية ادعاء الملوك للملك، بل هذا كقوله تعالى(يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر)([154])، وقوله(يرزق من يشاء وهو القوي العزيز).([155])

فالله يرزق الخلق جميعا، سواء منهم البر والفاجر، والمؤمن والكافر، وسواء حصل لهم ذلك بأسباب الحلال أو الحرام، فالله يؤتي رزقه من يشاء، ولا يكون في ذلك حجة على مشروعية ما كسبه الظالم من مال لا يحل له، بل هو ابتلاء من الله، واستدراج للعبد، وقد قال سبحانه في شأن قارون(إن قارون كان من قوم موسى فبغى عليهم وآتيناه من الكنوز ما إن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة...قال إنما آوتيته على علم عندي ...فخسفنا به وبداره الأرض).([156])

فالله هو الذي آتاه المال والثروة، وإن كان قارون قد كسب هذا المال بأسباب الحرام، كذلك يؤتي الله الملك من يشاء، ولا حجة فيه لملوك الأرض، إذ منهم من يؤتيه الله الملك بالحق والعدل، كالأنبياء الذين جعلهم الله خلفاء وملوكا بالحق، ليحكموا بين الناس بالعدل، كداود، وسليمان، كما قال تعالى(وقتل داود جالوت وآتاه الملك)([157])، وهي الخلافة النبوية كما قال تعالى أيضا عنه (ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله).([158])

ومن الملوك من يؤتيه الله الملك وهو ظالم لنفسه، بالسيطرة والقهر للناس، ليبتليه ويبتلي به، كما هو حال فرعون والنمرود، كما في قوله تعالى (ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك.إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت). ([159])

فكل ملك في الأرض تملك بإذن من الله ـ كحال ملوك بني إسرائيل الأنبياء، كداود، وسليمان، ومن ملك من بعدهم على شريعتهم، أو ملك بوحي من أنبيائه ورسله، كما هو حال طالوت(وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا)([160]).

وكما هو حال خلفاء المسلمين، الذين تختارهم الأمة بالشورى والرضا، وفق شريعة المصطفى ـ فهو خليفة وملك بالحق، وكل من لم يكن كذلك من ملوك الأرض، فهو ملك باطل، غاصب للملك، جبار في الأرض، ظالم للخلق، كما قال تعالى لنبيه إبراهيم (إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين).([161])

قال ابن كثير في تفسيره للآية(قال سفيان بن عيينه لا يكون الظالم إماما..وقال ابن خويز منداد:الظالم لا يكون خليفة، ولا حاكما)([162]).

ولهذا جاءت الشريعة المحمدية بالخلافة، وإبطال الملك كله بجميع صوره الفرعونية، والقيصرية، والكسروية، فالأرض لله، والملك لله، والطاعة لله، والأمر لله، والسيادة لله، والخلق لله، ليس لهم رب غيره، ولا ملك سواه.

ولهذا جاء في صحيح مسلم (إن بني إسرائيل كانت تسوسهم الأنبياء، كلما مات نبي خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي، فقالوا وما يكون يا رسول الله؟ قال : يكون خلفاء فيكثرون، فأوفوا بيعة الأول فالأول).

فليس في الإسلام إلا خلافة النبوة وهي الخلافة الراشدة.

بل إن توحيد العبادة لله يتعارض مع الدينونة للملوك، كما في لسان العرب:(العبادة في اللغة الطاعة مع الخضوع، وكل من دان لملك فهو عابد له)، ومنه قول الملأ من قوم فرعون(أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) أ هـ.

والفرق بين الطاعة للخلفاء والطاعة للملوك، أن الطاعة للخلفاء تكون عن شورى ورضا واختيار بلا إكراه ولا إجبار، وتبعا لطاعة الله ورسوله، بينما طاعة الملوك تكون جبرا وقهرا على أساس الاستحقاق المزعوم لهم على الناس بطاعتهم والخضوع لهم، لقوتهم وسطوتهم وجبروتهم، وهذا هو التأله والألوهية في لغة العرب، كما في قول فرعون لموسى(لئن اتخذت إلها غير لأجعلنك من المسجونين).

وقد أشار ابن خلدون إلى ظاهرة التأله في الملوك التي تتمثل في إخضاع الخلق لطاعتهم وحدهم دون سواهم فقال في مقدمة تاريخه:(فمن الطبيعة الحيوانية خلق الكبر والأنفة، فيأنف ـ أي الملك ـ حينئذ من المساهمة والمشاركة في استتباعهم والتحكم فيهم، ويجئ خلق التأله الذي في طباع البشر مع ما تقتضيه السياسة من انفراد الحاكم لفساد الكل باختلاف الحكام {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا }فتجدع حينئذ أنوف العصبيات، وتفلح شكائمهم عن أن يسموا إلى مشاركته في التحكم، وتقرع عصبيتهم عن ذلك، وينفرد به ـ أي بالملك ـ ما استطاع حتى لا يترك لأحد منهم في الأمر لا ناقة و لا جملا، فينفرد بذلك المجد بكليته، ويدفعهم عن مساهمته، وقد يتم ذلك للأول من ملوك الدولة)([163]).

والمقصود من ذلك قوله(فيأتي خلق التأله)، ليؤكد أن ما عليه الملوك والجبابرة هو من التأله الذي جاء القرآن للقضاء عليه، وهذا بخلاف ملك النبوة، كملك داود وسليمان، فإنه بوحي من الله، دون إجبار وقهر، ليحكم بحكم الله، كما قال تعالى(ياداود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق).

ولوضوح هذا الأصل العقائدي، لم يستطع أحد في تاريخ الدولة الإسلامية طوال ثلاثة عشر قرنا، أن يتصف بالملك ويفتريه، أو ينتحله أو يدعيه، بل كانوا يقتصرون على لقب الخليفة، أو على لقب السلطان لمن هو دون الخليفة، أو على لقب الأمير، وذلك لعدم شرعية ادعاء الملك، أو التسمي باسم الملك، إذ لا أحد يملك دار الإسلام، التي أسلم عليها أهلها، أو فتحوها، ولا جزءا من أقاليمها، إذ دار الإسلام التي أسلم عليها أهلها هي لهم بحكم الله ورسوله إلى يوم القيامة، والتي فتحوها موقوفة عليهم إلى يوم القيامة، وكذا عدم شرعية ادعاء ملك من عليها من المسلمين، أو من معهم من أهل الذمة، إذ هم جميعا أحرار، لا مالك لهم إلا الله.

وكذلك منعهم من ذلك عدم مشروعية الاتصاف بهذا الوصف، لما فيه من المحادة لله، وقد خُيّر النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون ملكا، أو عبدا نبيا، فاختار عبدا نبيا([164])، فكانت تلك شريعتة وسنة لخلفائه وأمته من بعده، وعندما أرسل رسائله إلى ملوك الأرض يدعوهم للدخول في الإسلام لم يسمهم بوصف الملك بل قال(إلى هرقل عظيم الروم)، (إلى كسرى عظيم الفرس)، قال النووي (ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم (إلى هرقل عظيم الروم )ولم يقل ملك الروم لأنه لا ملك له، ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام).([165])

وجاء في الحديث( لا قيل ولا ملك ولا قاهر إلا الله)([166])، فنفى النبي أن يكون هناك قيل ـ والأقيال هم ملوك حمير في اليمن ـ ونفى أن يكون هناك ملوك، إلا الله وحده لا شريك له، وفي حديث آخر(كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فوقف ذات ليلة واجتمع عليه أصحابه فقال إن الله أعطاني الليلة الكنزين كنز فارس والروم، وأيدني بالملوك ملوك حمير، ولا ملك الا لله!يأتون يأخذون من مال الله، ويقاتلون في سبيل الله!قالها ثلاث)([167])، فقرر أن لا ملوك في الإسلام، بل الملك لله وحده، وملوك حمير كغيرهم من المسلمين يقاتلون في سبيل الله، ويأخذون من بيت المال، حالهم حال غيرهم من المسلمين.

ولهذا جاء في الحديث الصحيح(أخنع اسم عند الله رجل يسمى ملك الأملاك، لا مالك إلا الله)، وفي رواية(اشتد غضب الله على)وفي رواية(أغيظ رجل على الله يوم القيامة، وأخبثه، رجل كان يسمى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله)، وفي رواية(أخنى اسم)، قال الراوي: كـ(شاهنشاه)([168]).

وليست العلة في التحريم كونه اتصف بلقب ملك الملوك كما ظنه بعض الرواة، بل العلة هو كون هذه الدعوى الكاذبة، محادة لله في اسم من أسمائه، وصفة من صفاته، التي تسمى بها الله ووصف بها نفسه، بل وأبطل أن يكون له شريك فيها، سواء تسمى أحد من خلقه بملك الملوك، أو باسم الملِك، وإن كان التسمي بملك الملوك أخنع، وأخبث، وأخنى، من التسمي بالملِك، كما تقتضيه صيغة أفعل التفضيل، وقد نص الفقهاء على تحريم الأول أي ملك الملوك، دون الثاني، مع أن لفظ أخنع، وأخبث، يدل على أن هناك ما هو أقل خبثا، وأقل خنى، وهو التسمي بالملك، ولهذا جاء في آخر الحديث(لا ملك إلا الله)، وفي رواية(لا مالك إلا الله)، ولم يقل(لا ملك للملوك إلا الله)، ليؤكد أن التحريم ليس قاصرا فقط على التسمي بملك الملوك، بل وكذلك لقب الملك، لأنه لا ملك على الحقيقة إلا الله، فالتعليل في آخر الحديث واضح في دلالته على تحريم إطلاق كلا اللفظين ملك الملوك، أو الملك، على أحد من البشر، لما ورد فيهما من الوعيد الشديد، وأن أصحابهما أخنع وأذل وأخنى وأفجر الناس يوم القيامة، ويؤكد ذلك حديث النداء يوم القيامة(أين ملوك الأرض؟ أنا الملك).

ولهذا لما راسل النبي صلى الله عليه وسلم ملوك الأرض يدعوهم إلى الإسلام لم يثبت لهم هذه الصفة، بل قال(إلى هرقل عظيم الروم)(إلى كسرى عظيم الفرس)، قال النووي(قال النبي صلى الله عليه وسلم (إلى هرقل عظيم الروم) ولم يقل ملك الروم، لأنه لا ملك له، ولا لغيره، إلا بحكم دين الإسلام)([169]).

وفي الحديث الصحيح(ألا أخبركم بأهل الجنة؟كل ضعيف متضاعف لو أقسم على الله لأبره، ألا أخبركم بأهل النار؟كل عتل جواظ مستكبر)([170]).

وفي الحديث الآخر(قالت النار أوثرت بالمتكبرين والمتجبرين، وقالت الجنة يدخلني الضعفاء والمساكين، فقال الله عز وجل:أنت عذابي أعذب بك من أشاء، وقال لهذه:أنت رحمتي أرحم بك من أشاء).([171])

وقال أيضا(صنفان من أهل النار لم أرهما، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس)، وفي رواية(يوشك أن ترى قوما في أيديهم مثل أذناب البقر، يغدون في غضب الله، ويروحون في سخطه)، وفي رواية(يغدون في سخط الله، ويروحون في لعنته).([172])

وهم الجلاوزة والجلادون، الذين يسعون في تعذيب الناس وإرهابهم، وتعبيدهم للملوك وإخضاعهم.

ولقد بلغ من شدة رعاية النبي صلى الله عليه وسلم وصيانته جناب التوحيد لله في الملك، وشدة حفظه لهذا الأصل، أن أبطل كل سنن ملوك الأرض وعطلها، وخالف هديه سبيل الأكاسرة والقياصرة، ومن ذلك:

أولا: نهى صلى الله عليه وسلم عن القيام على رأس من كان جالسا، فقد صلى بأصحابه وهو جالس بعد أن سقط عن فرسه صلى الله عليه وسلم، فالتفت إليهم فرآهم قياما وراءه، فأشار إليهم أن اجلسوا، فصلوا خلفه جلوسا، ثم قال(إن كدتم آنفا لتفعلون فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود، فلا تفعلوا، ائتموا بأئمتكم، إن صلى قائما فصلوا قياما، وإن صلى قاعدا فصلوا قعودا).([173])

ثانيا: حرم الأكل والشرب بآنية الذهب والفضة، ولبس الحرير والذهب للرجال، والجلوس على جلود النمور والسباع، وكل ما كان من عادات ملوك فارس والروم، ففي صحيح مسلم أن حذيفة بن اليمان استسقى وهو في المدائن بعد فتحها، فجاءه دهقان مجوسي بشراب في إناء من فضة، فقال حذيفة(إني أخبركم إني قد أمرته أن لا يسقيني فيه، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لا تشربوا في إناء الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها، ولا تلبسوا الديباج والحرير، فإنه لهم في الدنيا، وهو لكم في الآخرة يوم القيامة).([174])

وفي حديث أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال(إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم).([175])

وعن البراء بن عازب قال(نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبع:عن تختم بالذهب، وعن شرب بالفضة، وعن المياثر، وعن القسي، وعن لبس الحرير، والإستبرق، والديباج).([176])

وفي رواية عن علي رضي الله عنه(وعن جلوس على المياثر، وجلود السباع)، والمياثر وطاء من حرير يجلس عليه، وكل ذلك من عادات ملوك الفرس والروم.

ورأى عمر بن الخطاب عطاردا التميمي ـ وكان رجلا يغشى الملوك ويصيب منهم ـ يعرض حلة سيراء للبيع، فقال عمر للنبي صلى الله عليه وسلم:لو اشتريتها، فلبستها لوفود العرب؟فقال له:(إنما يلبس الحرير من لا خلاق له في الآخرة)، ثم أوتي النبي صلى الله عليه وسلم بحلل من حرير، فبعثها إلى عمر وقال له:(شققها خمرا بين نسائك)، وفي رواية:(إني لم أبعثها إليك لتلبسها، إنما بعثت بها إليك لتبيعها وتصيب بها مالا) ([177]).

ثالثا: كما نهى عن جر الثوب خيلاء كما يفعل الملوك والرؤساء في الجاهلية، فقال صلى الله عليه وسلم:(لا ينظر الله يوم القيامة إلى من جر ثوبه خيلاء) ([178])، وقال أيضا(بينما رجل يتبختر، يمشي في برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف الله به في الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة).([179])

رابعا: ونهى عن المبالغة في المدح والإطراء، كما يفعل الناس مع الملوك والرؤساء، وقد جاءه وفد بني عامر، فقالوا له:أنت سيدنا، فقال:(السيد الله)، فقالوا:وأفضلنا فضلا، وأعظمنا طولا، فقال:(قولوا بقولكم، أو بعض قولكم، ولا يستجرينكم الشيطان).([180])

خامسا: وكان يكره أن يقوم له أصحابه، وينهاهم عن ذلك، وينهى الرجل أن يقوم للرجل من مكانه تعظيما له، كما هو شأن الناس مع الرؤساء والكبراء في الجاهلية، ففي الحديث عن أنس قال:(لم يكن شخص أحب إليهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا، لما يعلمون من كراهيته لذلك).([181])

ودخل معاوية على ابن الزبير وابن صفوان، فقاما له، فقال اجلسا، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:(من سره أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار).([182])

وخرج على أصحابه يوما متوكأ على عصاه فقاموا له فنهاهم وقال لهم(لا تقوموا كما يقوم الأعاجم يعظم بعضهم بعضا)([183]).

سادسا: وأمر بالتواضع ونهى عن التفاخر والتعاظم، كما كان عليه حال أهل الجاهلية، فقال صلى الله عليه وسلم:(إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد).([184])

سابعا: وحرم السعي بالناس لذي السلطان ونقل الأخبار إليه، والوشاية بهم لديه، فقد سمع حذيفة بن اليمان أن رجلا يرفع الحديث عن الناس إلى عثمان، فقال حذيفة سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(لا يدخل الجنة قتات)([185])، وفي رواية(كان رجل ينقل الحديث إلى الأمير، فكنا جلوسا في المسجد، فقال القوم:هذا ممن ينقل الحديث إلى الأمير، فقال حذيفة(لا يدخل الجنة قتات) والقتات الذي ينقل أخبار الناس للسلطان ويتجسس عليهم.

ونهى عن التجسس على الناس، كما هي عادة الملوك، فقال:(إن الأمير إذا ابتغى الريبة في الناس أفسدهم)، وفي رواية:(إنك إن اتبعت عورات الناس أفسدتهم). ([186])

ثامنا: وكان صلى الله عليه وسلم يأكل جالسا، ويقول:(آكل كما يأكل العبد)، ودعا أصحابه على طعام، فكثروا، والتفوا عل القصعة، فجثا معهم على ركبتيه، فقال أعرابي:ما هذه الجلسة؟فقال صلى الله عليه وسلم:(إن الله تعالى جعلني عبدا كريما، ولم يجعلني جبارا عنيدا)([187])، والجبار العنيد هو الملك الطاغية.

تاسعا: وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا مشى لم يطأ عقبه اثنان([188])، ولا يرضى أن يمشي خلفه أحد، كما يفعل الملوك.

عاشرا: كما كان صلى الله عليه وسلم ينفي عن نفسه صفة الملك، فقد أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم، فكلمه الرجل، فجعل ترعد فرائصه، فقال له:(هون عليك! فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة تأكل القديد)([189]).

فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم بكل ذلك سنن الأكاسرة، وعادات القياصرة، في لباسهم، وأكلهم، وشربهم، ومجالسهم، ومخالطة الناس لهم، ووقوفهم على رؤسهم، ورغبة الناس إليهم، ورهبتهم منهم، وألقابهم وأسماءهم، وسياطهم وسجونهم، وجواسيسهم وعيونهم، وتفاخرهم وتكاثرهم، وكل سننهم وطرائقهم، إذ إنما بعثه الله ليحرر الخلق من عبودية كل ما سوى الله، حتى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد.

وقد نص الإمام الآجري على هذا المعنى وأن النبي صلى الله عليه وسلم قد جاء بمخالفة سنن الأكاسرة والقياصرة في السياسة والحكم فقال في كتابه الشريعة:(باب ذكر خوف النبي صلى الله عليه وسلم على أمته وتحذيره إياهم سنن من قبلهم من الأمم:عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :لتأخذن أمتي مأخذ الأمم والقرون قبلها شبرا بشبر وذراعا بذراع قيل:يا رسول الله كما فعلت فارس والروم؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :ومن الناس إلا أولئك ؟

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر، وذراعا بذراع، وباعا بباع، حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه.

وعن شداد بن أوس رضي الله عنه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:لتحملن شرار هذه الأمة على سنن الذين خلوا من قبلهم حذو القذة بالقذة .

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال:لتتبعن أمر من كان قبلكم حذو النعل بالنعل، لا تخطئون طريقتهم ولا تخطئكم، ولتنقضن عرى الإسلام عروة فعروة.

قال محمد بن الحسين الآجري: (من تصفح أمر هذه الأمة من عالم عاقل علم أن أكثرهم والعام منهم تجري أمورهم على سنن أهل الكتابين، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، أوعلى سنن كسرى وقيصر، أو على سنن الجاهلية، وذلك مثل السلطنة وأحكامهم في العمال والأمراء وغيره، وأمر المصائب والأفراح، والمساكن، واللباس والحلية، والأكل والشرب والولائم، والمراكب والخدام، والمجالس والمجالسة، والبيع والشراء، والمكاسب من جهات كثيرة، وأشباه لما ذكرت يطول شرحها تجري بينهم على خلاف السنة والكتاب، وإنما تجري بينهم على سنن من قبلنا كما قال النبي صلى الله عليه وسلم).([190])

ليكشف بكل وضوح صدق الأحاديث النبوية المتواترة (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه)، ولتفسر معنى حديث (لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة أولهن نقضا الحكم)([191])، وكيف تم التحول من سنن النبوة والخلافة الراشدة إلى سنن الأكاسرة والقياصرة باسم الإسلام والسنة!لتتحقق نبوءة عمر الفاروق (تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا ولد في الإسلام من لم يعرف الجاهلية)!

3- توحيد الله في الربوبية والسيادة، والحكم والطاعة والعبادة:

فكما جاءت الآيات القرآنية محكمة في إثبات وحدانية الله في الخلق، ووحدانيته في الملك، وفي دعوة عباده إلى توحيده في ذلك كله، وعدم الإشراك به فيهما، جاءت كذلك محكمة في توحيده في الربوبية، والسيادة، والحكم، والطاعة، والعبادة، إذ توحيده في الملك يقتضي توحيده في الطاعة والحكم، فمن له الملك له الحكم بداهة.

وقد قرر القرآن توحيد الله في كل ذلك، في آيات كثيرة، بألفاظ قطعية، وأساليب بيانية، تجعل منها آيات محكمات، وحججا بينات، وقد وردت على النحو التالي:

أولا: توحيد الله في الربوبية والسيادة:

حيث أكد أن الله وحده هو الرب والسيد الذي له السيادة المطلقة، فالعرب تطلق الرب على الملك، وعلى السيد المطاع، ومنه يقال للرقيق عبد، ولسيده رب، لكون الرقيق مِلْكا لسيده، مطيعا لأمره ونهيه، وقد أكد القرآن هذه الحقيقة في آيات كثيرة منها :

1ـ قوله سبحانه في أول القرآن:(الحمد لله رب العالمين) ([192])، وقال في آخر سورة في القرآن (قل أعوذ برب الناس.ملك الناس.إله الناس). ([193])

2ـ وأكد أنه سبحانه (رب السموات والأرض وما بينهما) ([194])، وأنه سبحانه(ربكم ورب آبائكم الأولين)([195])، وأنه(رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا).([196])

3ـ وحذر عباده من الإشراك به في الربوبية، كما في قوله تعالى (قل أغير الله أبغي ربا وهو رب كل شيء) ([197])، وفي قوله (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)([198])، ونعى على أهل الكتاب وعاب عليهم أنهم(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله)([199]).

والمقصود بالأرباب هنا السادة والرؤساء الذين يطيعهم الأتباع طاعة مطلقة، كما في قوله(قالوا ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا)([200])، وجاء عن طاووس في تفسير السادة بأنهم الأشراف والأمراء، وبأن الكبراء هم العلماء.

وقد جاء في الحديث حين دخل جماعة من العرب على النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا له:أنت سيدنا! فقال(إنما السيد الله)، وقال:(قولوا ببعض قولكم لا يستجرينكم الشيطان!)([201]).

وقد أمر كسرى واليا له على اليمن أن يأتيه بالنبي صلى الله عليه وسلم، حين بعث إليه النبي صلى الله عليه وسلم رسالة يدعوه فيها إلى الإسلام، فأتى الرسول الكسروي النبي صلى الله عليه وسلم، وطلب منه الذهاب معه لكسرى، فقال صلى الله عليه وسلم:(إن ربي تبارك وتعالى قد قتل ربك)يعنى كسرى، وقيل للنبي صلى الله عليه وسلم إنه قد استخلف ابنته، فقال (لا يفلح قوم تملكهم امرأة)([202]).

وقد روى ابن سعد هذه القصة من طرق أخرىوفيها(قال عبد الله بن حذافة ـ وقد بعثه النبي صلى الله عليه وسلم برسالة إلى كسرى يدعوه فيها إلى الإسلام ـ فدفعت إليه كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقريء عليه ثم أخذه فمزقه، فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:اللهم مزق ملكه، وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتياني بخبره، فبعث باذان قهرمانه ورجلا آخر وكتب معهما كتابا، فقدما المدينة فدفعا كتاب باذان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعاهما إلى الإسلام وفرائصهما ترعد، وقال ارجعا عني يومكما هذا حتى تأتياني الغد فأخبركما بما أريد فجاءاه من الغد، فقال لهما: أبلغا صاحبكما أن ربي قد قتل ربه كسرى في هذه الليلة).

فلما رجعا وجدا الخبر صحيحا وأن كسرى قد قتله ابنه شيرويه.

وقد روى الطبري هذه الحادثة في تاريخه بإسناده فقال:(وبعث النبي صلى الله عليه وسلم عبدالله بن حذافة إلى كسرى بن هرمز ملك فارس، وكتب معه:بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى وآمن بالله ورسوله وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله، وأدعوك بدعاء الله، فإني أنا رسول الله إلى الناس كافة لأنذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فأسلم تسلم، فإن أبيت فإن إثم المجوس عليك، فلما قرأه مزقه وقال يكتب إلي هذا وهو عبدي....

قال ثم كتب كسرى إلى باذان وهو على اليمن أن ابعث إلى هذا الرجل الذي بالحجاز رجلين من عندك جلدين فليأتياني به!

فبعث باذان قهرمانه وهو بابويه، وكان كاتبا حاسبا بكتاب فارس، وبعث معه رجلا من الفرس يقال له خرخسره، وكتب معهما إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمره أن ينصرف معهما إلى كسرى، وقال لبابويه ائت بلد هذا الرجل وكلمه وأتني بخبره، فخرجا حتى قدما الطائف فوجدا رجالا من قريش بنجب من أرض الطائف فسألاهم عنه فقالوا هو بالمدينة، واستبشروا بهما وفرحوا، وقال بعضهم لبعض أبشروا فقد نصب له ـ أي تصدى له ـ كسرى ملك الملوك كفيتم الرجل!

فخرجا حتى قدما على رسول الله صلى الله عليه وسلم فكلمه بابويه فقال: إن شاهانشاه ملك الملوك كسرى قد كتب إلى الملك باذان يأمره أن يبعث إليك من يأتيه بك، وقد بعثني إليك لتنطلق معي فإن فعلت كتب فيك إلى ملك الملوك ينفعك ويكفه عنك، وإن أبيت فهو من قد علمت فهو مهلكك ومهلك قومك ومخرب بلادك، ودخلا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد حلقا لحاهما وأعفيا شواربهما فكره النظر إليهما، ثم أقبل عليهما فقال ويلكما من أمركما بهذا، قالا أمرنا بهذا ربنا يعنيان كسرى، فقال رسول الله:لكن ربي قد أمرني بإعفاء لحيتي وقص شاربي، ثم قال لهما ارجعا حتى تأتياني غدا، وأتى رسول الله الخبر من السماء أن الله قد سلط على كسرى ابنه شيرويه فقتله في شهر كذا وكذا ليلة كذا وكذا، فدعاهما فأخبرهما فقالا هل تدري ما تقول إنا قد نقمنا عليك ما هو أيسر من هذا أفنكتب هذا عنك ونخبره الملك؟قال نعم أخبراه ذلك عني وقولا له إن ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ ملك كسرى وينتهي إلى منتهى الخف والحافر)([203]).

وفي قوله صلى الله عليه وسلم(إن ربي قتل ربه)، وفي قول كسرى عن النبي صلى الله عليه وسلم(كيف يكتب لي وهو عبدي) أوضح دليل على طبيعة الربوبية التي جاء النبي صلى الله عليه وسلم ليبطلها، ومنها ربوبية الملوك على رعاياهم، وأن الملوك أرباب على شعوبهم لمنازعتهم الله في الملك والطاعة والسيادة، وأن بذل الرعية الطاعة لهم قهرا هو من العبودية، وأنه لا رب ولا ملك للخلق إلا الله جل في علاه!

كما إن في قوله(إن ديني وسلطاني سيبلغ ملك كسرى) دليل على طبيعة الرسالة النبوية وأنها دين وعقيدة ودولة وسلطان لا تقبلان ملكا كسرويا ولا سلطانا قيصريا!

والعرب تطلق على الملك اسم الرب، كما قال الحارث بن حلزة اليشكري، في قصيدته في النعمان ملك الحيرة:

وهو الرب والشهيد على يـو م الحيـارين والبلاء بـلاءُ

وكما قال امرؤ القيس حين قتل بنو أسد أباه وكان ملكا:

أتاني حديث فكذبته بأمر تزعزع منه القلل

بقتل بني أسد ربهم ألا كل شيء سواه جلل

فأين ربيعة عن ربها وأين تميم وأين الخـول

ولهذا السبب كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في رسائله (كسرى عظيم الفرس)، (هرقل عظيم الروم)، ولم يسمهم باسم الملوك لأنه مبعوث لإبطال ملكهما وتحرير عبيدهما.

فأكد الله جل جلاله في كتابه أنه هو الرب وحده، وهو رب الناس، وليس أحد سواه من الملوك والطغاة، ولهذا حاجج موسى فرعون في ذلك، كما جاء في قوله تعالى:(قال فرعون وما رب العالمين.قال رب السموات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين.قال لمن حوله ألا تستمعون.قال ربكم ورب آبائكم الأولين.قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون.قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون.قال لئن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)([204]).

ففرعون حين قال لشعب مصر أنا ربكم الأعلى، إنما قصد أنه الملك الذي له وحده الطاعة المطلقة، فليس فوقه ـ في زعمه ـ ملك أعلى ولا أقوى منه يستحق طاعة الشعب المصري، ولهذا قال للسحرة حين قالوا:(آمنا برب العالمين.رب موسى وهارون.قال آمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم الذي علمكم السحر فلسوف تعلمون لأقطعن أيديكم من خلاف ولأصلبنكم أجمعين)([205])، فأخبره السحرة أنهم آمنوا بالرب جل جلاله وهو رب العالمين كلهم، الذي يمجده موسى وهارون، وليس فرعون الذي هو فقط رب المصريين، الذي يمجده هامان وقارون!والذي كان يحتج على صحة ربوبيته بقوله لشعبه(أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون.أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين)([206])، فقد جعل من دعواه بأن له ملك مصر، وأنه أقوى من موسى، وأنه خطيب مصقع، وأنه يقتل ويسجن، سببا يقتضي أن يكون هو الرب الأعلى، والسيد الذي تجب طاعته على الجميع، ولهذا احتج موسى عليه بأن الرب الذي تجب له الطاعة ليس أنت يافرعون، بل رب السموات والأرض وما بينهما، ورب آبائهم الأولين، ورب المشرق والمغرب وما بينهما، بما في ذلك مصر وفرعون وجنوده.

فلم يحر فرعون جوابا، إذ أن فرعون لا يدعي بأنه ملك وسيد على آبائهم الأولين، كما لا يدعي أنه ملك السموات والأرض وما بينهما، فالملوك في الأرض مثله كثير، بل إنما ادعى فرعون بأنه رب مصر وملكها الأعلى فقط، فذكره موسى بأن هناك ربا وملكا أعلى منه وأقوى، هو الذي يجب علينا وعليك طاعته، واتباع أمره، ولهذا لم يغضب فرعون من السحرة لكونهم آمنوا بموسى، وإنما غضب لكونهم لم يستأذنوه قبل ذلك(قال فرعون أآمنتم به قبل أن آذن لكم)([207])، (قال أآمنتم له قبل أن آذن لكم إنه لكبيركم)([208]).

والإيمان يأتي تارة بمعنى التصديق، وتارة بمعنى الطاعة، وقد صدق السحرة موسى وأطاعوه، فالقضية الرئيسة عند الملوك والطغاة ليس أن يعبد الخلق ما شاءوا، بل القضية أن لا يخرجوا عن طاعتهم، وأن تكون الطاعة لهم وحدهم، وأن تكون طاعة الله ورسله، أو طاعة الأحبار، والرهبان، والشيوخ، ومن سواهم تبعا لطاعتهم!

ثانيا: توحيد الله في الحكم والطاعة:

وقد جاء إثباته في آيات كثيرة ومن ذلك:

1ـ إثبات أن الله هو الحَكَم وإليه الحُكم، كما في الحديث الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجل كنيته أبو الحكم:(إن الله هو الحَكم وإليه الحُكم)([209])، فنفى عمن تكنى بأبي الحكم هذا الاسم وأثبته لله وحده، وأن الحكم لله وحده كما قال تعالى:(إن الحكم إلا لله يقص الحق)([210])، وقال سبحانه:(ألا له الحكم)([211])، وقال أيضا:(إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه) ([212])، وقال كذلك:(والله يحكم لا معقب لحكمه). ([213])

وهذا أوضح بيان أن توحيد الله في الحاكمية أصل لتوحيده في العبادة، فمن لم يثبته فلا توحيد له، لقوله(إن الحكم إلا لله)، وإن هنا أداة نفي، أي ما الحكم إلا لله، والنفي (إن)، مع الاستثناء(إلا)، من أقوى أدوات الحصر والقصر في اللغة، المفيدة لمعنى التوحيد والإفراد، وقد جاءت هذه الجملة اسمية لتفيد الثبوت والاستقرار على أنها حقيقة بدهية، ومقدمة ضرورية لما سيتبعها وهو (أمر ألا تعبدوا إلا إياه)، فجاءت هذه الجملة الثانية فعلية لما تفيده من التجدد والحدوث، بعد الاسمية التي تفيد الثبوت ولاستقرار، لكون التشريع والتحليل والتحريم قد يختلف بين شريعة وأخرى، ولنبي عن آخر، كما يأتي التشريع تباعا بحسب النوازل، وقد يدخله النسخ، والتخصيص، وهو يقتضي التجدد، بخلاف حق الحاكمية لله، واعتقاد أن الحكم له وحده، فهذا وصف مطلق، وحق له وحده، والأمر الوارد في الآية فرع من فروع الحكم، ونوع من أنواعه، إذ الحكم منه أمر ونهي وتخيير وإباحة، ولا يُعرف توحيد الله في العبادة، إلا بأحكامه وتشريعاته، وأوامره ونواهيه، وهو ما يقتضي أن يكون توحيده في الحكم قبل توحيده في العبادة، إذ لا يُعرف الشرك من التوحيد إلا بالحكم، ولا تعرف العبادة من العادة إلا بالحكم، ولهذا جاز سجود إخوة يوسف له ولم يكن ذلك شركا آنذاك في شريعتهم، ثم أصبح السجود لغير الله شركا في شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، والأمر كله راجع إلى توحيد الله في الحكم والطاعة، والتسليم المطلق لحكمه، فما حكم بأنه شرك وجب اجتنابه، وما حكم بأنه من توحيده وجب التزامه، وما نسخه من الشرائع وجب اتباعه، وهذا معنى الإسلام لله.

وهذا الأصل من أوضح الواضحات، والأصول البينات في الإسلام، ولم يقع فيه خلاف بين الأصوليين، كما قال الغزالي في(المستصفى في علم الأصول):(وفي البحث عن الحاكم يتبين أنه لا حكم إلا لله، وأنه لا حكم للرسول، ولا لمخلوق على مخلوق، بل كل ذلك حكم الله ووضعه).

وقال الآمدي في (الأحكام):(الأصل الأول في الحاكم:اعلم أنه لا حاكم إلا الله تعالى، ولا حكم إلا ما حكم به).

وقال سلطان العلماء العز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام):(وتفرد الإله بالطاعة، وكذلك لا حكم إلا له).

وحتى المعتزلة الذين قالوا بالتحسين والتقبيح العقليين، إنما قصدوا قدرة العقل على معرفة حكم الله من حيث العموم، وقبل نزول الشرائع، أما بعد نزول الشرع فلا يخالفون في هذا الأصل، وهو أن الله هو الحاكم لا شريك له، وأن العقل فقط كاشف عن حكم الله، ولا حكم له ألبتة.

2ـ كما قرر سبحانه وأخبر أنه لا شريك له في الحكم، وحذر من الإشراك به في الحكم، فقال جل جلاله(ما لهم من دونه من ولي ولا يشرك في حكمه أحدا)([214])، فهذا على سبيل الإخبار، وفي قراءة سبعية(ولا تشرك في حكمه أحدا)، وهذا على سبيل الأمر.

3ـ كما عد سبحانه وتعالى طاعة غيره في التشريع والتحليل والتحريم شركا به، فقال سبحانه في سورة الشورى وهي مكية(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)([215])، وهو استفهام استنكاري أن يكون هؤلاء الذين يشرعون لعباده من دونه دينا وطاعة لم يأذن الله بها شركاء له في ملكه وسلطانه وطاعته، وقال أيضا(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون)([216]).

وذلك أن قريشا قالت للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه كيف تأكلون ما ذبحتم بأيديكم، ولا تأكلون ما ذبحه الله لكم وهي الميتة؟ فنزلت الآية لتقرر أن حق التشريع المطلق، والتحليل والتحريم، هو لله وحده، وأن طاعة غيره في هذا الباب شرك به، وفاعله مشرك بالله، وهذا كله في مكة قبل الهجرة، مما يؤكد طبيعة الدعوة والخطاب في العهد المكي.

4ـ وحرم سبحانه التحاكم إلى غيره وعده طاغوتا، فقال (يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)([217])، وقال أيضا(الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)([218])، وقال سبحانه(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك نصيرا.الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)([219])، وقال أيضا(وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء نحن ولا آباؤنا ولا حرمنا من دونه من شيء كذلك فعل الذين من قبلهم فهل على الرسل إلا البلاغ المبين.ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)([220])، وقال جل جلاله(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله فلهم البشرى)([221]).

فثبت بهذه الآيات أن غاية الرسل كلهم أن يعبد الخلق الله وحده وأن يجتنبوا الطاغوت، ودل القرآن بأن الطاغوت في الآية يشمل كلا الطاغوتين طاغوت العبادة كالأوثان، وطاغوت الحكم كالملوك، وأن لكل طاغوت أولياؤه ومن يقاتلون دونه!

والطاغوت أصلها من طغى يطغى طغيا وطغيانا، فهو طاغ وطاغية وطاغوت، قال في لسان العرب:(طغى جاوز القدر وغلا في الكفر، وكل من تجاوز حده في العصيان فهو طاغ، (كذبت ثمود بطغواها)أي بطغيانها، وقوله(يؤمنون بالجبت والطاغوت).. الطاغوت كل معبود من دون الله جبت وطاغوت، والطاغوت الشيطان، والكاهن، وكل رأس في الضلال، ويكون للأصنام، ويكون من الجن والإنس، وقال ابن عباس:الجبت حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف اليهوديان، قال الأزهري:وهذا ليس خارجا عما قال أهل اللغة، فإذا اتبعوا أمرهما، فقد أطاعوهما من دون الله,والطواغي من طغى في الكفر وجاوز الحد وهم عظماؤهم وكبراؤهم، والطاغية ملك الروم، والجبار العنيد، والظالم الذي لا يبالي ما أتى، يأكل الناس، ويقهرهم، لا يثنيه تحرج ولا فرق)انتهى.

وقال ابن جرير الطبري في تفسيره(الطاغوت كل ذي طغيان على الله، فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود أو شيطانا أو وثنا أو صنما أو كائنا ما كان من شيء)أ هـ.

وفي النظر في معنى الطاغوت في اللغة يظهر جليا أنه يطلق على ثلاثة معان رئيسة هي:

1- كل معبود من دون الله، من صنم، ووثن، وحجر، وشجر، وقبر، كما تدل عليه أية سورة الزمر(والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها).

2- كل من يُتبع أو يُطاع من دون الله، وكل من يحكم بين الناس بغير حكم الله، من كاهن، وعالم، وراهب، وملك، ورئيس، كما تدل عليه آية النساء(يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به)، فقد نزلت في رجلين اختصما فقال أحدهما نتحاكم إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وقال الآخر بل نتحاكم إلى كعب بن الأشرف، فنزلت الآية، وهي عامة كما قال ابن كثير في تفسيره، فكل من جعل من نفسه حكما، يحكم بين الناس بغير حكم الله، فهو طاغوت، وقد جعل الله مجرد إرادة التحاكم إلى غيره كفرا، دع عنك التحاكم ذاته، وفي قوله تعالى(يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت) دلالة على أن من لا يريد التحاكم لغير الله ولا يرضاه لا يدخل في الوعيد الوارد في الآية، حتى لو حوكم قهرا لغير حكم الله كما هو حال الأمة اليوم.

3- كل جبار ظالم يقهر الناس ويسيطر عليهم بالقوة، كقيصر الروم، وكسرى الفرس، ومن على شاكلتهما، فهو طاغية وطاغوت، كما تدل عليه آية النساء الثانية(والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت)، فقد دعا الله في هذه الآية المؤمنين إلى الجهاد في سبيله، والجهاد في سبيل المستضعفين من الرجال، والنساء، والولدان، الذين يتعرضون للظلم، والاضطهاد في مكة، على يد طواغيتها، كأبي جهل فرعون هذه الأمة، ومن هو على شاكلته.

وقد دلت آية النحل على وروده في الأمرين جميعا في العبادة وفي التشريع، فقد احتج المشركون في مكة على النبي صلى الله عليه وسلم بالجبر، وبالقدر الكوني، فقالوا لو شاء الله ما عبدنا نحن وآباؤنا هذه الأصنام والأوثان، ولا أطعنا في التحريم والتحليل الرؤساء والكهان، فرد عليهم القرآن وكذبهم في دعواهم هذه، بأن كل الرسل إنما بعثهم الله ليدعوا الناس إلى عبادة الله وحده، وطاعته وحده، واجتناب الطاغوت كله، سواء طاغوت الدعاء والعبادة، أو طاغوت الحكم والطاعة، وهم قادرون على فعل هذا وهذا، فلم يأمرهم الله بالشرك به، ولا أجبرهم عليه، بل جعل لهم القدرة والإرادة والحرية في الاختيار، وأرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب لبيان صراطه المستقيم، وسبيله القويم، فلا حجة لهم بعد ذلك على الله.

فإذا كان الله عز وجل قد أكد ـ كما سبق بيانه في الأصل الأول ـ أنه هو خالق كل شيء، وأنه له الخلق والأمر، وهو الملك، وله الملك وحده، وليس له شريك في الملك، وإذا كان هو الرب، ورب العالمين، ولا رب سواه، والسيد الذي لا يسأل عما يفعل وهم يسألون، وإذا كان هو وحده الذي له الحكم، ولا يشرك في حكمه أحدا، فماذا بقي لملوك الأرض معه؟وعلى أي أساس يدعون الملك؟وبأي حق يحكمون الناس؟وكيف يتحاكم لهم العباد؟

إنه لا يتصور أن يقرر القرآن كل هذه الحقائق، ثم يقرر مشروعية وجود الملوك، ويسوغ سلطتهم على العباد، كيف وقد ثبت أن قيام الملك العضوض، والملك الجبري، ما هو إلا انحراف عن هدي النبوة والخلافة الراشدة، ومخالفة لما جاء به الإسلام من أصول عقائدية وعملية، واتباع لسنن القياصرة والأكاسرة؟

لقد جاء الإسلام بالخلافة، والشورى، ليهدم الملك والاستبداد، والظلم والاستعباد، وليبطل سنن كسرى وقيصر، وليحرر الخلق كافة من عبوديتهم، وعبادتهم، وطاعتهم، وجورهم وظلمهم، وليقيم لهم دولة العدل والقسط، والعلم والحق، والمساواة والحرية، والرحمة والإنسانية.

فكيف تصرف العقول عن كل هذه الحقائق العقائدية الإيمانية، التي هي من أوضح الواضحات!

وقد قال ابن القيم ـ في مثل هذا وأسبابه، ووقوع المسلمين في الشرك مع أن القرآن مملوء بالآيات المحكمات في التحذير من الشرك ـ:(أكثر الناس لا يشعر بدخول الواقع تحته، ويظنه في قوم قد خلوا، ولم يعقبوا وارثا، وهذا هو الذي يحول بين القلب وفهم القرآن، ولعمر الله إن كان أولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم أو شر منهم أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك، كما قال عمر بن الخطاب:إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة، إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية، وهذا لأنه إذا لم يعرف الشرك، وما عابه القرآن، وما ذمه، وقع فيه، وأقره، وهو لا يعرف أنه الذي كان عليه أهل الجاهلية)أ.هـ([222]).

الأصل الثاني: توحيد الإنسانية وتكريم البشرية واستخلافهم في الأرض:

وهذا هو الأصل الثاني من أصول الخطاب السياسي القرآني، فبعد الدعوة لتوحيد الله وحده لا شريك له في كل ما يجب له، ثنى بالإنسان، وبيّن حقيقة وجوده، والغاية منها، ومكانته في الوجود، ومهمته، وعلاقته بالله، وبالأرض، وبمجتمعه، وبأخيه الإنسان، وقد جاء تقرير هذا الأصل، وتكرير تأكيده في آيات كثيرة، على أنحاء مختلفة، ومن ذلك:

1- تأكيد القرآن أن جنس الإنسان خليفة لله في الأرض، كما قال تعالى(إني جاعل في الأرض خليفة)([223])، وفي هذا اختصاص للنوع الإنساني باستعمار الأرض وإصلاحها، كما قال تعالى(هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها)([224]).

2- وأثبت أن الإنسانية كلها من أصل واحد، ومن أب واحد وأم واحدة، وأنه لا فرق بين الذكر والأنثى، فقال تعالى(هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن إليها).([225])

3- وأكد أن المقصود من جعل الناس شعوبا وقبائل ليتعارفوا ويتآلفوا، ويتعاونوا على البر والتقوى ولا يتعاونوا على الإثم والعدوان، فقال سبحانه (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).([226])

4- كما أكد تكريم الله للإنسان، فقال(ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا).([227])

5-وأكد أنه لا فرق بين أمة وأمة، وجنس وجنس، ولون ولون، فلا فرق بين أبيض وأسود، ولا عربي وعجمي، ولا ذكر وأنثى، إلا بالتقوى، وأن الناس سواسية كأسنان المشط، كما ثبت ذلك كله أيضا في الخطاب النبوي.

6- وقرر حرمة النفس البشرية وحرمة الاعتداء عليها، وأن من قتل نفسا واحدة كمثل من قتل الناس جميعا، ومن أحياها كمثل من أحيا الناس جميعا، فقال تعالى(من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا)([228]).

7- ووعد الله عباده المؤمنين المصلحين بالاستخلاف الخاص في الأرض فقال سبحانه(وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا)([229]).

فأخبرت هذه الآية، وأكد هذا القول الصدق والوعد الحق، أن الاستخلاف الخاص هو للمؤمنين كافة، كما جاء الوعد بأن الأرض ستكون لهم، فقال سبحانه (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)([230])، وجاء في الحديث الصحيح (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها)([231])، فجعل الأرض التي دخلت الإسلام ملكا لأمته كلها.

وكل هذه الحقائق القرآنية التي تؤكد استخلاف الله للإنسان في الأرض، وتؤكد تكريم الله له، وأن الإنسانية كلها من أصل واحد، وأن الغاية من خلقهم شعوبا وقبائل ليتعارفوا، ويتعاونوا ويتآلفوا، ويعمروا الأرض، كل ذلك جاء به الخطاب القرآني ليهدم القيم الجاهلية التي كانت وما زالت تقوم عليها المجتمعات البشرية، كالطبقية، والعصبية، والقومية، والعنصرية، واستعباد الأقوياء للضعفاء، واستغلال الأغنياء للفقراء، واحتقار الرجال للنساء، إلى غير ذلك من المفاهيم الجاهلية التي يستعبد فيها الإنسان أخاه الإنسان، ظلما وعدوانا، بسبب الانحراف عما جاء به الأنبياء الذين دعوا الأمم إلى الأخوة الإنسانية والمساواة، وإلى الرحمة والعدل والمواساة.

لقد كان المجتمع العربي الجاهلي من أكثر المجتمعات طبقية، فكان القوي يأكل الضعيف، والأشراف يحتقرون السوقة والعامة، ويملك الرجل المرأة، ويأكلون مال اليتيم، ولا يحاضون على طعام المسكين، ويأكلون التراث أكلا لما، ويحبون المال حبا جما، فجاء القرآن ليهدم كل هذه القيم الجاهلية، وليؤكد أن الجميع أخوة في الإنسانية، من أب واحد، وأم واحدة، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى، والعمل الصالح، هذه القيم الإنسانية التي لخصها زهرة الجشمي لرستم الفرس قبل معركة القادسية، حين سأله عن الرسالة التي يحملونها للناس، وما الذي جاء بهم من جزيرتهم، وإلى ما مايدعونهم؟فقال له زهرة:(شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء من عند الله، وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، والناس بنو آدم وحواء، أخوة لأب وأم، وأنكم إن أسلمتم كان لكم ما لنا، وعليكم ما علينا، ولا ندخل أرضكم إلا لتجارة، أو لحاجة).([232])

إنها دعوة إلى توحيد الله وحده لا شريك له، وتحرير الأمم من عبادة الملوك ورجال الدين وكل ما يعبد أو يرهب ويخشى من دون الله، وتوحيد الإنسانية كلها لأنها من أصل واحد، ولاشك بأن هذا الأصل العقائدي الذي أعاد للإنسان مكانته، كخليفة لله في الأرض، واستعاد به هويته الإنسانية، التي فطره الله عليها، فانحرف عنها بسبب ظلم الإنسان لأخيه الإنسان، سيكون له أكبر الأثر في الخطاب السياسي الإسلامي، وسيتجلى ذلك في أصوله العملية، وقواعده التشريعية، وأحكامه الفقهية، كما سيأتي معنا.

وسيتجلى مفهوم الاستخلاف في الخطاب السياسي التشريعي، حيث ستكون الخلافة هي النظام الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية، وليس الملك والوراثة الجبرية، ولا الغصب والسلطة القهرية.

لقد كانت الطبقية إحدى أشد الإشكاليات التي كانت تعاني منها المجتمعات الإنسانية، وكانت الأمم ومازالت يستطيل بعضها على بعض، ويسخر بعضها بعضا، وكذا الفئات والطبقات في المجتمع الواحد، فلكل فئة طبقتها الاجتماعية التي تمتاز بها على من دونها من الفئات، وكذا كان أهل الأديان والملل والنحل، يستطيل بعضهم على بعض، ويظلم بعضهم بعضا، كما كانت الطبقية بسبب الجنس واللون شائعة في الأمم السالفة وما زالت، فكان الأبيض يحتقر الأسود، وجنس الرجل يحتقر جنس المرأة، وكانوا يتصورون أنها مخلوق شيطاني لا بشري!

وكان من أوضح صور الطبقية الاجتماعية والسياسية التي قصها القرآن ما كان من شأن فرعون مع بني إسرائيل، كما في قوله تعالى(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين).([233])

كما كان بنو إسرائيل بعد ذلك يستطيلون على الأمم بدينهم وأنبيائهم، وكانوا يحتقرون الأمم والأديان الأخرى، ويستحلون أكل أموالهم بالباطل، ويعتقدون أنهم شعب الله المختار الذي اصطفاهم على الناس، وقد حكى القرآن أنهم (ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأميين سبيل ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون).([234])

وكان السادة والملأ في مكة يحتقرون الضعفاء والفقراء، ولهذا قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم يسخرون به (لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم)([235])، أي مكة والطائف، فصدتهم العصبية الطبقية عن اتباع الحق!

وحكى القرآن عن العرب أنهم (إذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم.يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون).([236])

فجاء الإسلام ليهدم ذلك كله، وليعيد للإنسانية لحمتها، وأخوتها، وهويتها، وكرامتها، كما جاء في الحديث(إن الله قد أذهب عنكم عبّيّة الجاهلية، وفخرها بالآباء، أنتم بنو آدم وآدم من تراب)([237])، وقال(لا فضل لعربي على أعجمي ولا لأبيض على أسود إلا بالتقوى) ([238])، وقال(إن الله أوحى إلي أن تواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد).([239])

لقد كان الإسلام دعوة سماوية للمساواة والعدل والأخوة والمحبة ونصرة المستضعفين، وقد أدرك هرقل قيصر الروم صدق هذه الرسالة بمضمونها وما جاءت به وما دعت إليه، كما في قصته مع أبي سفيان حين سأله في الشام عن النبي محمد وعن دعوته وخُلقه وحال أتباعه، فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس (أن أبا سفيان بن حرب أخبره أن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشأم في المدة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ماد فيها أبا سفيان وكفار قريش ـ أي صلح الحديبية سنة ست للهجرة ـ فأتوه وهم بإيلياء ـ القدس ـ فدعاهم في مجلسه وحوله عظماء الروم ثم دعاهم ودعا بترجمانه فقال:أيكم أقرب نسبا بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ فقال أبو سفيان فقلت أنا أقربهم نسبا! فقال أدنوه مني وقربوا أصحابه فاجعلوهم عند ظهره، ثم قال لترجمانه قل لهم إني سائل عن هذا الرجل فإن كذبني فكذبوه، قال أبو سفيان فوالله لولا الحياء من أن يأثروا علي كذبا لكذبت عنه!ثم كان أول ما سألني عنه أن قال كيف نسبه فيكم؟ قلت هو فينا ذو نسب، قال فهل قال هذا القول منكم أحد قط قبله؟ قلت لا .قال فهل كان من آبائه من ملك ؟ قلت لا .قال فأشراف الناس يتبعونه أم ضعفاؤهم؟ فقلت بل ضعفاؤهم .قال أيزيدون أم ينقصون؟ قلت بل يزيدون .قال فهل يرتد أحد منهم سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت لا.قال فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا. قال فهل يغدر؟ قلت لا ونحن منه في مدة لا ندري ما هو فاعل فيها! قال أبو سفيان: ولم تمكني كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه الكلمة. قال فهل قاتلتموه؟قلت نعم .قال فكيف كان قتالكم إياه ؟ قلت الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه .قال ماذا يأمركم ؟ قلت يقول اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئا واتركوا ما يقول آباؤكم ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة.فقال للترجمان قل له سألتك عن نسبه فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تبعث في نسب قومها.وسألتك هل قال أحد منكم هذا القول فذكرت أن لا فقلت لو كان أحد قال هذا القول قبله لقلت رجل يأتسي بقول قيل قبله.وسألتك هل كان من آبائه من ملك، فذكرت أن لا، قلت فلو كان من آبائه من ملك قلت رجل يطلب ملك أبيه.وسألتك هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال فذكرت أن لا، فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله.وسألتك أشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم فذكرت أن ضعفاؤهم اتبعوه وهم أتباع الرسل، وسألتك أيزيدون أم ينقصون، فذكرت أنهم يزيدون وكذلك أمر الإيمان حتى يتم. وسألتك أيرتد أحد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه فذكرت أن لا، وكذلك الإيمان حين تخالط بشاشته القلوب.وسألتك هل يغدر فذكرت أن لا وكذلك الرسل لا تغدر.وسألتك بما يأمركم فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج لم أكن أظن أنه منكم، فلو أني أعلم حتى أخلص إليه لتجشمت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدمه .ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى فدفعه إلى هرقل فقرأه فإذا فيه(بسم الله الرحمن الرحيم من محمد عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين و{يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون} قال أبو سفيان فلما قال ما قال وفرغ من قراءة الكتاب كثر عنده الصخب، وارتفعت الأصوات، وأخرجنا فقلت لأصحابي حين أخرجنا لقد أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر! فما زلت موقنا أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام)([240]).

الأصل الثالث: تحرير الإنسانية وتجريد العبودية :

فلم يقتصر الخطاب القرآني على الدعوة إلى توحيد الله وحده لا شريك له، واعتقاد وحدانيته فيما يجب له ـ كما بيناه في الأصل الأول الذي هو خاص فيما يجب لله ـ بل دعا أيضا إلى تحقيق الحرية الإنسانية، وتحرير الإنسان من كل صور العبودية لغير الله، وجعل ذلك غاية شرعية في حد ذاتها، بل جعل الحرية من أشرف مقاصد كلمة التوحيد(لا إله إلا الله)، فالعبودية إنما هي لله وحده، ثم الخلق بعد ذلك أحرار مع من سواه، فالخضوع، والطاعة، والرغبة، والرهبة، والتذلل، كل ذلك لله وحده الذي له الخلق، والملك، والأمر، والحكم، كما قال(ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)([241])، وقد فسر النبي صلى الله عليه وسلم معنى الربوبية هنا بطاعة الرؤساء والأحبار والرهبان والخضوع لهم، وجاء في الحديث(إنما السيد الله)([242])، فهو الذي له وحده السيادة المطلقة.

فإذا كان السيد هو الله، وهو الملك، والرب، والحاكم ـ كما سبق بيانه في الأصل الأول ـ فليس للخلق على بعضهم سيادة، ولا طاعة، ولا حكم، ولا خضوع، ولا سلطة، إلا بإذن الله، بل حتى الرسل ليس لهم طاعة إلا بإذن الله، كما قال تعالى (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله)، وهذا هو معنى الحرية الإنسانية، وقد تقرر في الشريعة قاعدة(الأصل في الإنسان الحرية)([243])، وأما الرق فهو طارئ يجب العمل على التخلص منه، إذ أكثر الأحكام الشرعية وأجلها وأشرفها منوطة بالحرية، كالإمامة العامة، والجهاد، والجمعة، والجماعة، والحج، والزكاة، فكلها يشترط في وجوبها الحرية، وتسقط في حال العبودية والاسترقاق، ولهذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتحرير رقيق العرب، فقام عمر في خلافته سنة 17هـ بتحرير كل عربي تم استرقاقه في الجاهلية، ودفع ثمن ذلك من بيت المال([244])، فكان العرب أول أمة في التاريخ الإنساني تتخلص من الرق بشكل نهائي، ومن جميع أشكاله وصوره، وتحققت فيهم الحرية بنوعيها:

1- الحرية المعنوية بالعبودية لله وحده لا شريك له، التي يشترك فيها الجميع الأحرار والرقيق.

2- والحرية الصورية بالتخلص من الرق كله بالنسبة للعرب، فلم يبق فيهم عبد ولا رقيق منذ عهد عمر، وإنما بقي الرقيق من غير العرب لسببين هما:

1- أن العربي يرجع بعد تحريره إلى عشيرة وأصل وعصبية تقوم به، وتعينه على الاستقلال بنفسه، والقيام بمصالحه، وتوفير المال له، وتزويجه، فلا يواجه مشكلة في الاندماج بالمجتمع، والانصهار به، أما الرقيق من غير العرب فقد يكون تحريرهم دفعة واحدة ضررا عليهم، إذ لا يرجعون إلى أصل وعشيرة تقوم بهم، ولا يجدون من المال ما يستقلون به، فكان بقاؤهم مع مواليهم في صالحهم، حتى إذا قدروا على الاستقلال وكسب المال، وأرادوا عتق أنفسهم كان السبيل أمامهم مفتوحا بالمكاتبة، إذ كان بعض العرب في الجاهلية يملكون من الرقيق والعبيد المئات بل الآلاف، وقد لا يستطيع بعض الرقيق أن يستغني عن مواليه، ولا يقدر على الاستقلال بنفسه، إذ لن يكون أحد مسئولا عن القيام به عند تحريره، إذ لا عشيرة له ولا عصبية، فيكون عبئا على المجتمع، وقد يكون بقاؤه معهم أرفق به وأوفق، ثم جعل الشارع بعد ذلك الولاء لحمة كلحمة النسب، فكل من أعتق رقيقا صار مولى له، ليندمج الرقيق بعد تحريرهم مع مواليهم، وتكون بينهم علاقة كعلاقة النسب.

2- ولكون الأمم الأخرى تسترق أسراها في الحروب، فكان العرب الفاتحون يعاملونهم بالمثل إذ الاسترقاق أهون من القتل، ومع ذلك جعلت الشريعة تحرير الرقيق عموما من أفضل القربات، وكفارة للمحظورات، سواء كان الرقيق مسلمين أو غير مسلمين، ككفارة الظهار، والقتل، والحنث بالحلف، بل لقد جعل الله تحرير الإنسان كإحيائه من الموت، كما قال تعالى(ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة) ([245])، فكأن من حرر إنسانا فقد أحياه، كما أمر القرآن بتحريرهم من بيت مال المسلمين، كما في قوله تعالى في مصارف الزكاة (إنما الصدقات للفقراء والمساكين ..وفي الرقاب) ([246])، أي في اعتاق الرقيق وتحريرهم، وأوجب على السادة مكاتبة من يريد فداء نفسه منهم، ومساعدتهم بالمال، كي يتحرر من الرق، كما قال تعالى(وكاتبوهم إن علمتم فيهم خيرا وآتوهم من مال الله الذي آتاكم)([247])، وقد ثبت بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه أنه كان يوجب على السيد مكاتبة رقيقه إذا طلب المكاتبة، ويضرب من يأبى ذلك منهم، كما فعل مع أنس بن مالك حين أبى أن يكاتب رقيقه.([248])

وكل ذلك يؤكد مدى عناية الشريعة بحرية الإنسان وتحريره من كل أشكال العبودية لغير الله تحريرا ماديا ومعنويا، ولهذا قال عمر كلمته الخالدة دفاعا عن قبطي مسيحي ظلمه بعض الأمراء(متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارا) ([249])، فسمى عمر الظلم استعبادا، مع أن القبطي لم يكن عبدا ولا رقيقا، بل كان حرا إلا أن استذلاله وظلمه استعباد معنوي له، فالعرب تسمي كل تذلل وخضوع للغير عبودية، وإن كان الخاضع لغيره حرا في نفسه، إذ هي حرية صورية شكلية لا قيمة لها، وإنما قيمة الحرية حين يعيش الإنسان عزيزا كريما لا يخاف ظلما ولا هضما، ولهذا قال ربعي بن عامر لرستم(إن الله بعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد)([250])، ومعنى عبادة العباد أي الخضوع والطاعة للملوك والرؤساء والأحبار والرهبان، ومنه قول موسى لفرعون(وتلك نعمة تمنها علي أن عبّدت بني إسرائيل) ([251])، ولم يكن بنو إسرائيل رقيقا لفرعون، بل كانوا أحرارا غير أنهم لما كانوا خاضعين لحكمه، مستسلمين لظلمه، صدق عليهم أنهم عبيد لا أحرار، بل جعل الإسلام هذه الحرية المعنوية من أصول الدين وقطعياته فلا عبودية إلا لله، ولا سيادة إلا لله، ولا طاعة إلا لله، ولا خضوع ولا تذلل إلا له وحده، بينما جعل العبودية الصورية الشكلية وهي الاسترقاق من فروع الأحكام الفقهية، وذلك لعظم خطر الحرية المعنوية، وشدة أثرها على النفس البشرية، وخطورتها على المجتمعات الإنسانية.

لقد كان الرقيق في عهد عمر أكثر حرية من أحرار اليوم، حيث تحققت فيهم الحرية المعنوية وبقيت الحرية الصورية، بينما أحرار اليوم ـ عبيد بلا أغلال ـ يفتقدون الحرية المعنوية الحقيقية التي سلبهم إياها الملوك والطغاة، ولهذا كانت عناية القرآن بتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية المعنوية لغير الله كالخشية، والخوف، والرغبة، والرهبة، والطاعة، والتذلل، والخضوع، أشد من عنايته بالحرية الصورية التي يفتقدها الرقيق، إذ هذه فرع، وتلك أصل، فتحرير الإنسان من العبودية والخضوع والتذلل لغير الله ـ كالعبودية للملوك والرؤساء، أو العبودية للرهبان والعلماء ـ من أصول الدين بل أشرف غاياته، وهو أساس التوحيد الذي جاء الرسل لتحقيقه، أما تحريره من الرق فمن فروع الدين من أجل كمال التوحيد حتى تكون عبودية الإنسان خالصة لله في المعنى والصورة، ولا تكون كذلك حتى تزول كل أشكال عبودية الإنسان للإنسان، وتزول كل سيادة للإنسان على أخيه الإنسان، فلا سيد إلا الله وحده، والخلق أحرار مع من سواه، وكلما ارتفعوا في مقام العبودية لله، اتسعت دائرة الحرية فيما بينهم، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أخلص الخلق وأشدهم عبودية لله، وبهذا وصفه القرآن كما في قوله تعالى(سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى)([252])، وقال (وأنه لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدا)([253])، فسماه عبد الله، لأنه أكملهم تحررا من الخضوع لغير الله، وأكملهم حرية مع من سواه.

وقد جعل الإسلام الحرية بجميع صورها حقا محفوظا، بل واجبا مفروضا، ومن ذلك حرية الكلمة وإبداء الرأي، فقد بايع النبي صلى الله عليه وسلم الأنصار في العقبة قبل الهجرة على(أن نقول الحق حيثما كنا لا نخاف في الله لومة لائم)([254])، وقال في شأن من انتقد النبي صلى الله عليه وسلم علانية(دعوه فإن لصاحب الحق مقالا) ([255])، ليؤكد بذلك مبدأ حرية الكلمة، وحرية نقد السلطة، هذه الحرية التي تعد حجر الأساس لجميع أنواع الحريات الإنسانية، بل لقد جعل النبي قول كلمة الحق أفضل أنواع الجهاد في سبيل الله فقال:(أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر)([256])، وجعل العمل السياسي، والاهتمام بشؤون الأمة، ونقد السلطة وتقويمها، كل ذلك من الدين فقال:(الدين النصيحة:لله، ولكتابه، ولرسوله، وللأئمة المسلمين، وعامتهم)([257]).

وليست النصيحة هنا الكلمة التي يقولها الإنسان لصاحبه وهو يعظه ـ وهو المعنى العرفي الشائع في الاستعمال ـ بل النصيحة في لغة العرب هي الإخلاص، والاجتهاد، وبذل الوسع في القيام بالأمر، والصدق والوضوح بالقول والفعل، فالنصيحة لله هي بالإخلاص له بعبادته وطاعته وحده لا شريك له، والنصيحة لرسوله بإخلاص متابعته والاقتداء به، والإخلاص لكتابه بالعمل بما فيه، والتزام أوامره ونواهيه، والنصيحة للأئمة المسلمين وعامتهم هي الإخلاص لهم، والصدق معهم، في بذل الوسع في إرشادهم، ومشاركتهم في الرأي، والاجتهاد في أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، والتصدي لظلمهم، والأخذ على أيديهم، وأطرهم على الحق أطرا، وصدعهم بالحق صدعا، والصدق معهم في القول والعمل، والقيام بكل ما أوجب الله على المؤمن القيام به تجاههم، كما أمر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم في الأحاديث الصحيحة، فنصرة المظلوم، وإغاثة الملهوف، وتفريج المكروب، كل ذلك من النصيحة والإخلاص لعامة المسلمين، التي هي الدين كما جاء في هذا الحديث.

كما قرر الإسلام الحرية السياسية، وجعل الله سبحانه وتعالى حق اختيار السلطة للأمة يحرم مصادرته أو اغتصابه إياها، كما في قوله تعالى(وأمرهم شورى بينهم)([258])، وقال عمر(الإمارة شورى بين المسلمين) ([259])، وقال علي(أيها الناس إنما الأمير من أمّرتموه)([260])، وقد أجمع الصحابة على هذا الأصل الذي يؤكد الحرية السياسية في مشاركة الأمة في اختيار السلطة، كما قرر القرآن حق الأمة في مشاركة السلطة بعد اختيارها في اتخاذ القرار، وأنه ليس للسلطة أن تقطع أمرا دون الأمة كما قال تعالى(وشاورهم في الأمر).([261])

وإن ما تعيشه الأمة اليوم، والعرب على وجه الخصوص، هو أشد وأسوء صور العبودية المعنوية للملوك والرؤساء الطغاة، الذين يظلمونهم ويذلونهم، وعلماء السوء الذين يضلونهم ويزلونهم!

هذه العبودية التي تغتال كرامة الإنسان وحريته، وتصادر حقوقه، وتنتقص إنسانيته، ليصبح العرب أطوع الشعوب للاستبداد الداخلي، وأسرعهم قابلية للاستعمار الخارجي، بعد أن استمرؤوا الذل، واعتادوا الظلم!فهم اليوم في عبودية أشد من عبودية بني إسرائيل لفرعون، فقد ضربت عليهم الذلة في كل بلد، وصار أربعمائة مليون عربي يباعون في أسواق النخاسة الدولية دون أن يحركوا ساكنا، أو يدفعوا باطلا، أو ينصروا حقا، أو ينكئوا عدوا، فلا يستطيعون حراكا، ولا يبدون عراكا، فهم أحوج إلى التحرير من العبودية لغير الله ـ الذي هو غاية كلمة التوحيد ـ منهم إلى إقامة أحكام الشريعة، التي تسقط كثير من أحكامها عن الإنسان إذا فقد حريته الصورية، فكيف إذا فقد حريته المعنوية؟!

لقد صار شأن العرب اليوم وحالهم، كحال بني إسرائيل تحت حكم فرعون، فقد كان أقصى أماني موسى فيهم أن يحررهم من فرعون وطغيانه، كي يعبدوا الله وحده!

لقد جعل القرآن هذا التحرير المعنوي غاية التوحيد وأصل الدين كما في قوله تعالى(قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله)([262])، وهذه الربوبية فسرها القرآن بالطاعة والخضوع لغير الله كما في قوله(اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا أن يعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون)([263])، ومعلوم أنهم لم يعبدوا أحبارهم ورهبانهم بالمعنى العرفي للعبادة، وإنما أطاعوهم وخضعوا لسلطانهم الديني برضاهم واختيارهم دون إكراه، فكان ذلك الخضوع الطوعي هو عبادتهم واتخاذهم أربابا، وهكذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم لعدي بن حاتم عندما قال(يارسول الله إننا لم نعبدهم)فقال النبي صلى الله عليه وسلم(ألم يكن يحرمون عليكم الحلال ويحلون لكم الحرام فتطيعوهم؟)قال بلى! فقال النبي صلى الله عليه وسلم(فتلك عبادتهم).([264])

قال ابن كثير في تفسير اللآية:(قال حذيفة بن اليمان وابن عباس وغيرهما في تفسير الآية:إنهم اتبعوهم فيما حللوا وحرموا...ولهذا قال تعالى (وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو) أي الذي إذا حرم الشيء فهو الحرام، وما أحله فهو الحلال، وما شرعه اتبع، وما حكم به نفذ)أ.هـ.

لقد كان أهل الكتاب عبيدا ـ باختيارهم ـ لأحبارهم ورهبانهم، الذين صاروا أربابا لخضوع الناس لسلطانهم الروحي، دون أن يشعر أهل الكتاب بهذه العبودية المعنوية، التي هي من الشرك بالله، الذي حرمه الإسلام تحريما قاطعا لمناقضته للتوحيد، وهو إفراد الله وحده بالطاعة والخضوع، وهذا أيضا هو معنى ربوبية فرعون الذي قال(أنا ربكم الأعلى) ([265])، أي أنا السيد الذي له عليكم حق الطاعة المطلقة والخضوع المطلق، وذلك لسلطانه الدنيوي والمادي، والعرب تطلق على السيد اسم الرب كما قال الحارث بن حلزة اليشكري في معلقته في شأن ملك الحيرة:

وهو الربُّ والشهيد على يو م الحيارين والبلاءُ بلاءُ

وكما قال امرؤ القيس حين قتل بنو أسد أباه وكان سيدهم:

أتاني حديث فكذبته بأمر تزعزع منه القلل

بقتل بني أسد ربهم ألا كل شيء سواه جلل

فأين ربيعة عن ربها وأين تميم وأين الخـول

ولهذا قال فرعون ليثبت ربوبيته هذه(أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي)([266])، فظن فرعون أن كون ملك مصر له يجعل له حق الطاعة المطلقة على الشعب المصري، وقد سمى القرآن تلك الدعوة الفرعونية ربوبية وإلهية، كما في قوله لموسى(لأن اتخذت إلها غيري لأجعلنك من المسجونين)([267])، (وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري...واستكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق)([268])، وقال في تحريض الملأ فرعون على موسى (قال الملأ من قوم فرعون أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض ويذرك وآلهتك قال سنقتل أبناءهم ونستحيي نساءهم وإنا فوقهم قاهرون.قال موسى لقومه استعينوا بالله واصبروا إن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين.قالوا أوذينا من قبل أن تأتينا ومن بعد ما جئتنا قال عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تفعلون)([269])، وقال في شأن فرعون وقومه(فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون) ([270]).

ومعلوم أن فرعون لم يطلب من موسى إلا طاعته وعدم معارضته، لا عبادته بالمفهوم الاصطلاحي لمعنى العبادة، فقد كان بنو إسرائيل في مصر على دين إبراهيم وإسحاق ويعقوب، ولم يكونوا يعبدون فرعون، فقول الملأ (وقومهم لنا عابدون)أي بخضوعهم لسلطان فرعون، وطاعتهم له، وكذا أهل مصر كانت لهم أوثانهم، ودياناتهم، ومعابدهم، وإنما كانت ربوبية فرعون وإلهيته التي ادعاها لنفسه هي ما فرضه على الناس من الطاعة المطلقة له، وعدم معارضته، واستبداده بالأمر، واستذلاله لشعب مصر.

وقد قرأ ابن عباس الآية (ويذرك وإلاهتك)، قال في لسان العرب:(أي يذرك وعبادتك، قال ثعلب:إن فرعون كان يُعبد ولا يَعبد، وعلى هذا فهو ذو إلاهة، لا ذو آلهة، قال ابن بري:ويقوي قول ابن عباس قول فرعون(أنا ربكم الأعلى)وقوله(ما علمت لكم من إله غيري))أ.هـ.

فالآية جاءت بقراءتين الأولى (ويذرك وآلهتك)وهي تدل على أن فرعون كان يعبد آلهة أخرى من دون الله هو وقومه، فقوله لقومه في الآية الأخرى(ما علمت لكم من إله غير)، وقوله لموسى(لئن اتخذت إلها غيري لأجعنك من المسجونين)، أي ما علمت لكم من رب وسيد يستحق الطاعة غيري، وكل متبوع يطاع من دون الله هو إله عند من اتبعه.

فلا تعارض بين قولهم له(ويذرك وآلهتك)وقوله(ما علمت لكم من إله غيري).

وكذلك القراءة الثانية التي قرأها ابن عباس(ويذرك وإلاهتك)أي تألهك واستحقاقك للاتباع والطاعة المطلقة، فهي موافقة لقوله(ما علمت لكم من إله غيري).

والعبودية المذكورة في الآية هي الخضوع والطاعة، قال في لسان العرب:(أصل العبودية:الخضوع والتذلل ...وعبد الطاغوت:أي أطاعه، (وإياك نعبد) أي نطيع الطاعة التي يُخضع معها، ومعنى العبادة في اللغة:الطاعة مع الخضوع، وقوله(وقومهما لنا عابدون)أي دائنون، وكل من دان لملك فهو عابد له، وفلان عابد أي خاضع، وقوله(اعبدوا ربكم)أي أطيعوا ربكم، والتعبد الاستعباد، أن يتخذه عبدا، ومنه قول الشاعر :

تعبدني نمر بن سعد وقد أرى ونمر بن سعد لي مطيع ومهطع)أهـ .

وكل من يخضع له الناس ويطيعونه، رغبة ورهبة، سواء كان خضوعهم له جبرا وقهرا كالملوك، أو طوعا واختيارا كرجال الدين، فقد تأله وصار إلهاً من دون الله، قال في لسان العرب:(أله:الإله:الله، وكل ما اتخذ معبودا من دونه فهو إله عند متخذه....وأصل إله:ولاه، لأن الخلق يولهون إليه في حوائجهم، ويضرعون إليه فيما يصيبهم، ويفزعون إليه في كل ما ينوبهم)أ.هـ.

وكل من تابع هوى نفسه، لا يحل ولا يحرم إلا ما يهواه، فقد عبد هواه، واتخذه إلها من دون الله، وأشرك به فيه، كما قال تعالى(أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا)([271])، وقال سبحانه(أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم).([272])

ومما يؤكد أن المقصود باتخاذه الهوى إلها هو طاعته واتباعه، قوله تعالى(ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)([273]).

وقال ابن عباس(الهوى إله معبود من دون الله)([274])، وهذا معنى الحديث الصحيح (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة)([275]).

وقد صدق على فرعون أنه جعل من نفسه ربا وإلها، بسلطانه ونفوذه الدنيوي، وصدق على أهل مصر وبني إسرائيل أنهم جعلوا من أنفسهم عبيدا لخضوعهم لفرعون وطاعتهم المطلقة له، كما في قول موسى له:(وتلك نعمة تمنّها علي أن عبّدت بني إسرائيل).

ومعنى تعبيد بني إسرائيل لفرعون في هذه الآية أي إخضاعهم لسلطانه، واستذلالهم لطغيانه، هذا إذا كان مراد موسى هو الاستفهام الاستنكاري فهو ينكر على فرعون ادعاءه أنه أكرمه بتربيته إياه في قصره ما دام قد ظلم قوم موسى، واستذلهم، واستعبدهم مع كونهم أحرارا، وحذف همزة الاستفهام أسلوب قرآني شائع في لغة العرب فأصلها(أو تلك نعمة تمنها علي؟!).

وإن كان المراد في الآية الإخبار لا الإنكار، فالمعنى:وهذه نعمة تمنها يا فرعون علي إذا تركت بني إسرائيل أحرارا وشأنهم، يذهبون حيث شاءوا، ليصبحوا عبيدا لله وحده لا سلطان لك عليهم، ولا طاعة عليهم لك، إذ لا يمكن أن يكونوا عبيدا لله، وعبيدا لفرعون في آن واحد، إذ الله يريد منهم الطاعة ليشرع لهم ويحل ويحرم، والملك يريد منهم الطاعة ليشرع لهم ويحل لهم ويحرم، فكان أقصى أماني موسى أن يرسلهم فرعون، ويدعهم وشأنهم ليعبدوا الله وحده، ويطيعوه وحده.

وكذا صدق على الأحبار والرهبان أنهم صاروا أربابا وآلهة لسلطانهم الديني على نفوس أتباعهم، وصدق على أهل الكتاب أنهم صاروا عبيدا لهم بطاعتهم والخضوع لهم حتى وإن كان خضوعا طوعيا اختياريا!

وإذا كانت العبودية تناقض الحرية، فالقرآن إذن إنما جاء لتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية للإنسان، ومن كل صور العبودية لغير الله، سواء العبودية للملوك والرؤساء، أو السادة والعلماء، أو الشهوات والأهواء، وذلك بإخلاص التوحيد ـ الذي يقتضي الحرية ـ لله وحده.

وقد قالت أم مريم (ربي إني نذرت لك ما في بطني محررا)([276])، أي موحدا، ومخلصا لك في طاعته، وعبوديته، وتوحيده، وإنما أرادت أن تجعل المولود خادما لله وحده في المعبد، لا يخدم أحدا، ولا يشتغل بطاعة أحد، ولا يخضع لجلال أحد من البشر، بل يقصر طاعته لله وحده، فقالت(محررا)، فجعلت التحرير نظير التوحيد، فالحرية هنا تعني التوحيد الخالص لله.

ومما يرسخ مفهوم الحرية الإنسانية الذي جاء به القرآن قوله تعالى(لا إكراه في الدين) ([277])، والدين هنا بمعنى الطاعة والخضوع، فلا إكراه في طاعة الله وعبادته في الإسلام، بل الطاعة قائمة على أساس الحرية لا الإكراه، وإذا كان الله جل جلاله لم يرض من عباده أن يطيعوه أو يعبدوه أو يوحدوه كرها، فكيف يسوغ للملوك والرؤساء أن يجبروا الناس على طاعتهم والخضوع لسلطانهم بالإكراه دون رضاهم؟

وكيف تأتي الشريعة العملية بما يتناقض مع الأصول العقائدية؟!

والعرب تطلق الدين وتريد به الطاعة كما في قول عمرو بن كلثوم:

وأيـام لنـا غـر طــوال

عصينا الملك فيها أن (ندينا)

إذا ما الملك سام الناس خسفا

أبينا أن نقر الخسف فينا

وقال سعد بن ناشب المازني :

فلا تـوعـدنا يابـلال فـإننـا

وإن نحن لم نشقق عصى (الدين) أحرار

وعصى الدين هنا أي عصى الطاعة.

فقوله تعالى(لا إكراه في الدين) أي لا إكراه في الطاعة، وعدم الإكراه هو الحرية، ولهذا كانت حرية الاختيار وعدم الاجبار شرطا في التكليف كما عند الأصوليين والفقهاء بلا خلاف، ولا اعتبار بما صدر عن الإنسان حال الإكراه، كما في الحديث(رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه).

ولهذا استعمل الفقهاء والعلماء كلمة (مختار) و(اختيار) وشاعت في استعمالهم، بدلا من (حر) و (حرية)، لكون الاختيار ينافي الإكراه، وهو بمعنى الحرية، بل قد يكون الإنسان حرا، ولا اختيار له، بينما الأحكام الشرعية كلها يشترط فيها ولها الاختيار وعدم الإكراه.

بل إن مفهوم التوحيد الذي جاء به القرآن ليتسع ليشمل تحرير الإنسان حتى من الشعور النفسي، كالخوف من غير الله، والخشية، والرهبة، كما قال تعالى(ولا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين)، فشرط لتحقيق الإيمان به عدم الخوف من غيره، ومن كل ما سوى الله، كما قال(وإياي فارهبون)، وهو كقوله(وإياي فاعبدون)، فكما لا تكون العبادة إلا لله وحده، فكذلك لا يكون الخوف والرهبة والخشية إلا منه وحده، لأنه هو الذي يخلق الخلق، ويهب الرزق، ويحيي ويميت، فاستحق وحده الخضوع والخشية، والرهبة والرغبة، والعبادة والطاعة، فالتوحيد الكامل يساوي التحرير الكامل للنفس البشرية من كل أشكال العبودية لغير الله.

بل لقد بالغ النبي صلى الله عليه وسلم في ترسيخ مفهوم تحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله حتى نهى أصحابه عن القيام له إذا دخل عليهم كما يفعل العبيد مع أسيادهم، ونهاهم عن الوقوف على رأسه وهو جالس حتى وهو يصلي، تجنبا لسنن الرؤساء والملوك، ونهاهم عن الانحناء له، بل نهاهم أن يقول أحدهم لرقيقه ومملوكه(عبدي وأمتي)، بل يقول(فتاي وفتاتي)وعلل ذلك بقوله(فكلكم عبيد الله، وكل نسائكم إماء الله)([278]).

إن كل ذلك إنما هو من أجل ترسيخ مفهوم حرية الإنسان، وتأكيد عدم عبوديته لغير الله، وكل ما سبق ذكره من أنواع التوحيد هو من معاني الحرية الإنسانية، التي تفتقدها اليوم المجتمعات الإسلامية، وخاصة العرب، التي ما تزال ترسف في أغلال العبودية لغير الله، كالخضوع للملوك والرؤساء، والطاعة لهم في غير طاعة الله، والخوف منهم، والخشية من سطوتهم، والتذلل لهم، والافتقار إليهم، والتزلف عندهم، وتعظيمهم حد تقبيل أيديهم، والركوع عند ركبهم، والقيام على رؤوسهم إجلالا وتعظيما لهم، إلى غير ذلك من صور العبودية والشرك بالله، بعد أن تم اختزال معنى التوحيد ليصبح قاصرا فقط على الشعائر التعبدية دون باقي الممارسات العملية، وبعد أن تم اختزال معنى الحرية ليصبح قاصرا على الحرية الشكلية الصورية (الرق)التي هي من فروع الدين، دون الحرية المعنوية التي هي أصل الدين؟!

حقيقة إخلاص الدين وشرك الطاعة:

لقد بين القرآن الغاية التي أرادها الله من عباده وهي إخلاص الدين لله وحده لا شريك له، والمقصود بإخلاص الدين إخلاص الطاعة، وإخلاص العبادة، وإخلاص الدعاء، ويتجلى هذا المعنى في آيات كثيرة منها:

1- قوله سبحانه وتعالى:(قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين)([279]).

قال ابن جرير الطبري:(يقول تعالى قل يا محمد لهؤلاء الذين يزعمون أن الله أمرهم بالفحشاء كذبا على الله:ما أمر ربي بما تقولون بل{أمر ربي بالقسط} يعني:بالعدل ...وأما قوله:{وادعوه مخلصين له الدين }فإنه يقول:واعملوا لربكم مخلصين له الدين والطاعة، لا تخلطوا ذلك بشرك، ولا تجعلوا في شيء مما تعملون له شريكا...عن الربيع{وادعوه مخلصين له الدين}قال:أن تخلصوا له الدين والدعوة والعمل).

أي يخلصوا الطاعة، والعبادة، والدعاء، فلا طاعة لغيره، ولا عبودية لمن سواه، ولا دعاء ولا توسل ولا تضرع إلا له وحده لا شريك له.

2- وقال تعالى:(إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق فاعبد الله مخلصا له الدين)([280]).

قال ابن جرير الطبري(يقول تعالى:إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب يعني:القرآن، بالحق يعني بالعدل، يقول:أنزلنا إليك هذا القرآن يأمر بالحق والعدل، ومن ذلك الحق والعدل أن تعبد الله مخلصا له الدين، لأن الدين له لا للأوثان التي لا تملك ضرا ولا نفعا ... وقوله{فاعبد الله مخلصا له الدين} يقول تعالى ذكره:فاخشع لله يا محمد بالطاعة، وأخلص له الألوهة، وأفرده بالعبادة، ولا تجعل له في عبادتك إياه شريكا، كما فعلت عبدة الأوثان ...)، ثم قال سبحانه بعد ذلك(ألا لله الدين الخالص والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار)([281]).

قال ابن جرير الطبري(وقوله{ ألا لله الدين الخالص} يقول تعالى ذكره:ألا لله العبادة والطاعة وحده لا شريك له، خالصة لا شريك لأحد معه فيها، فلا ينبغي ذلك لأحد، لأن كل ما دونه ملكه، وعلى المملوك طاعة مالكه، لا من لا يملك منه شيئا...وقوله{والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى} يقول تعالى ذكره:والذين اتخذوا من دون الله أولياء يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون لهم:ما نعبدكم أيها الآلهة إلا لتقربونا إلى الله زلفى قربة ومنزلة وتشفعوا لنا عنده في حاجاتنا).

ثم قال تعالى(قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين.وأمرت لأن أكون أول المسلمين.قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم.قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ماشئتم من دونه... والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد)([282]).

قال ابن جرير(يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم:قل يا محمد لمشركي قومك :إن الله أمرني أن أعبده مفردا له الطاعة دون كل ما تدعون من دونه من الآلهة والأنداد....{وأمرت لأن أكون أول المسلمين}:يقول:وأمرني ربي جل ثناؤه بذلك لأن أكون بفعل ذلك أول من أسلم منكم فخضع له بالتوحيد، وأخلص له العبادة، وبرئ من كل ما دونه من الآلهة...وقوله تعالى{قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم}:يقول تعالى ذكره:قل يا محمد لهم إني أخاف إن عصيت ربي فيما أمرني به من عبادته مخلصا له الطاعة ومفرده بالربوبية{ عذاب يوم عظيم}يعني عذاب يوم القيامة ذلك هو اليوم الذي يعظم هوله.

يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم :قل يا محمد لمشركي قومك :الله أعبد مخلصا مفردا له طاعتي وعبادتي، لا أجعل له في ذلك شريكا، ولكني أفرده بالآلوهة وأبرئه مما سواه من الأنداد والآلهة).

ثم أحال ابن جرير في تفسير (والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها) على ما سبق في تفسير آية البقرة(فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى)([283])، حيث قال في تفسير الطاغوت(والصواب من القول عندي في الطاغوت أنه كل ذي طغيان على الله فعبد من دونه إما بقهر منه لمن عبده، وإما بطاعة ممن عبده له، إنسانا كان ذلك المعبود، أو شيطانا، أو وثنا، أو صنما، أو كائنا ما كان من شيء).

فكل من بذل الطاعة ـ في غير طاعة الله ـ لملك أو رئيس أو عالم، أو تحاكم إليه دون حكم الله مختارا، فقد عبده واتخذه ندا وإلها من دون الله، وكل من أكره غيره على طاعته في غير طاعة الله فقد استعبده، وصار هو طاغوتا.

3- وقال تعالى(فادعوا الله مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)([284]).

قال ابن جرير:{فادعوا الله مخلصين له الدين}يقول تعالى:فاعبدوا الله أيها المؤمنون له، مخلصين له الطاعة غير مشركين به شيئا مما دونه{ولو كره الكافرون}يقول:ولو كره عبادتكم أياه مخلصين له الطاعة الكافرون المشركون في عبادتهم إياه الأوثان والأنداد).

4-ثم قال تعالى في سورة غافر أيضا(هو الحي لا إله إلا هو فادعوه مخلصين له الدين الحمد لله رب العالمين)([285]).

قال ابن جرير(يقول هو الحي الذي لا يموت، الدائم الحياة، وكل شيء سواه فمنقطع الحياة غير دائمها{ لا إله إلا هو }يقول:لا معبود بحق تجوز عبادته وتصلح الألوهة له إلا الله الذي هذه الصفات صفاته، فادعوه أيها الناس مخلصين له الدين، مخلصين له الطاعة، مفردين له الألوهة، لا تشركوا في عبادته شيئا سواه من وثن وصنم، ولا تجعلوا له ندا ولا عدلا، {الحمد لله رب العالمين}يقول:الشكر لله الذي هو مالك جميع أجناس الخلق، من ملك، وجن، وإنس، وغيرهم، لا للآلهة والأوثان التي لا تملك شيئا ولا تقدر على ضرر ولا نفع).

والأنداد هنا المقصود بها في استعمال ابن جرير الطبري هي الأوثان البشرية في مقابل الأوثان الحجرية، كما نقله عن جماعة من الصحابة كابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير قوله تعالى(فلا تجعلوا لله أنداد وأنتم تعلمون)([286]) قالوا في تأويلها(أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله).

قال ابن جرير(فنهاهم الله تعالى أن يشركوا به شيئا، وأن يعبدوا غيره، أو يتخذوا له ندا وعدلا في الطاعة، فقال:كما لا شريك لي في خلقكم وفي رزقكم الذي أرزقكم، وملكي إياكم، ونعمي التي أنعمتها عليكم، فكذلك فأفردوا لي الطاعة، وأخلصوا لي العبادة، ولا تجعلوا لي شريكا وندا من خلقي، فإنكم تعلمون أن كل نعمة عليكم فمني).

وروى ابن جرير عن السدي في تفسير قوله تعالى(ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا)([287])، فقال:(وقال آخرون:بل الأنداد في هذا الموضع إنما هم سادتهم الذين كانوا يطيعونهم في معصية الله تعالى ذكره ..... عن السدي:{ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله}قال:الأنداد من الرجال يطيعونهم كما يطيعون الله إذا أمروهم أطاعوهم وعصوا الله).

5- وقال سبحانه(وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء)([288]).

والدين هنا يشمل الطاعة والعبادة والدعاء.

6- وكذلك من الإخلاص لله في الدين الإخلاص له وحده بالدعاء والاستغاثة، فقال سبحانه عن المشركين(حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم في ريح طيبة وفرحوا بها جاءتها ريح عاصف وجاءهم الموج من كل مكان وظنوا أنهم أحيط بهم دعوا الله مخلصين له الدين لئن أنجيتنا من هذه لنكونن من الشاكرين)([289]).

ومعلوم أنهم إذا كانوا في البحر وفي مثل هذه الحال لا يقع منهم شيء من العبادات عادة سوى الدعاء والاستغاثة، وهو الدين الذي أخلصوه لله في هذه الحال.

وقال أيضا(فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون)([290]).

وقال سبحانه(وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور)([291]).

قال ابن جرير في تفسيره(وإذا غشي هؤلاء موج كالظلل، فخافوا الغرق، فزعوا إلى الله بالدعاء، مخلصين له الطاعة، لا يشركون به هنالك شيئا، ولا يدعون معه أحدا سواه، ولا يستيغثون بغيره).

فجعل إفرادهم له بالدعاء في هذه الحال، والتضرع له وحده لا شريك له من الإخلاص في الدين.

وإنما سمى الله إخلاص الدعاء له إخلاصا في الدين، لأن الدعاء أبرز مظاهر الدين والعبادة، بل هو المقصود من العبادات كلها، وهو غايتها، فالخلق إنما يصلون، ويتصدقون، ويحجون، ويتطهرون، ويذبحون القرابين، كل ذلك من أجل الدعاء، ومن أجل أن يقبل الله تضرعهم وتوسلهم إليه، وسؤالهم حاجاتهم منه، ولهذا سمى الله دعاءهم له في حال الضر إخلاصا للدين، والعرب تسمي الشيء بأبرز مظاهره.

وقد كان مشركوا العرب يدعون أوثانهم لأنها صور قوم صالحين يظنون أن لهم عند الله مكانة(ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى)([292])، أي لا ندعوهم، ولا نستغيث بهم، ولا نذبح لهم القرابين، إلا ابتغاء مرضاة الله والتزلف إليه.

وأخبر سبحانه عن مشركي العرب أنهم يخلصون له الدين أي الدعاء في حال الضر، ويوحدونه، كما قال تعالى(وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه).([293])

فدل على أن شركهم إنما هو في دعائهم غير الله، ولهذا كانوا يخلصون له الدعاء في الضراء، ويشركون به في السراء!

والمقصود أن إخلاص الدين لله، والتوحيد الخالص له، وإسلام الوجه إليه وحده لا شريك له، يتضمن طاعته وحده، وعبادته وحده، والتحاكم إليه وحده، فلا سلطة لبشر على بشر، ولا طاعة لأحد على أحد، ولا خشية ولا رهبة من أحد، فالكل في العبودية لله سواء، فلا ملوك، ولا رؤساء، ولا أحبار، ولا علماء، بل الجميع في الحرية سواء.

الأصل الرابع: دعوة الخلق إلى العدل والحق:

لقد جاء الإسلام وقد ملئت الأرض جورا وظلما، على أيدي الطغاة في كل مكان، والإنسانية تعج بكل أشكال الظلم والطغيان، والمجتمعات البشرية تضج بأسوء صور البؤس والشقاء، وسيادة شريعة الغاب، وقد كان للعرب في جاهليتهم نصيب وافر من ذلك الظلم والتظالم، فكان القوي يأكل الضعيف، ويرابي الغني الفقير، ويفتك بعضهم ببعض، وقد شاع فيهم الظلم حتى صار ممدوحا عندهم، وحتى قال شاعرهم:

قُبيّلة لا يخـفرون بذمـةٍ ولا يظلمون الناس حبة خردل!

يذمهم لعدم ظلمهم للناس، إذ عدم وقوعه منهم دليل على ضعفهم وخورهم، في ثقافة العرب الجاهليين!

وحتى قال آخر يذم قبيلته لعدم وقوع الشر منهم:

لو كنت من مازن لم تستبح إبلي

بنو اللقيطة من ذهـل بن شيبانا

قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم

طاروا إليه زرافـات ووحـدانا

لا يسألون أخاهم حين يندبهم

في النائبات على ما قال برهانا!

إني وإن كنت من قوم ذوي عدد

ليسوا من الشر في شيء وإن هانا!

يجزون بالظلم أهل الظلم مغفرة

وبالإسـاءة غفـرانا وإحسانا

ففي هذه الأبيات تصوير بليغ لحال المجتمع الجاهلي، ولشيوع التظالم فيه، حتى صار الممدوح فيهم من لا يسأل أخاه عن البينة فيما ادعاه من وقوع الظلم عليه، لشيوعه فيهم، وحتى صار الكريم من لا يستفسر عن السبب، بل يبادر إلى رد الظلم عند سماع الصريخ، وكأن الصريخ لا يقع، إلا من ظلم قد وقع!

بل صاروا يتفاخرون بالتظالم، والاعتداء، والعدوان، حتى على أبناء العمومة، كما قال شاعرهم:

وأحيانا على بكر أخينا إذا ما لم نجد إلا أخانا!

لقد كان العرب الأقوياء يتناصفون إذا تظالموا بشن الغارات، وأخذ الثارات، غير أن الأمم الأخرى كانت تحت عسف الطغاة، وجبروتهم، وظلمهم، فبعث الله للخلق كافة نبي الإنسانية والرحـمة، كما قال تعالى(وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ([294])، وجعل إقامة العدل هو الغاية من إرساله صلى الله عليه وسلم، وإرسال الرسل من قبله، والغاية من إنزال الكتب معهم، كما قال تعالى(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).([295])

فأرسل الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالكتاب والميزان، رحمة للعالمين، ليقوم الناس بالعدل والقسط، بل لقد جعل الله الغاية من خلق الخلق تحقيق العدل، كما قال تعالى(الرحمن.علم القرآن.خلق الإنسان.علمه البيان...والسماء رفعها ووضع الميزان.ألا تطغوا في الميزان.وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان)([296])، فهذه سورة مكية، افتتحها الله باسمه(الرحمن)، وذكر الغاية التي من أجلها خلق الإنسان، ومن أجلها رفع السماء، وهي أن يتحقق العدل والقسط، ثم دعا عباده إلى إقامة العدل والقسط فيما بينهم وبين ربهم بتوحيده، وإقامة القسط فيما بينهم بالتناصف وعدم التظالم، وقد جاء القرآن المكي بالدعوة إلى توحيد الله وعدم الإشراك به وهو من الظلم بل أشد أنواعه، كما دعا إلى إقامة العدل، وإنصاف المظلوم، ونصر الضعيف، والرحمة بالخلق، بل لقد قدم القرآن المكي الدعوة إلى القسط على توحيد الله كما في قوله تعالى(قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين)([297]).

ومما يؤكد أن القسط والعدل مقدمان على ما سواهما هو إقرار الإسلام وقبوله في دولته وسلطانه بقاء أهل الأديان الأخرى على أديانهم وعدم إكراههم على تركها، إذ المقصود إقامة العدل والقسط فيهم، كما قال تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم(وأمرت لأعدل بينكم)([298])، لكونه مبعوثا رحمة للعالمين كلهم مؤمنهم وكافرهم، والرحمة بالكافر تتمثل في عدم إكراهه على الإيمان، وفي العدل والقسط معه، وعدم ظلمه، والرأفة والرفق به، والإحسان إليه، للأخوة الإنسانية التي تجمع بين الإنسانية كلها، ولهذا جاء في الحديث أنه قيل له:ادع على المشركين يارسول الله!فقال(إني لم أبعث لعانا، وإنما بعثت رحمة)([299])، وقال(من لا يرحم الناس لا يرحمه الله عز وجل)([300])، وقال أيضا(الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء)([301]).

بل لقد تجاوزت دعوته رحمة الإنسان إلى رحمة الحيوان، كما في الحديث(دخلت امرأة النار في هرة، حبستها حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولا تركتها تأكل من خشاش الإرض)([302]).

وقال صلى الله عليه وسلم:(وجد رجل كلبا يلهث من شدة العطش، فنزل بئرا وملأ خفه ماء، ثم أمسكه بفيه، ثم رقي فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له)، فقالوا:يارسول الله، وإن لنا في البهائم أجرا؟ فقال:(في كل كبد رطبة أجر)([303]).

وكان في سفر ومعه أصحابه فوجدوا حمرة معها فرخان، فأخذوهما، فجعلت الحمرة ترفرف بجناحيها فقال لأصحابه(من فجع هذه بوليدها ردوا ولدها إليها)([304]).

فكان صلى الله عليه وسلم رحمة مهداة إلى العالمين من إنسان وحيوان.

ولقد نعى القرآن على المشركين ما هم فيه من ظلم وتظالم، حيث كان الظلم فاشيا فيهم بكل صوره وأشكاله، فمن ذلك:

1ـ الظلم الاقتصادي الذي كان يمارسه الأغنياء في معاملاتهم التجارية في البيع والشراء، وأكثر ضحاياه الفقراء والضعفاء، كما في قوله تعالى(ويل للمطففين.الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون.وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون.ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون ليوم عظيم.يوم يقوم الناس لرب العالمين).([305])

لقد كانت هذه الدعوة أصل عظيم في خطاب شعيب لقومه، بل القضية الرئيسة فيه بعد الدعوة إلى التوحيد، كما في قوله تعالى عنه(وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ولا تنقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط.وياقوم أوفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)([306]).

وقال أيضا(أوفوا الكيل ولا تكونوا من المخسرين.وزنوا بالقسطاس المستقيم.ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين)([307]).

وقد رد قومه عليه بسخرية(قالوا يا شعيب أصلاتك تأمرك أن نترك ما يعبد آباؤنا وأن نفعل في أموالنا ما نشاء). ([308])

أي هل دينك وعبادتك لربك يفرضان علينا أن نترك عبادة الأوثان، وألا نفعل في أموالنا من نشاء، من بيع وشراء، وتطفيف للميزان، وظلم للضعفاء والفقراء؟

لقد أدرك قوم شعيب أن دين شعيب لا يقبل الفصل بين الشرك والظلم، فكلاهما اعتداء، ذاك على حق الله، وهذا على حق العباد، وإنما جاء الرسل بالعدل والقسط، والرحمة بالخلق، ومازال هذا الظلم ـ الذي حاربه رسل الله جميعا موسى، وشعيب، وعيسى، ومحمد صلوات الله عليهم جميعا ـ هو أحد أسباب شقاء المجتمعات الإنسانية إلى اليوم، حيث يموت الملايين جوعا ومرضا وفقرا، بسبب الظلم الاقتصادي، والربا، والغش، وأكل الأقوياء والأغنياء أقوات الضعفاء والفقراء، ويشترك في هذه الجريمة بحق الإنسانية حتى رجال الدين، كما قال تعالى(يا أيها الذين آمنوا إن كثيرا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله والذين يكنزون الذهب ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم)([309]).

وقال تعالى في شأن اليهود وأنه عاقبهم بسبب ظلمهم (وأخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابا أليما).([310])

2ـ الظلم الاجتماعي بكل صوره وأشكاله، كظلم اليتم، وظلم المرأة، وظلم الفقير، وظلم الضعيف، كما في قوله تعالى(كلا بل لا تكرمون اليتيم.ولا تحاضون على طعام المسكين.وتأكلون التراث أكلا لما.وتحبون المال حبا جما)([311]).

وقال تعالى(أرأيت الذي يكذب بالدين.فذلك الذي يدع اليتيم.ولا يحض على طعام المسكين.فويل للمصلين.الذين هم عن صلاتهم ساهون.الذين هم يراءون.ويمنعون الماعون)([312]).وقال تعالى(فأما اليتيم فلا تقهر.وأما السائل فلا تنهر)([313])

وحث على الصدقة على الفقراء والمساكين، وجعل ذلك سبيلا إلى دخول الجنة، كما جعل حرمانهم وعدم مد يد العون لهم سبيلا وسببا لدخول النار، فقال سبحانه(فأما من أعطى واتقى.وصدق بالحسنى.فسنيسره لليسرى.وأما من بخل واستغنى.وكذب بالحسنى.فسنيسره للعسرى.وما يغني عنه ماله إذا تردى...فأنذرتكم نارا تلظى.لا يصلاها إلا الأشقى.الذي كذب وتولى.وسيجنبها الأتقى.الذي يؤتي ماله يتزكى).([314])

وقال تعالى(فلا اقتحم العقبة.وما أدراك ما العقبة.فك رقبة.أو إطعام في يوم ذي مسغبة.يتيما ذا مقربة.أو مسكينا ذا متربة.ثم كان من الذين آمنوا وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة).([315])

فوعد من آمنوا به، وتواصوا بالرحمة بالخلق، وبالصدقة على المحتاجين، بأنهم سيجتازون عقبة جهنم، وسيدخلون الجنة.

وقال تعالى عن دخول المشركين النار وتحاججهم فيها بأن سببه تركهم للصلاة، التي هي حق الله على عباده، وتركهم الصدقة على الفقراء، التي هي حق الإنسان على أخيه الإنسان، وإن لم يكن على دينه، إذ الرحمة تشمل الجميع، قال(ما سلككم في سقر.قالوا لم نك من المصلين.ولم نك نطعم المسكين)([316]).

فجعل جريمة عدم إطعام الفقير، كجريمة ترك عبادة الله عز وجل، وجعل القتال في سبيل الضعفاء والمظلومين، كالقتال في سبيل الله ونصرة الدين، كما قال تعالى(وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟).([317])

لقد دعا القرآن إلى كل ما سبق ذكره في العهد المكي، وفي الخطاب المكي، فالرحمة باليتيم، والضعيف، والعطف علىالمساكين، والمحتاجين، والإنفاق عليهم، من القضايا الرئيسة في مكة، مع أن الخطاب موجه للمشركين، ومع أن تلك الفئات المحرومة أيضا من المشركين، إلا أن الدعوة إلى توحيد الله عز وجل، تزامنت وارتبطت بالدعوة إلى الرحمة بالخلق، وإقامة العدل والقسط بينهم، وهو الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب.

كما قال تعالى في شأن ظلم المرأة ووأد بعض أهل الجاهلية بناتهم(وإذا الموؤدة سئلت.بأي ذنب قتلت)([318]).

وقد كان العرب في جاهليتهم يحتقرون المرأة، كما قال عمر بن الخطاب(والله إن كنا في الجاهلية ما نعد للنساء أمرا، حتى أنزل الله فيهن ما أنزل، وقسم لهن ما قسم).([319])

وقال تعالى في شأن الأسير، وأن الرحمة به، وإطعامه، سبب لدخول الجنة(ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا.إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا).([320])

ففي هذه السور ـ وعامتها سور مكية إلا سورة الإنسان فهي مدنية ـ نعي شديد على المشركين من أهل مكة ما هم فيه من ظلم اجتماعي، صار ضحيته الأيتام، والمساكين، والضعفاء، والنساء، بسبب الرأسمالية الجشعة، وعبادة المال، التي لا يهمها إلا جمعه، وعبادته، وحبه حبا جما، وإن كان على حساب المساكين والمستضعفين.

3ـ الظلم الطبقي: فقد جاء القرآن ليحطم القيم الجاهلية الظالمة التي تفرق بين الإنسان وأخيه الإنسان على أساس طبقي، فحذر الله النبي صلى الله عليه وسلم من الانصراف عن الضعفاء، والمستضعفين، لأجل كسب رضا الملأ المستكبرين، فقال(ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين.وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهولاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين).([321])

ودعاه إلى الصبر معهم فقال(واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا). ([322])

وقد كان سبب نزول هذه الآية ـ كما في صحيح مسلم ـ أن أشراف قريش طلبوا من النبي صلى الله عليه وسلم أن يجعل لهم مجلسا خاصا بهم، وأن لا يحضر معهم الضعفاء، كبلال الحبشي، وخباب، وعمار بن ياسر، وابن مسعود، وصهيب الرومي، حتى لا يجترأ هؤلاء الضعفاء على الملأ، وحتى يتسنى للأشراف والسادة أن يستمعوا لدعوته، إذا أقصى الضعفاء عنه، فحذره سبحانه من قبول طلبهم، وأمره أن يلزم الجلوس معهم، وأن لا يمد عينيه إلى مجالس أهل الشرف والثروة، ماداموا على جاهليتهم، واستكبارهم، وطغيانهم، ليهدم بذلك كل قيم الجاهلية الزائفة الخاطئة، كما حذره الله من أن الانصراف عن دعوة ابن أم مكتوم الأعمى الضعيف، ولو من أجل دعوة الوليد بن المغيرة السيد الشريف، فقال في شأنهما(عبس وتولى.أن جاءه الأعمى.وما يدريك لعله يزكى.أو يذكر فتنفعه الذكرى.أما من استغنى فأنت له تصدى).([323])

وقد قال قوم نوح له كما قال الملأ من قريش للنبي صلى الله عليه وسلم(قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون.قال وما علمي بما كانوا يعملون.إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون.وما أنا بطارد المؤمنين)([324])، (فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما نراك إلا بشرا مثلنا وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل)([325])، فرد نوح عليهم (وما أنا بطارد الذين آمنوا إنهم ملاقوا ربهم ولكني أراكم قوما تجهلون.وياقوم من ينصرني من الله إن طردتهم أفلا تذكرون...ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين).([326])

وقد ضرب الله المثل في فرعون وطغيانه الطبقي، كما في قوله تعالى في شأن فرعون وظلمه لبني إسرائيل(إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين.ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين)([327]).

لقد كانت هذه الدعوة إلى إقامة القسط وتحقيق العدل والمساواة والرحمة بالخلق، قضية رئيسة في الخطاب القرآني في العهد المكي، فقد جاءت في الوصايا العشر في سورة الأنعام(قل تعالوا أتلوا ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا تقتلوا أولادكم من إملاق نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون.ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون.وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تعقلون). ([328])

فهذه الوصايا العشر، منها فقط وصيتان هما من حق الله على عباده، وذلك توحيده وحده لا شريك له، وهي أول وصية، واتباع شريعته التي جاء بها نبيه، وهي صراطه المستقيم والعدل والقسط، وهي آخر وصية، وثمان وصايا جاءت من أجل الإنسان نفسه، وشملت كل من له بالإنسان علاقة، قريبة أو بعيدة، مودة أو عداوة، لتعم الوصايا كل أفراد المجتمع الإنساني وهي:

1- الإحسان إلى الوالدين وبرهم، والعطف عليهم.

2- والرحمة بالأولاد من الذكور والإناث والرفق بهم، وتحريم قتل الولد خشية الجوع والافتقار، أو وأد البنت خوف السبي والعار.

3- وتحريم العدوان على الناس، وقتل النفس التي حرم الله قتلها.

4- وتحريم الفواحش الظاهرة والباطنة كالزنا، والقذف، وهتك الأعراض، وكل أشكال الاعتداء على الناس بالقول أو الفعل الفاحش.

5- والوفاء بالميزان، وتحريم أكل أموال الناس بالباطل، أو بالتطفيف بالميزان والظلم في البيع والشراء.

6- وتحريم التعرض لأموال الأيتام إلا بما فيه حفظها وصلاحها.

7- والوفاء بالعهود والعقود مع الناس، وتحريم الغدر والخيانة.

8- والشهادة بالعدل والقضاء بها على القريب والبعيد.

وكل ذلك دليل على مدى عناية الدعوة القرآنية في العهد المكي بمحاربة كل صور الظلم، ابتداء من الشرك بالله، وعقوق الوالدين، وانتهاء بشهادة الزور، وخيانة العهود.

لقد كانت الدعوة إلى العدل والقسط قرينة الدعوة إلى عبادة الله وحده، كما قال تعالى(قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين).([329])

فقد قدم الدعوة إلى العدل والقسط، وهي تتضمن العدل بكل صوره، وأعدل العدل توحيده الله وحده، وأظلم الظلم الإشراك به، كما يشمل القسط في هذه الأية العدل مع عباده، وهي دعوة الرسل وغايتهم، كما قال تعالى(ليقوم الناس بالقسط).

ومما يؤكد أهمية العدل والقسط مع الخلق في الخطابين القرآني والنبوي، أن الله سبحانه لم يأذن مطلقا بظلم الإنسان للإنسان، وحرمه تحريما قطعيا، وأوجب رفع الظلم مطلقا عن المسلم وغير المسلم، وفي المقابل أذن بترك من أشرك به، فصار أهل الملل والنحل من غير المسلمين، حتى عباد النار من المجوس، يعيشون في ظل عدل الإسلام بحرية وأمن، إذ مقصود الرسالة تحقيق العدل بين الخلق، وعدم وقوع الظلم بينهم، وأما الشرك بالله فالحساب عليه في الآخرة، وهذا ما يؤكد أن الله إنما أرسل محمدا صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين كافة، من آمن به، ومن لم يؤمن به، ليملأ الأرض رحمة وعدلا، كما ملئت قسوة وظلما، وليرفع عن أهل الأرض جور الأديان، وظلم الإنسان، وأغلال الطغيان.

ومما يؤكد ذلك الحديث القدسي الصحيح(ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا)([330])، وحديث(اتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب)([331]).

بل لقد جعل الله ظلم الأمم الخالية السبب في هلاكها، وعذابها، كما قال تعالى(ولقد أهلكنا القرون من قبلكم لما ظلموا)([332])، وقال (وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا)([333])، وقال سبحانه (وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون)([334]).

وجاء في الحديث الصحيح(إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)([335])، فجعل سبب هلاكهم الظلم، بإقامة الحدود والقوانين والشرائع على المستضعفين دون المستكبرين.

وقد جاء في الحديث الصحيح أيضا(لتؤدن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء)([336]).

لقد كانت هذه المضامين الإنسانية من القضايا الرئيسة في الخطاب القرآني والنبوي في مكة، فلم تكن الدعوة قاصرة على التوحيد فقط، بل كانت دعوة لتحرير الإنسان من ظلم أخيه الإنسان، ودعوة إلى الرحمة بالخلق، وتحقيق العدل والقسط.

لقد كانت الدعوة إلى كل ما سبق من قيم العدل والرحمة والمساواة والمواساة، في مجتمع جاهلي، لم يسلم فيه إلا نفر قليل، غير أن الإسلام جاء ليدعوا الجميع إلى العدل والقسط، حتى وإن كانوا مشركين، لقد كان اليتامى، والفقراء، والعبيد، والنساء، والمساكين، والضعفاء، الذين يتعرضون لظلم المجتمع الجاهلي آنذاك مشركين غير مسلمين، ومع ذلك جعل القرآن قضيتهم وقضية التوحيد قضية واحدة، ولم يدافع عنهم النبي صلى الله عليه وسلم في مكة لكونهم من أتباعه، فلم تكن هذه الفئات قد دخلت الإسلام بعد، وإنما كان كل ذلك لأن هذه هي حقيقة الرسالة(ليقوم الناس بالقسط).

ولقد أدرك ذلك كله هرقل الروم حين دعا أبا سفيان، وكان قد جاء في تجارته إلى الشام، في مدة صلح الحديبية في السنة السادسة للهجرة، فسأله عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن دعوته، ثم قال له هرقل:(...وسألتك أأشراف الناس اتبعوه أم ضعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتبعوه، وهم أتباع الرسل.

وسألتك بما يأمركم؟ فذكرت بأنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة، والصدق، والعفاف، والصلة، فإن كان ما تقول حقا فسيملك موضع قدمي هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، ولم أكن أظن أنه منكم).([337])

وهذا ما قاله جعفر بن أبي طالب للنجاشي ملك الحبشة، حين هاجر له الصحابة الهجرة الأولى، وأرادت قريش استرجاعهم، فسألهم النجاشي عن هذا الدين الجديد الذي فارقوا قومهم بسببه، ولم يدخلوا في دين النجاشي ولا دين ملة أخرى؟ فقال جعفر له:(أيها الملك كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه، من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات، وأمرنا أن نعبد الله وحده، فلم نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة، والزكاة، والصيام ـ فعدد عليه أمور الإسلام ـ فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به من الله، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك).([338])

وكل ما سبق يؤكد طبيعة القضايا الرئيسة التي دار حولها الصراع في مكة، بين النبي صلى الله عليه وسلم والمشركين، وأنها ليست قاصرة على موضوع التوحيد فقط، بل تتضمن موضوع التحليل، والتحريم، والتشريع، الذي هو من توحيد الله بالطاعة، وموضوع العدل، والمساواة، وترك الظلم، ونبذ الطبقية، ورفض كل أشكال التمييز التي كان يتعرض لها المستضعفون في المجتمع الجاهلي، من الفقراء، والمساكين، واليتامى، والنساء، والعبيد.

أوضاع العرب في الجاهلية:

لقد جاء القرآن لا لهداية العرب وحدهم، بل جاء للأمم كلها، ليخرجها من جاهليتها، وظلمها، وظلماتها، وشركها، ووثنيتها، على اختلاف مللها، ونحلها، ودولها، كما كان للعرب في جاهليتهم نظمهم، وتشريعاتهم، واقتصادهم، وتجارتهم، وعلاقاتهم السياسية، والتجارية، مع فارس، والروم، والحبشة، وكانت مكة هي أم القرى، وعاصمة مدن العرب، فجاء الإسلام ليحدث انقلابا في أوضاع العرب السياسية، والاقتصادية، والتجارية، والاجتماعية، والدينية، والتشريعية، وهو ما أدركه الملأ في مكة، فبادروا لرفض هذا التغيير الخطير الذي يدعوهم إليه النبي صلى الله عليه وسلم، والذي يتمثل في التوحيد بمفهومه الشامل، الديني، والتشريعي، والسياسي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمه، حين شكاه الملأ من قريش عنده، فعاتبه عمه أبوطالب، فقال صلى الله عليه وسلم:(أريد منهم كلمة واحدة تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم الجزية العجم)، فقالوا:وما هي؟قال(قولوا لا إله إلا الله).([339])

لقد كان من حجج الملأ من قريش في رفض دعوة النبي صلى الله عليه وسلم خوفهم على مصالحهم التجارية والسياسية مع الفرس، والروم، والحبشة، فقد كانت رحلة الشتاء والصيف التجارية مصدرا رئيسيا لكسب المال، فكانوا يخشون على تجارتهم من التوقف، كما حكى ذلك القرآن عنهم(وقالوا إن نتبع الهدى معك نتخطف من أرضنا أولم نمكن لهم حرما آمنا يجبى إليه ثمرات كل شيء رزقا من لدنا ولكن أكثرهم لا يعقلون.وكم أهلكنا من قرية بطرت معيشتها فتلك مساكنهم لم تسكن من بعدهم إلا قليلا وكنا نحن الوارثين.وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا يتلوا عليهم آياتنا وما كنا مهلكي القرى إلا وأهلها ظالمون).([340])

كما كانت لهم نظمهم التشريعية التي كانوا يعظمونها، وقد نزلت سورة الأنعام في بيان شركهم في هذا الباب، لما فيه من التحليل والتحريم في أنواع الطعام، وأنواع الأنعام، كما في قوله تعالى(ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه وإنه لفسق وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم وإن أطعتموهم إنكم لمشركون...وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا بأنفسهم وما يشعرون).([341])

إنهم الطواغيت في كل أمة ممن يفسدون في الأرض ولا يصلحون، كما قال ابن جرير الطبري في تفسير الجبت والطاغوت:(والصواب من القول في تأويل:{يؤمنون بالجبت والطاغوت} أن يقال:يصدقون بمعبودين من دون الله يعبدونهما من دون الله، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن{الجبت} و{الطاغوت}:اسمان لكل معظم بعبادة من دون الله، أو طاعة، أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم، من حجر، أو إنسان، أو شيطان، وإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأصنام التي كانت الجاهلية تعبدها كانت معظمة بالعبادة من دون الله، فقد كانت جبوتا وطواغيت، وكذلك الشياطين التي كانت الكفار تطيعها في معصية الله، وكذلك الساحر والكاهن اللذان كان مقبولا منهما ما قالا في أهل الشرك بالله، وكذلك حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف ـ من زعماء يهود في المدينة ـ لأنهما كانا مطاعين في أهل ملتهما من اليهود في معصية الله والكفر به وبرسوله، فكانا جبتين وطاغوتين).

وقال ابن جرير أيضا في قوله تعالى(ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا)([342]).

قال(يعني بذلك جل ثناؤه:{ألم تر}يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم صدقوا بما أنزل إليك من الكتاب، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من الكتب، يريدون أن يتحاكموا في خصومتهم إلى الطاغوت، يعني إلى من يعظمونه ويصدرون عن قوله، ويرضون بحكمه من دون حكم الله{وقد أمروا أن يكفروا به} يقول:وقد أمرهم الله أن يكذبوا بما جاءهم به الطاغوت الذي يتحاكمون إليه، فتركوا أمر الله، واتبعوا أمر الشيطان {ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا} يعني:أن الشيطان يريد أن يصد هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى فيضلهم عنها ضلالا بعيدا).

إنه الصراع بين الرسل دعاة القسط والحق والرحمة والعدل، والطغاة في كل بلد وأكابر مجرميها وشياطين الإنس الذين يمكرون فيها، ويفسدون فيها، ويظلمون فيها، كما قال تعالى عنهم(وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا).([343])

وقرأها ابن عباس (أمّرنا مترفيها) أي جعلناهم أمراء، فأفسدوا فيها، فحق عليها القول فدمرناها بطغيانهم وظلمهم وبطرهم.

وهم الملأ والسادة الذين يضلون أتباعهم (قالوا ربنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا).([344])

إنهم المترفون في كل أمة، وأكابر مجرميها، والملأ الذين استكبروا فيها، وهم أعداء الرسل وأعداء كل من يدعو إلى العدل والقسط!

ولهذا قرن الله بين سبيله وسبيل المستضعفين، فجعلهما سبيلا واحدا، وأوجب الجهاد في سبيله وسبيلهم، كما قال تعالى{وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان}.[345]

لقد كان للنظام التشريعي في مكة سادته المطاعون، وفقهاؤه وعلماؤه القانونيون الذين يدافعون دونه، ويحاججون عنه، وهم طواغيت العرب وكهانهم الذي كانوا يحتكمون إليهم، وقد حكم القرآن على من أطاعهم بأنه مشرك مثلهم، فقد جاء القرآن لتوحيد الله في العبادة والطاعة، وفي الحكم والتشريع، لتحرير الإنسان من طغيان أخيه الإنسان، سواء كان طغيان الأحبار والرهبان، أو طغيان أصحاب النفوذ والسلطان.

لقد أدى غض الطرف عن هذه الحقائق القرآنية إلى صرف الناس عن الطغاة الذين جاء القرآن لدك عروش طغيانهم، وتحرير الخلق من عسف سلطتهم وجور سلطانهم، لتشتغل الأمة بعد ذلك في عصور انحطاطها وتخلفها بالأموات عن الأحياء، وبشرك أهل القبور عن شرك أرباب القصور، ولتدور رحى حرب ضروس بين رجال الدين الذين يدافعون عن طواغيت القصور، ورجال الدين الذين يدافعون عن طواغيت القبور، لتصبح الأمة بين ضلال الفريقين لا دين نصرت، ولا دنيا عمرت!

لقد كان الخوف على النفوذ السياسي السبب الرئيسي الذي دفع الملأ من قريش لمحاربة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد اجتمعوا حين احتضر أبو طالب فقال بعضهم لبعض:إن حمزة وعمر قد أسلما، وقد فشا أمر محمد في القبائل من قريش كلها، فانطلقوا بنا إلى أبي طالب فليأخذ لنا على ابن أخيه، وليعطه منا، والله ما نأمن (أن يبتزونا أمرنا)!

فجاء وفدهم إلى أبي طالب فقالوا له:قد علمت الذي بيننا وبين ابن أخيك، فادعه فخذ له منا وخذ لنا منه، ليكف عنا ونكف عنه، وليدعنا وديننا وندعه ودينه!

فدعاه عمه، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم(نعم !كلمة واحدة تعطونيها تملكون بها العرب، وتدين لكم بها العجم)!

فقال أبو جهل:نعم وأبيك وعشر كلمات، فقال(تقولون لا إله إلا الله، وتخلعون ما تعبدون من دونه).

فصفقوا وقالوا:أتريد أن تجعل الآلهة إله واحدا، إن أمرك لعجب!([346])

فنزل قوله تعالى(وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم).([347])

لقد كان آخر ما يهم الملأ من قريش موضوع الأوثان، وإنما كان خوفهم هو من أن يبتزهم ويسلبهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه أمرهم ونفوذهم السياسي في مكة، كما في قولهم آنفا:(والله ما نأمن أن يبتزونا أمرنا).

فقد كانت لهم السلطة والنفوذ، وكان الملأ يمارسونهما في (دار الندوة)، التي لا يشاركهم فيها المستضعفون والمستعبدون في مكة.

لقد كان هذا هو السبب نفسه الذي كان وراء رفض فرعون والملأ من قومه دعوة موسى، كما في قوله تعالى عنهم(قالوا أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يا موسى ....قالوا إن هذان لساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى).([348])

وقال أيضا(قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم.يريد أن يخرجكم من أرضكم فماذا تأمرون). ([349])

وقال فرعون لما آمن السحرة(إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون).([350])

وقال أيضا(قالوا أجئتنا لتلفتنا عما وجدنا عليه آباءنا وتكون لكم الكبرياء في الأرض).([351])

روى ابن جرير الطبري في تفسيره هذه الآية(قال مجاهد الكبرياء في الأرض: الملك والسلطان في الأرض، وقال الضحاك: الطاعة.قال ابن جرير:وهذه الأقوال كلها متقاربة، وذلك أن الملك سلطان، والطاعة ملك، غير أن الكبرياء في كلام العرب هو العظمة بملك وسلطان وغير ذلك).

وقال ابن كثير في تفسيره(الكبرياء العظمة والرياسة).

فقد كان خوف فرعون والملأ على الملك والسلطة والرياسة هو السبب في عداوتهم لموسى ودعوته، وحربهم له، فقد كان مضمون دعوة موسى تجريد فرعون من ربوبيته وسيادته على شعبه، وتحرير المستضعفين تحت سطوته، وقد أدرك فرعون ذلك بداهة، ولهذا قال لقومه(ذروني أقتل موسى وليدع ربه إني أخاف أن يبدل دينكم أو أن يظهر في الأرض الفساد)([352]).

فقد كان فرعون يخشى أن يتبدل دين أهل مصر وطاعتهم لتكون لغيره، فالدين في لغة العرب الطاعة والملك والسلطان.

وهذا هو السبب الحقيقي لرفض الملأ بمكة دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى الدين الجديد، وهو الطاعة له واتباع أمره، وإلى كلمة التوحيد، التي ستوحد العرب دينيا، وسياسيا، وتشريعيا، بعد أن كانوا أشتاتا، لكل قبيلة دينها وأوثانها، وطواغيتها وكهانها، يتناحرون بينهم، ويتقاتلون دهرهم، قد فرقتهم العداوات، وأنهكتهم الثارات، حتى من الله عليهم بالإسلام، فقال تعالى(واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا)([353])، وقال في بيان شدة العداوة بينهم في الجاهلية(وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في الأرض ما ألفت بين قلوبهم). ([354])

فالتوحيد السياسي الذي جاء به الإسلام، الذي قام على أنقاض التشرذم الجاهلي هو صنو التوحيد العقائدي والتشريعي، فمن أعظم نعم الله عز وجل على المؤمنين أن وحد بينهم فأصبحوا بنعمته إخوانا بعد أن كانوا بجاهليتهم أعداء، فوحدهم سياسيا كما وحدهم دينيا وتشريعيا واجتماعيا.

لقد دعا القرآن إلى العدل والقسط حتى مع الأعداء، وجعل العدل معهم واجبا ودينا وإيمانا، وحرم الظلم مطلقا، كما قال على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة(وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم)([355])، وقال أيضا في وجوب العدل مع العدو (ولا يجرمنكم شنئان قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)([356])، وقال تعالى(إن الله يأمر بالعدل والإحسان).([357])

وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه:إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل وهي هذه الآية.

بل ولم يقتصر القرآن على الدعوة إلى العدل والقسط مع غير المسلمين وإنما دعا إلى البر بهم والإحسان إليهم كما قال تعالى(لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين).([358])

وأمر بالحكم بالقسط بينهم فقال(وإن حكمت فاحكم بينهم بالقسط).([359])

لقد كان تحقيق العدل والقسط هو الغاية من إرسال الرسل وإنزال الكتب، وكما قال ابن القيم(فإن الله سبحانه أرسل رسله، وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط وهو العدل الذي قامت به السموات والأرض، فإذا ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان، فثم شرع الله ودينه، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط، فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين).([360])

لقد كان الإسلام بهذه المبادئ السماوية ثورة على كل الأوضاع الاجتماعية، والسياسية، والاقتصادية، والدينية، التي كان عليها العرب، والأمم الأخرى في الجاهلية، والتي كانت ظلما وجورا، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم بهداية السماء، ليقيم لهم على أنقاضها مجتمع الإنسانية، والعدل والحرية، ويحقق المساواة بينهم في كل شئون الحياة، إذ هذه هي الغاية من إرسال الرسل، وإنزال الكتب، كما قال تعالى(قل أمر ربي بالقسط)([361])، وقال(لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط).([362])

الأصل الخامس: الأخوة الإيمانية والسلطة الشورية:

لقد بشر القرآن في العهد المكي بقرب قيام المجتمع الإنساني الإيماني، كما في قوله تعالى في سورة الشورى وهي مكية(وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون.والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش وإذا ما غضبوا هم يغفرون.والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون.والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون.وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين.ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل.إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم.ولمن صبر وغفر إن ذلك من عزم الأمور).([363])

لقد نزلت هذه الآيات في مكة قبل قيام الدولة الإسلامية في المدينة النبوية، وهي تتحدث عن أبرز صفات المجتمع الإسلامي الجديد الذي سيقوم على أنقاض المجتمع المكي الجاهلي الذي يقوم على ظلم الناس، والبغي في الأرض بغير الحق بالعدوان على الضعفاء، والفقراء، والعبيد، والنساء، ويقوم على الطبقية البغيضة حيث كانت الشورى في مكة مقصورة على الملأ والأشراف من قريش، فكانوا يتشاورون في(دار الندوة)، ولم يكن للضعفاء، والموالي، والنساء، حق في تلك الشورى الجاهلية، فجاء قوله تعالى(الذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون)، لتبشر الآية، بل سورة الشورى كلها، بقرب قيام المجتمع الإنساني الإيماني الذي لا طبقية فيه، ولا جاهلية، ولا عنجهية، بل يقوم على الأخوة، فأمر المؤمنين شورى بينهم لا فرق في ذلك بين حر وعبد، ورجل وامرأة، ولا وضيع وشريف، أو قوي وضعيف، ولا بين غني وفقير، أو كبير وصغير، بل كل من استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة فأمرهم شورى بينهم، فهي من أبرز خصائص المجتمع الإسلامي الذي كان يتشكل في مكة قبل أن تقوم له دولة في المدينة.

لقد جاءت آية الشورى بصيغة الجملة الاسمية فـ(أمرهم)مبتدأ، و(شورى بينهم) خبره، لتفيد الثبوت والاستقرار، وكأن هذه الصفة لا تنفك، ولا يتصور أن تنفك عن ممارسة المجتمع الإيماني لشئون حياته، فلا استبداد بالرأي، ولا استئثار بالسلطة، ولا أثرة بالثروة، ولا طبقية في المجتمع الجديد، وقد أضاف القرآن الأمر للمؤمنين إضافة اختصاص واستحقاق فقال(أمرهم)، ليؤكد أن الأمر للمؤمنين جميعا لا لغيرهم، من الملوك والطغاة، ولا لفئة خاصة منهم، بل هم فيه جميعا شركاء على حد سواء، فلا تختص به فئة، ولا طائفة، ولا قبيلة، ولا أسرة، ولا حزب، ولا قومية.

كما أن هذه الإضافة أفادت العموم كما هو معلوم في علم البيان وأصول الفقه فقوله(وأمرهم)، يشمل كل أمورهم، ويدخل في الأمر دخولا أوليا الإمارة والخلافة، فهي رأس الأمر كله، والعرب تطلق كلمة(أمر)وتقصد السلطة والرئاسة، فيقولون(تقلد أمرهم)، أي رئاستهم، وزعامتهم، وإمارتهم، ومنه قول الشاعر الجاهلي لقيط الإيادي في قصيدته لقومه حيث يقول:

وقلدوا أمـركم لله دركـمُ رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا

وكما في قوله تعالى(وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)، فالمقصود بأولي الأمر هنا الأمراء الذين تجب طاعتهم في طاعة الله ورسوله، وسيأتي تفصيل القول فيه في الأصول العملية.

والمقصود هو أن الأخوة الإيمانية أخص من الأخوة الإنسانية، فالمجتمع الإسلامي تقوم العلاقة بين أفراده على أساس الأخوة، التي تقتضي المساواة التامة بين كل أفراده، بالإضافة إلى ما تقتضيه الأخوة من تعاطف، وتراحم، وتعاضد، كما قال تعالى(إنما المؤمنون إخوة)([364])، وكما في الحديث الصحيح(المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، ولا يسلمه، بحسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه)([365])، وكما في الحديث الآخر(لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)([366])، وكما في قوله(المسلمون تتكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم)([367])، وكما قال في شأن النساء المؤمنات(والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)([368])، وفي الحديث(إنما النساء شقائق الرجال)([369]).

وهذه الأخوة التي تقتضي المساوة تقتضي أيضا ألا يستبد أحد بأمر أحد، ولا يستأثر أحد بشيء دون أحد، إلا بالحق والعدل والقسط، إذ لا فرق بين آحاد المؤمنين، ولا تمايز بينهم، ولا تفاضل إلا بالعمل الصالح.

وكل هذه المعاني والقيم لم تسمع بها الأمم من قبل حتى جاء بها الإسلام، وظهر على كل الأديان بهذه القيم الإنسانية السماوية.

لقد كان أول عمل قام به النبي صلى الله عليه وسلم حين دخل المدينة بعد بناء المسجد هو المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، ليؤكد طبيعة العلاقة بين أفراد المجتمع الجديد، وأنها قائمة على مبدأ الأخوة، فلا أشراف وسوقة، ولا أحرار وعبيد، ولا أقوياء وضعفاء، ولا طبقية، ولا فئوية، ولا طائفية، ولا عصبية، بل الجميع في الأخوة والدين سواء، يصلون جميعا، ويتشاورون جميعا، ويجاهدون في سبيل الله جميعا، وبهذا الأصل العظيم، الذي تحقق بين المؤمنين في مكة قبل هجرتهم للمدينة وإقامة الدولة فيها، حيث تساوى حمزة الهاشمي، وعمر القرشي، مع صهيب الرومي، وبلال الحبشي، واستطاع المسلمون أن يقيموا أول دولة، وأول مجتمع إنساني عرفهما العالم، تحققت فيهما الأخوة الإنسانية، والأخوة الإيمانية بين جميع أفراده، وما ترتب على ذلك من أحكام وتشريعات ألغت كل الفوارق التي كانت ترسخها النظم الجاهلية للتميز بين الناس بالعرق، أو الجنس، أو اللون، أو الطبقة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر في شأن سلمان الفارسي وصهيب الرومي وبلال الحبشي حين أغلظوا القول لأبي سفيان بعد فتح مكة، فنهاهم أبو بكر، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم(يا أبا بكر لعلك أغضبتهم؟لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك)([370])!

وحتى قال صلى الله عليه وسلم عن سلمان الفارسي(سلمان منا آل البيت)([371])، وحتى قال عمر:(أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا، يعني بلالا)([372]).

فصار بلال الحبشي الذي كان عبدا يضرب بالسياط في الجاهلية بمكة، سيدا للمؤمنين في مدينة الإسلام والإنسانية، ومجتمع المساواة والحرية.

وفي الحديث(كان سالم مولى أبي حذيفة يؤم المهاجرين الأولين وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في مسجد قباء، فيهم أبو بكر وعمر)([373]).

وكل ذلك يعد ثورة وانقلابا في قيم المجتمع العربي وتحولا جذريا لا مثيل له في التاريخ الإنساني في مجتمع كان من أكثر المجتمعات طبقية وعنجهية وتمايزا بين فئاته وأفراده بحسب الشرف والنسب والأصل والمكانة!

الأصول السياسية في سورة الشورى المكية:

لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مكة إلى الدين، وإلى (كلمة واحدة تدين لهم بها العرب)، والدين في لغة العرب يأتي بمعنى السلطة والطاعة والحكم والقضاء والسياسة ولا يتحقق شيء من ذلك إلا في ظل دولة وسلطة، وهذا ما أدركته قريش في بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم، إذ مضمونها دعوتهم إلى طاعته واتباعه، ليحكم بينهم بالعدل، ويسوسهم بالقسط، كما قال تعالى في سورة الشورى نفسها، وفيها جاء ما يلي:

(كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم.له ما في السموات وما في الأرض وهو العلي العظيم....

ولو شاء لجعلهم أمة واحدة ولكن يدخل من يشاء في رحمته...

أم اتخذوا من دونه أولياء فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير....)(الشورى3-8).

(وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله ذلكم الله ربي عليه توكلت وإليه أنيب.فاطر السموات والأرض....

ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

له مقاليد السموات والأرض.....

شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه....

وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم...

فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم الله يجمع بيننا وإليه المصير..

الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان..

أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم)(الشورى10-17).

(والذين استجابوا لربهم وأقاموا الصلاة وأمرهم شورى بينهم ومما رزقناهم ينفقون.والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون.وجزاء سيئة سئة مثلها فمن عفى وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين.ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل.إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق...)(الشورى38-42)

(استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله....

فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا

لله ملك السموات والأرض)(الشورى47-49).

قال ابن كثير في تفسير هذه الآيات ـ مسبوكا كلامه محذوفا ما لا تعلق له في أصول الخطاب السياسي ـ:(كذلك يوحي إليك الله العزيز في انتقامه، الحكيم في أقوله وأفعاله، له ما في السموات وما في الأرض الجميع عبيد له وملك له، تحت تصريفه وقهره، وهو العلي الكبير، ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة إما على الهداية أو على الضلالة، أم اتخذوا من دونه أولياء آلهة من دون الله، فالله هو الولي الحق الذي لا تنبغي العبادة إلا له وحده، فمهما اختلفتم فيه من الأمور، وهذا عام في جميع الأشياء، فحكمه إلى الله، فهو الحاكم فيه بكتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ذلكم الله ربي أي الحاكم في كل شيء، عليه توكلت وإليه أرجع في كل الأمور، فاطر السموات والأرض وخالقهما وما بينهما، ليس كمثله شيء الفرد الصمد الذي لا نظير له، له مقاليد السموات والأرض فهو الحاكم المتصرف فيهما، شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا....أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه، أي وصى الله جميع الأنبياء بالائتلاف والجماعة، ونهاهم عن الافتراق والاختلاف، كبر على المشركين ما تدعوهم إليه يا محمد من التوحيد، وإنما كان مخالفتهم للحق بعد بلوغه إليهم، وقيام الحجة عليهم، وما حملهم على ذلك إلا البغي والعناد والمشاقة، ولولا الكلمة السابقة من الله بإنظار العباد بإقامة حسابهم إلى يوم المعاد لعجل لهم العقوبة في الدنيا، فلذلك فادع الناس إليه، واستقم كما أمرت أنت ومن تبعك على عبادة الله، ولا تتبع أهواءهم فيما اختلفوا فيه...وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم في الحكم كما أمرني الله، الله ربنا وربكم المعبود لا إله غيره، لنا أعمالنا ولكم أعمالكم، لا حجة بيننا وبينكم ولا خصومة، الله يجمع بيننا يوم القيامة وإليه المصير والمرجع...الله الذي أنزل الكتاب بالحق على أنبيائه والميزان وهو العدل والإنصاف، أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله من تحريم ما حرموا عليهم وتحليل الميتة والقمار ونحو ذلك، التي كانوا قد اخترعوها في جاهليتهم من التحليل والتحريم ...والذين استجابوا لربهم، فاتبعوا رسوله وأطاعوا أمره، واجتنبوا زجره...وأمرهم شورى بينهم، فلا يبرمون أمرا حتى يتشاوروا، ومما رزقناهم ينفقون بالإحسان إلى الخلق...والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون ممن ظلمهم واعتدى عليهم، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فشرع العدل وهو القصاص، وندب إلى الفضل وهو العفو ...ولمن انتصر بعد ظلمه فليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم...إنما السبيل والجناح والعنت على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ..استجيبوا لربكم من قبل أن يأتي يوم لا مرد له من الله، فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا، ولست عليهم بمسيطر ...لله ملك السموات والأرض، خالقهماومالكهما والمتصرف فيهما...)انتهى كلام ابن كثير مختصرا مسبوكا.

فهذه الآيات المكية من أوضح الأدلة على طبيعة الدعوة النبوية في مكة، وأنها ليست ـ كما يشاع في الثقافة المعاصرة ـ قاصرة على الدعوة إلى ترك عبادة الأوثان فقط، وأن الصراع والجدل إنما كان يدور حول هذه القضية فقط ـ وهو اختزال خطير لموضوع الرسالة، ومقاصدها وغاياتها، أدى إلى هذا الواقع الذي تعيشه الأمة اليوم من ظلم، وتظالم، وتعطيل لحكم الله ورسوله ـ بل كانت الرسالة السماوية المحمدية تشتمل كما ورد في آيات الشورى على:

1- دعوة للتوحيد الديني بعبادة الله وحده لا شريك له، وترك عبادة الأوثان والأنداد، والأولياء والأضداد.

2- ودعوة للتوحيد التشريعي بتوحيد الحاكمية لله، والتحاكم إليه وحده، وتحكيم كتابه ورسوله.

3- ودعوة للتوحيد السياسي والاجتماعي، بالاجتماع والوحدة، وعدم الافتراق في الدين، أو الطاعة والحكم.

4- ودعوة إلى الشورى في الأمر، والعدل في الحكم، والمساواة بين الخلق، وتقرير حق القصاص، وحق العفو، وحق الدفاع عن النفس، والانتصار والانتصاف ممن ظلم واعتدى، ورفض الظلم والعدوان بكل أشكاله وصوره.

إنها دعوة لقيام دولة، ونظام عقائدي، وسياسي، وتشريعي، واجتماعي، يختلف اختلافا جذريا وكليا عما كانت عليه الجاهليه كلها، عربها، وأممها، من شرك واختلاف ديني وتشريعي ـ حيث كان لكل قبيلة أوثانها، وكهانها، وأديانها ـ وما كانت عليه الجاهلية من ظلم وتظالم، واختلاف طبقي وعصبي، وما كانت عليه من تشرذم وافتراق، فلا جماعة توحدهم، ولا سلطة تحكمهم، ولا دولة تنظم شئون حياتهم، وتحفظ لهم كيانهم، فجاء الإسلام دين التوحيد، ليوحدهم دينيا، وسياسيا، وتشريعيا، واجتماعيا، وليقيم لهم دين الحق، ودولة العدل، وميزان القسط، وليخرجهم من الظلمات إلى النور.

لقد تضمنت آيات سورة الشورى المكية، كل أصول الخطاب والنظام السياسي الإسلامي، الذي بشرت السورة بقرب قيامه في المجتمع الإيماني الذي كان يتشكل في مكة على أنقاض المجتمع الجاهلي، وقيمه ونظمه، وكانت الجماعة المؤمنة التي التفت حول النبي صلى الله عليه وسلم هي نواته الأولى، وهي التي ستقيمه بعد ذلك في المدينة، وفق هذه الأصول التي وردت في الشورى وهي:

أولا: أن الملك لله وحده كما ورد في السورة (له ما في السماوات وما في الأرض وهو العلي العظيم)، و(فاطر السماوات والأرض)، و(له مقاليد السموات والأرض)، (لله ملك السموات والأرض يخلق ما شاء)، فليس معه ملوك ولا سادة، بل له وحده الملك والسيادة، وله وحده حق التصرف المطلق في الملك الذي لا ينازعه فيه أحد، بما يشرع فيه من حكم، ويصرف فيه من قضاء وقدر، فقرر سبحانه في هذه الآيات من سورة الشورى:

أ- توحيده في الخلق: (فاطر السماوات والأرض)، وتوحيده في الملك(لله ملك السموات والأرض)(لله ما في السموات وما في الأرض).

ب- وتوحيده في الربوبية، والسيادة في التصريف والتدبير: (له مقاليد السموات والأرض)، فهو سبحانه العزيز الحكيم، والعلي العظيم، فهذه صفاته التي استحقها ووجبت له، فلا عظيم غيره، ولا عزيز معه، ولا علي سواه، وهي الصفات التي يزعم ملوك الأرض وطغاتهم أن لهم فيها نصيبا يوجب لهم على الناس حق الخضوع والطاعة ظلما وعدوانا.

ثانيا: وأن الأمر لله وحده (فالله هو الولي)الذي له على خلقه الولاية المطلقة، وليس معه ولي غيره، ولا لعباده ولي من دونه، والولي في لغة العرب تطلق على المالك للشيء، وعلى من له حق التصرف فيه، ومن له لقدرة على الفعل والعمل لتدبير الأمر، والولاية السلطة والسلطان ـ كما قال ابن السكيت ـ والولي الذي له السلطان والولاية، وكل هذه المعاني واجبة لله جل وجلاله، والإتيان بضمير الفصل (هو)، بين المبتدأ(الله)، والخبر (الولي)، يفيد الحصر والقصر، فالله وحده هو الولي، وليس للخلق ولي للأمر سواه، وجاء بأل التعريف في (الولي)، إفادة للاستغراق والشمول والإطلاق، وإنما استحق هذه الولاية المطلقة لكونه هو الذي يحيي ويميت، وهو الذي على كل شيء قدير(فالله هو الولي وهو يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير)، وإنما ينازعه في ذلك ملوك الأرض وطغاتهم كما قال النمرود(أنا أحيي وأميت)!

ثالثا: وأن لله وحده الحكم والتشريع، والتحليل والتحريم، فهو الذي يشرع لعباده، ويفصل بينهم بحكمه(وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله)فله وحده حق التشريع المطلق للخلق، وعلل استحقاقه للحكم بقوله (ذلكم الله ربي)وبقوله(الله ربنا وربكم)فهو الرب والسيد الذي له حق الأمر والزجر، بل كل من اتخذ غيره مشرعا له فقد أشرك به(أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، فليس للملوك حق معه لا في الملك، ولا في التصرف، ولا في التشريع، كما في الأنظمة الاستبدادية، ولا لرجال الدين، كما في الأنظمة الثيوقراطية، ولا للشعب ولا للأغلبية أن تشرع للأقلية ما تشاء، كما تقرر الأنظمة الديمقراطية، ولا للطبقة العمالية الكادحة أن تشرع ما تشاء مما قد يضر بأصحاب الأموال، كما يجري في الأنظمة الشيوعية والاشتراكية، ولا للرأسمالية أن تشرع للمجتمع ما تريد مما يتوافق مع أهوائها وما تقتضيه مصالحها ولو على حساب الفقراء، ولا يحق لمخلوق أن يشرع التشريع المطلق لمخلوق مثله، سواء كان مؤمنا أو غير مؤمن، إذا لا حق ولا امتياز لبشر فيه على بشر، ولا ضمان في هذه الحال من حدوث الظلم والجور والعدوان عند وضع القوانين، بل ولا ضمان ألا تستبد الأكثرية، وتشرع ما يوافق مصالحها ضد الأقلية، فالإنسان كما وصفه القرآن كان(ظلوما جهولا) ([374])، بل المرجعية في الحكم هي الله وحده، كما قال تعالى(ذلكم حكم الله يحكم بينكم)([375])، فهو سبحانه الذي يقسم الحقوق، ويحدد الحدود، كما جاء في الحديث (إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو فجزأها ثمانية أجزاء) ([376])، وفي الحديث(إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث).([377])

رابعا: وأن الله أوجب الجماعة والوحدة والإئتلاف، وحرم الفرقة والتشرذم والاختلاف (أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه)، والدين بمفهومه العام يشمل العبادة، والطاعة، والسلطة، كما في قوله تعالى(لا إكراه في الدين)، أي لا إكراه في العبادة والطاعة، وقوله تعالى (كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك)([378])، أي سلطان الملك وحكمه، فدعت سورة الشورى الناس كافة إلى اتباع النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته، والتحاكم إليه، وأن يقيموا الدين ولا يتفرقوا فيه، أي الدين بمفهومه الشمولي، فهي دعوة إلى التوحيد الديني في العبادة والطاعة لله، واتباع رسوله، والتوحيد السياسي في الحكم والسلطة، وعدم الاختلاف والافتراق عن الدين أو عن النبي صلى الله عليه وسلم وطاعته وسلطته.

ومما يؤكد الترابط بين الأصلين التوحيد والوحدة حديث الصحيحين(إن الله يرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا)!

خامسا: وأن الحاكم بينهم في الأرض هو النبي صلى الله عليه وسلم، بإذن الله وأمره، فهو المأمور بذلك(وأمرت لأعدل بينكم).

سادسا: وأن قوام الحكم هو العدل بين الجميع المؤمنين ومن خالفهم من غير المؤمنين (وأمرت لأعدل بينكم)، وأن القضاء والفصل بينهم هو بالكتاب، أي القرآن وهو العلم والنور والحق، والميزان وهو العدل والإنصاف والقسط، (الله أنزل الكتاب بالحق والميزان)، فليس للنبي أن يحكم وفق هواه، ولا وفق أهوائهم، (ولا تتبع أهواءهم)، ولا يداهنهم في الحق، ولا يميل معهم، من أجل إرضاء الملأ على حساب الضعفاء، والفقراء، والعبيد.

سابعا: وأن الأمر شورى بينهم في كل أمورهم(وأمرهم شورى بينهم)، فالإمارة بعد النبي صلى الله عليه وسلم شورى بينهم، فهم الذين يختارون خليفتهم برضاهم وشوراهم، فلا ملوك، ولا وراثة، ولا قهر، ولا مغالبة، فالأمة مصدر السلطة، وهي من تختار الإمام، كما أن الأمر شورى في كل أمر من أمور حياتهم، مما لا نص فيه، إذ أن حق التشريع المطلق لله وحده، أما الأمة فلها حق التشريع المقيد، كالشورى في اختيار السلطة، وفي التشريع فيما لا تشريع فيه، و فيما فيه تشريع يحتاج في تطبيقه وتنزيله على أرض الواقع إلى اجتهاد وشورى، وفي كل شأن دنيوي يباح لها تنظيمه، فالله هو الذي جعل الأمر للمؤمنين، وهو الذي شرع لهم ذلك، إذ هو الملك، وهم في عدم الملك سواء، ليس فيهم من له شرك في ملك الله، ولهذا كانت الشورى هي الحكم العدل، الموافق لتوحيد الله في الملك، والحكم، والسيادة، وكل حكم يخالف الشورى، وحق الأمة فيها، فهو جاهلية، وكسروية، ومحادة لله في أخص خصائصه وأحق حقوقه، واستعباد لعباده من دونه، ومنازعته في طاعتهم.

ثامنا: وأن الزكاة فرض، والتكافل الاجتماعي حق، لكل فرد من أفراد المجتمع الجديد(ومما رزقناهم ينفقون)، فللفقراء، والمساكين، والضعفاء، حق معلوم، يؤخذ من الأغنياء، ويدفع للفقراء.

تاسعا: وأن رد الظلم، ودفع العدوان عن النفس والمال والعرض حق، وأن البغي محرم كله بجميع صوره وأشكاله(والذين إذا أصابهم البغي هم ينتصرون)، سواء كان البغي والعدوان من الأفراد أو السلطة.

عاشرا: وأن القصاص حق وعدل لمن وقع عليه ظلم واعتداء، فله القصاص والعدل، أو العفو والفضل، بلا ظلم في القصاص، ولا تجاوز في الاقتصاص (وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله).

الحادي عشر: وأنه لا سبيل ولا جناح على من انتصر لنفسه، ودفع الظلم عنها(ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل)، بل السبيل على من يظلمون الناس، ويفسدون في الأض بغير الحق (إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويسعون في الأرض بغير الحق)، فللناس حق الدفاع عن أنفسهم، ورد الظلم عنهم، وللأمة حق التصدي لمن أراد ذللك منها أو بها، فقد أذن الله لها به، بل جعل ذلك من أبرز صفات المجتمع الإيماني الإسلامي الذي سيقوم على أنقاض المجتمع الجاهلي، الذي يقبل الظلم والتظالم، فالظلم محظور بكل صوره، على المؤمن وغير المؤمن، والفساد في الأرض محرم كله، بل المطلوب والمقصود من إقامة الدين والدولة، والجماعة، والسلطة، نشر العدل، وتحقيق الإصلاح.

الثاني عشر: وأن كل ما سبق تقريره لا يصادر حق الإنسان في البقاء على دينه، فالتعددية الدينية، والحرية العقائدية، أصل من أصول الخطاب القرآني، ولهذا قال في آيات الشورى(والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل)، فالله وحده هو الوكيل الذي يحاسبهم يوم القيامة، ولست عليهم بحفيظ، ولا مسئولا عنهم، وقال أيضا في سورة الشورى(ولو شاء الله لجعلهم أمة واحدة)، إلا أنه سبحانه خلقهم ليبتليهم، ويختبرهم، ولا يتحقق ذلك بإجبارهم بل بتحريرهم وجعلهم أحرارا من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ليقيم عليهم حجته، (ولولا كلمة سبقت من ربك لقضي بينهم)، فالمطلوب أن تحكم بينهم في الدنيا بالعدل، ولله يوم القيامة الحكم بينهم والفصل، وإنما عليك دعوتهم إلى التحاكم إلى كتاب الله واتباعه(فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظا)، ولست عليهم بمسيطر، إذ الحكمة الربانية تقتضي أن يكونوا أحرارا ليعبدوه ويطيعوه برضا واختيار، بلا إكراه أو إجبار، ليتحقق الابتلاء والاختبار فـ(الله ربنا وربكم لنا أعمالنا ولكم أعمالكم لا حجة بيننا وبينكم)، فالتعددية الدينية، والحرية العقائدية، مقصودة لله العليم الحكيم، كما قال تعالى في سورة هود وهي مكية(ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم)([379])، قال ابن كثير في تفسيره:(أي لا يزال الاختلاف بين الناس في أديانهم واعتقادات مللهم ونحلهم ومذاهبهم وآرائهم، ولذلك خلقهم ...قال الحسن البصري وللإختلاف خلقهم)، مع أنه لو شاء سبحانه لجعلهم أمة واحدة، وجماعة واحدة، وعلى ملة واحدة، إلا أنه سبحانه أراد منهم ـ إرادة كونية قدرية لا إرادة حكمية شرعية ـ غير ذلك، فقد أراد ابتلاءهم واختبارهم، وجعل الحكم في هذا الاختلاف بينهم له يوم القيامة، أما في الدنيا فقد أمرهم بالعدل والقسط، وأن يكونوا أحرارا، ليس أحد عليهم بمسيطر، كما تقرر بعد ذلك في المدينة، حيث نزل قوله تعالى(لا إكراه في الدين)، مؤكدا هذا الأصل الذي تقرر في الخطاب المكي.

فتجلى ـ في هذه السورة وحدها من سور العهد المكي ـ الخطاب السياسي القرآني، وأصوله كلها التي أمر الله رسوله بالدعوة إليها في سورة الشورى نفسها في قوله تعالى له(فلذلك فادع واستقم كما أمرت)أي ادع إلى كل ما جاء في هذه السورة من أصول وأحكام وتشريعات، هذه الأصول التي عالجت كل إشكالية عقائدية وسياسية وتشريعية ضرورية لقيام الدولة والمجتمع في النظام الإسلامي، تلك الأصول التي تقوم على أساس أن الملك لله وحده، والسيادة له وحده، وعلى ضرورة وجود الدولة بالجماعة والاجتماع، وعدم الافتراق والاختلاف، وضرورة قيام السلطة التي يتحاكمون إليها، وتحكم بينهم بالعدل، وتحديد المرجعية في الحكم والتشريع وهو كتاب الله، وما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وتحديد المرجعية في اختيار السلطة وهو الأمة، التي تمارس حقها في الأمر الذي جعله الله لها بالشورى، وتحديد الغاية من ذلك وهو تحقيق العدل، ورفع الظلم، وتحقيق التكافل الاجتماعي، وتنظيم دورة المال، كي لا يكون دولة بين الأغنياء، وذلك بفرض الزكاة، ووجوب والإنفاق على الفقراء، وتحقيق الضمان الاجتماعي لهم، وأن يقوم كل ما سبق على أساس من التعددية الدينية والحرية السياسية، للمؤمن وغير المؤمن، ما دام تحت حكم الله ورسوله.

إن كل ما سبق بيانه من أصول عقائدية، وقضايا إيمانية، في الخطاب القرآني المكي، التي تحدد العلاقة بين الإنسان وخالقه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان، وبين الإنسان ومجتمعه، هي الأساس الذي يقوم عليه الخطاب السياسي الإسلامي، والذي سيتجلى على أرض الواقع بالخطاب النبوي في المدينة النبوية، ثم بعد ذلك بالخطاب الراشدي، الذي استطاع أن يحكم دولة كبرى تمتد من أقصى حدود أفغانستان شرقا، إلى أقصى حدود تونس غربا، ويرث الإمبراطورية الفارسية كلها، وأقاليم الإمبراطورية الرومانية في أسيا وأفريقيا كلها، على أسس من العدل، والحرية، والمساواة، والرحمة، والتعددية والتسامح الديني، بما لا عهد للأمم به من قبل، ولا من بعد، وهو ما يجعل من البحث في أصول هذا الخطاب أمرا ضروريا، لأنها الأساس الذي جاءت كل أحكام الشريعة للتعبير عن مضامينه ومقاصده وغاياته، وهي الأصول المحكمات للخطاب السياسي التي ترد إليها المتشابهات والمشكلات، لفهم وتفسير كل الأحداث السياسية في العهد النبوي والراشدي، فلا يمكن فهم الخطاب السياسي الإسلامي إلا بعد فهم الخطاب العقائدي الإيماني القرآني والنبوي، وهو أن الملك لله وحده، والطاعة له وحده، كما أبان عن ذلك ابن جرير الطبري في تفسير قوله تعالى(ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض ومالكم من دون الله من ولي ولا نصير)حيث قال(أخبرهم الله أن له ملك السموات والأرض وسلطانهما، فإن الخلق أهل مملكته وطاعته، عليهم السمع له والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما شاء، ونهيهم عما شاء، ونسخ ما شاء، وإقرار ما شاء، وإنساء ما شاء من أحكامه وأمره ونهيه، ثم قال لنبيه صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين معه:انقادوا لأمري، وانتهوا إلى طاعتي، فيما أنسخ وفيما أترك من أحكامي، وحدودي، وفرائضي، فإنه لا قيم بأمركم سواي، ولا ناصر لكم غيري، وأنا المنفرد بولايتكم، والدفاع عنكم، والولي معناه فعيل من قول القائل:وليت أمر فلان إذا صرت قيما به فأنا أليه فهو وليه وقيمه)([380]).

فليس للخلق ملك إلا الله، ولا ولي له عليهم الولاية والسمع والطاعة إلا الله، وأن ولاية من سواه تبع لولايته وسلطته جل جلاله، فمن جعل له دون الله وليا دون الله يأتمر بأمره وينتهي عند نهيه فقد أشرك بالله في ملكه وطاعته وولايته!

وهذا الأصل العظيم من أصول التوحيد هو الذي ستأتي كافة التشريعات والأحكام السياسية العملية لتعبر عنه أوضح تعبير كما سيتجلى في الخطاب النبوي والراشدي.



([1]) إبراهيم 1 .

([2]) النحل 89 .

([3]) الأنبياء 107 .

([4]) محمد 19 .

([5]) رواه البخاري ح7372و1395و1496،ومسلم ح19 .

([6]) رواه البخاري،ومسلم ح23 .

([7]) الأعراف 54 .

([8]) الأنعام 102 وغافر 62.

([9]) الفاتحة 2.

([10]) الناس 1.

([11]) الأنعام 164.

([12]) البقرة 255 .

([13]) الأعراف 180 .

([14]) الزمر 6 .

([15]) الناس 2 ـ3.

([16]) الأنعام 57ويوسف 67 .

([17]) القصص 70 .

([18]) النساء 64 .

([19]) الأنبياء 25 .

([20]) العنكبوت 56 . .

([21]) البقرة 40 .

([22]) النحل 51 .

([23]) المائدة 44 .

([24]) الأحزاب 39 .

([25]) التوبة 18 .

([26]) الكهف 110 .

([27]) الكهف 26 .

([28]) الشورى 21 .

([29]) الإسراء 111 والفرقان 2.

([30]) الأنعام 121 .

([31]) الأعراف 59 و65 و73 و85 .

([32]) الأنعام 102 .

([33]) الأنبياء 25 .

([34]) ق 5 .

([35]) الأنعام 106 .

([36]) الأعراف 3 .

([37]) يونس 66 .

([38]) البقرة 116 .

([39]) هود 59 .

([40]) هود 97 .

([41]) القصص 50 .

([42]) مريم 59 .

([43]) الفرقان 43 .

([44]) الجاثية 23 .

([45]) الأنعام 121 .

([46]) الأحزاب 67 .

([47]) النساء 64 .

([48]) النساء 80 .

([49]) الأنعام 114 .

([50]) يوسف 40 .

([51]) النساء 60 .

([52]) الكهف 26 .

([53]) القصص 38 .

([54]) الشعراء 29 .

([55]) المؤمنون 47 .

([56]) الأعراف 127 .

([57]) التوبة 31 .

([58]) يوسف 39 .

([59]) آل عمران 64 .

([60]) آل عمران 80 .

([61]) الفاتحة 2- 5.

([62]) الناس 1-3 .

([63]) النازعات 24 .

([64]) البقرة 258.

([65]) آل عمران 64.

([66]) طـه 24 .

([67]) النازعات 24 ،ولاحظ الإعجاز العددي في آية رقم 24 في سورة طه (اذهب إلى فرعون إنه طغى)،وآية رقم 24 في النازعات(قال أنا ربكم الأعلى)،مع كون السورة الأولى في أول المصحف ورقمها 20،والثانية في آخره ورقمها 79،فطغيان فرعون هو في ادعائه أنه السيد الأعلى الذي له الطاعة المطلقة!!

([68]) الزخرف 51 .

([69]) القصص 38 .

([70]) القصص 4 .

([71]) المؤمنون 46-47 .

([72]) الأنبياء 23 .

([73]) طه 43-46 .

([74]) لم يأذن الله جل جلاله بالخوف من غيره،سواء ما سمي خوف السر أو الخوف البشري الطبيعي،بل الآيات القرآنية التي اشترطت لتحقق الإيمان عدم الخوف من غير الله إنما جاءت في الخوف البشري كما في قوله تعالى مخاطبا المؤمنين ألا يخافوا من أعدائهم المشركين(ولا تخافوهم وخافوني إن كنتم مؤمنين) فالتفصيل الحادث والتفريق بين خوف السر والخوف الطبيعي تفريق لا يدل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا معقول،إذ المقصود من عدم الخوف ممن سوى الله الإيمان المطلق بالله والثقة به وحده،والتوكل عليه،والإنابة إليه لكون الأمر كله بيديه،لا شريك له،فلا فرق بين أن يخاف الإنسان من حجر أو قبر أو بشر إذ خوفه منه عادة بسبب الخشية من ضرره وهذا قدح في الإيمان إذ لا يملك الضر والخير إلا الله وحده،وهذا الخوف قد ينافي كمال الإيمان،وقد ينافي أصل الإيمان بحسبه،ومع أن الله جل جلاله نهى عباده عن الخوف ممن سواه مطلقا،فقد أمرهم بالحذر في مواجهة أعدائهم إذ الحذر لا يقتضي الخوف الذي يمنع من الإقدام بل يقتضي الحيطة التي تحقق الظفر والنصر.

([75]) طه 67-68 .

([76]) آل عمران 175 .

([77]) المائدة 3 .

([78]) المائدة 44 .

([79]) البقرة 40 .

([80]) النحل 51 .

([81]) تاريخ ابن جرير الطبري 2/ 402 .

([82]) الطبري 2 / 401-402.

([83]) الأنبياء 107 .

([84]) الكهف 29 .

([85]) الأعراف 158.

([86]) الزمر 62 .

([87]) غافر 62 .ولاحظ الإعجاز العددي في آية رقم 62 في الزمر وغافر وتضمن الآيتين إثبات وحدانية الله في الخالقية.

([88]) الأنعام 102 .

([89]) الأعراف 54 .

([90]) طه 114 .

([91]) المؤمنون 116.

([92]) الفاتحة 4 .

([93]) الناس 2 .

([94]) الجمعة 4 .

([95]) الحشر 23 .

([96]) البخاري ح 4121.

([97]) رواه البخاري،ومسلم ح2620 .

([98]) رواه البخاري ح7382، ومسلم ح2787 .

([99]) مسلم ح 2788 .

([100]) المؤمنون 47 .

([101]) رواه مسلم ح3002 .

([102]) يونس 25 .

([103]) قريش 3-4 .

([104]) رواه البخاري في صحيحه ح7381.

([105]) الكهف 49.

([106]) البقرة 258 .

([107]) طه 71 .

([108]) القصص 4 .

([109]) صحيح البخاري رقم 4534،وصحيح مسلم رقم 2787 و2788 من حديث أبي هريرة وابن عمر،وأحمد في مسنده 2/72 مطولا على شرط الصحيح.

([110]) الحاكم في المستدرك 2/475 عن ابن عباس موقفا وله حكم المرفوع،وقال صحيح على شرط مسلم وأقره الذهبي وهو كما قال.

([111]) هود 59 .

([112]) إبراهيم 13-15.

([113]) غافر 35 .

([114]) مريم 14.

([115]) مريم 32 .

([116]) ق 45 .

([117]) رواه مسلم ح 91.

([118]) رواه البخاري في صحيحه ح رقم 7،ومسلم ح 1773.

([119]) غافر 46 .

([120]) البقرة 165.

([121]) سبأ 33 .

([122]) الأحزاب 67.

([123]) الشورى 21.

([124]) فاطر 13 .

([125]) الزمر 44 .

([126]) الشورى 49 .

([127]) الفتح 14 .

([128]) البروج 9 .

([129]) الحديد 2 .

([130]) الملك 1 .

([131]) المائدة 120.

([132]) المائدة 18 .

([133]) التغابن 1.

([134]) النمل 62 .

([135]) رواه أحمد في المسند 5/395 من حديث حذيفة قال الهيثمي (فيه راو مبهم وباقي رجاله ثقات)،وهو حسن بمتابعاته كما في مصنف عبدالرزاق 3/157،و4/324 من حديث حذيفة،وله شاهد عند البيهقي في شعب الإيمان 4/97 من حديث سعد بن أبي وقاص،ومن حديث أبي سعيد الخدري.

([136]) رواه مسلم ح3002 .

([137]) رواه البخاري ح 7416 ،ومسلم ح 2760 .

([138]) رواه مسلم ح2760 .

([139]) آل عمران 26 .

([140]) الأنعام 73 .

([141]) الفرقان 2 .

([142]) الإسراء 111 .

([143]) رواه البخاري في صحيحه ح2452 و2453.

([144]) رواه البخاري في صحيحه ح 2454 .

([145]) رواه البخاري في صحيحه ح 3059 .

([146]) غافر 16 .

([147]) الفرقان 26 .

([148]) الأنعام 73 .

([149]) الحج 56 .

([150]) آل عمران 21 .

([151]) السعادة والإسعاد للعامري ص 249،وانظر العقل الأخلاقي العربي للجابري ص 163.

([152]) ص 17،وانظر العقل الأخلاقي العربي 167 ـ 170 .

([153]) آل عمران 26 .

([154]) الإسراء 30 .

([155]) الشورى 42 .

([156]) القصص 76 .

([157]) البقرة 251 .

([158]) ص 26 .

([159]) البقرة 258 .

([160]) البقرة 247 .

([161]) البقرة 124 .

([162]) تفسير ابن كثير 1/227.

([163]) مقدمة ابن خلدون 1/208.

([164]) رواه النسائي في السنن الكبرى 4/171،والبيهقي 7/49،وله شاهد في مصنف عبدالرزاق 3/183.

([165]) انظر شرح النووي لصحيح مسلم ح رقم 1773 .

([166]) رواه أحمد في المسند 4/387 بإسنادين أحدهما صحيح،والطبراني في الكبير 20/98 من حديث عمرو بن عبسة.

([167]) رواه عبدالرزاق في المصنف 11/48 ،وعنه أحمد في المسند 5/272 من حديث الخثعمي بإسناد مقبول.

([168]) رواه البخاري ح 6205،ومسلم ح 2143.

([169]) انظر شرح النووي على صحيح مسلم حديث رقم 1773.

([170]) رواه البخاري ح 6171،ومسلم ح 7187.

([171]) رواه مسلم ح7172.

([172]) مسلم ح7194-7196.

([173]) رواه البخاري ح688و689،ومسلم ح 928 واللفظ له.

([174]) رواه البخاري ح 5426 ،ومسلم ح2067.

([175]) رواه البخاري ح 5634،ومسلم ح2065.

([176]) رواه البخاري ح 5635،ومسلم ح2066.

([177]) رواه البخاري ح 5841،ومسلم ح2068.

([178]) رواه البخاري ح 5788،ومسلم ح2085.

([179]) رواه البخاري ح 5789،ومسلم ح2088.

([180]) أبو داود في السنن ح4806،وإسناده صحيح.

([181]) الترمذي ح2754،وقال(حديث حسن صحيح).

([182])رواه أبو داود ح 5229،والترمذي ح2755،وقال(حديث حسن ).

([183]) رواه أبو داود ح 5230 .

([184]) رواه أبو داود في السنن ح4895.

([185]) صحيح البخاري ح6065،ومسلم ح 105 .

([186]) رواه أبو داود في السنن ح4888.

([187]) رواه أبو داود في السنن ح3773.

([188]) رواه أبو داود ح 3771 .

([189]) رواه ابن ماجه ح رقم 3312 ،وصححه الألباني في صحيح الجامع.

([190]) الشريعة للآجري ص 26 باختصار وحذف للأسانيد.

([191]) رواه أحمد في المسند 5/251 من حديث أبي أمامة الاهلي بإسناد جيد،والطبراني في المعجم الكبير 8/98،وابن حبان في صحيحه 15/111،والحاكم في المستدرك على الصحيحين 4/104وقال (إسناده صحيح)،وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 7/551(رواه أحمد والطبراني ورجالهما رجال الصحيح).

([192]) الفاتحة 2 .

([193]) الناس 1-3 .

([194]) مريم 65 .

([195]) الشعراء 26 .

([196]) المزمل 9 .

([197]) الأنعام 164 .

([198]) آل عمران 64 .

([199]) التوبة 31 .

([200]) الأحزاب 67 .

([201]) رواه أبو داود في السنن ح4806،وأحمد في المسند وإسناده صحيح.

([202]) رواه أحمد في المسند ح رقم 20455،من حديث حماد بن سلمة عن حميد الطويل عن الحسن البصري عن أبي بكرة رضي الله عنه،وهذا إسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ الأثبات على شرط الشيخين،وحماد من أشهر أصحاب المصنفات في مطلع القرن الهجري الثاني،وهو أعلم الناس بحديث خاله حميد الطويل،وقد خرج حديثه مسلم،وأخرج له البخاري حديثا واحدا على الصحيح،فهو من رجال الشيخين على التحقيق،والمقصود أن كون ابنة كسرى تملكهم وتخضعهم لطاعتها وهي امرأة ضعيفة دليل على ضعفهم وفشلهم وعدم فلاحهم،إذ كيف يخلقهم الله أحرارا وتملكهم امرأة!وقد رواه البيهقي 10/117 بإسناد البخاري بلفظ (لن يفلح قوم ملكوا أمرهم امرأة)،وهي موافقة للفظ رواية حماد بن سلمة.

([203]) انظر طبقات ابن سعد 1/60،والقصة رواها ابن إسحاق في المغازي والسير مطولة،وعنه ابن جرير الطبري في تاريخه 2/133،وصحح الحديث الألباني في الصحيحة رقم 1429،وصحيح الجامع رقم 864.

([204]) الشعراء 23-29 .

([205]) الشعراء 47-49 .

([206]) الزخرف 51-52 .

([207]) الأعراف 123.

([208]) طه 71 .

([209]) البخاري في الأدب المفرد ح 811 ،وصحيح ابن حبان ح 504 .

([210]) الأنعام 57 .

([211]) الأنعام 62 .

([212]) يوسف 40 .

([213]) الرعد 41 .

([214]) الكهف 26 .

([215]) الأنعام 121 .

([216]) الشورى 21.

([217]) النساء 60 .

([218]) البقرة 257 .

([219]) النساء 76 .

([220]) النحل 36 .

([221]) الزمر 17 .

([222]) مدارج السالكين 1/344 .

([223]) البقرة 30 .

([224]) هود 61 .

([225]) الأعراف 189 .

([226]) الحجرات 13 .

([227]) الإسراء 70 .

([228]) المائدة 32 .

([229]) النور 55 .

([230]) الأنبياء 105 .

([231]) مسلم ح 2889 ،وأبو داود ح 4252 .

([232]) الطبري 2 / 401-402.

([233]) القصص 4 .

([234]) آل عمران 75 .

([235]) الزخرف 31 .

([236]) النحل 58-59 .

([237]) أبو داود ح5116 .

([238]) أحمد في المسند 5/ 411 بإسناد صحيح .

([239]) رواه أبو داود في السنن ح4895.

([240]) رواه البخاري في صحيحه ح رقم 7 ،ومسلم ح رقم 1773 .

([241]) آل عمران 64 .

([242]) انظر ما سبق ص .

([243]) انظر قول ابن قدامة الحنبلي في الكافي 4/48 (الأصل الحرية والظاهر في الدار ـ أي دار الإسلام ـ الحرية)،وفي الشرح الكبير للمقدسي 9/480 (الأصل الحرية والرق طارئ).

([244]) انظر ما سيأتي .

([245]) النساء 92 .

([246]) التوبة 60 .

([247]) النور 33 .

([248]) تفسير ابن كثير آية 33 من سورة النور.

([249]) رواه ابن عبد الحكم في فتوح مصر 167 بإسناده عن ثابت وحميد الطويل عن أنس أن عمر،وهذا إسناد صحيح.

([250]) انظر ما سبق .

([251]) الشعراء 22 .

([252]) الإسراء 1 .

([253]) الجن 19 .

([254]) البخاري مع الفتح 13/5 ح رقم (7056) ، ومسلم 3/1470 ح رقم (1709) .

([255]) صحيح البخاري مع الفتح 5/65 ، ح (2390) و 5/62 ، ح (2401) .

([256]) رواه أحمد 5/251 و 256 ، و3/19 و61 ، و4/315 ، وأبو داود ، ح رقم (4344) ، والترمذي ، ح رقم (2175) ، وابن ماجه ، ح رقم (4011) ، والنسائي (2/187) من طرق عن جماعة من الصحابة،وصححه الألباني في الصحيحة رقم (491) .

([257]) صحيح مسلم ح 55 .

([258]) الشورى 38 .

([259]) انظر ما سبق في المبادئ المهمة .

([260]) انظر ما سبق في المبادئ المهمة .

([261]) آل عمران 159 .

([262]) آل عمران 64 .

([263]) التوبة 31 .

([264]) رواه الترمذي ح 3095 وأحمد في المسند وابن جرير الطبري في تفسير الآية من طرق.

([265]) النازعات 24 .

([266]) الزخرف 51 .

([267]) الشعراء 29 .

([268]) القصص 38-39 .

([269]) الأعراف 127-129 .

([270]) المؤمنون 47 .

([271]) الفرقان 43 .

([272]) الجاثية 23 .

([273]) القصص 50 .

([274]) انظر تفسير القرطبي 13/36.

([275]) البخاري ح 2886و2887 .

([276]) آل عمران 35 .

([277]) البقرة 256 .

([278]) رواه مسلم في صحيحه ح2249.

([279]) الأعراف 29.

([280]) الزمر 2.

([281]) الزمر 3.

([282]) الزمر 11 - 17 .

([283]) البقرة 256 .

([284]) غافر 14 .

([285]) غافر 65 .

([286]) سورة البقرة 22.

([287]) سورة البقرة 165.

([288]) البينة 5 .

([289]) يونس 23 .

([290]) العنكبوت 65 .

([291]) لقمان 32 .

([292]) الزمر 3 .

([293]) الإسراء 67 .

([294]) الأنبياء 107 .

([295]) الحديد 25 .

([296]) الرحمن 1-9 .

([297]) الأعراف 29 .

([298]) الشورى 15 .

([299]) صحيح مسلم ح 2599 .

([300]) صحيح مسلم ح 2319 .

([301]) أبو داود ح 4941 بإسناد صحيح.

([302]) صحيح البخاري ح 745 ,ومسلم ح 2242 واللفظ له .

([303]) صحيح البخاري ح 2363.

([304]) رواه أبو داود ح 5268 .

([305]) المطففين 1-6 .

([306]) هود 84-85 .

([307]) الشعراء 181-183 .

([308]) هود 87 .

([309]) التوبة 34 .

([310]) النساء 161 .

([311]) الفجر 17-20 .

([312]) الماعون 1-7 .

([313]) الضحى 9-10 .

([314]) الليل 5-18 .

([315]) البلد 11-17 .

([316]) المدثر 42-44 .

([317]) النساء 75 .

([318]) التكوير 8-9 .

([319]) رواه البخاري في صحيحه ح4913.

([320]) الإنسان 8-9 .

([321]) الأنعام 52-53 .

([322]) الكهف 28 .

([323]) عبس 1-7 .

([324]) الشعراء 111-114 .

([325]) هود 27.

([326]) هود 29-31 .

([327]) القصص 4-5 .

([328]) الأنعام 151-153 .

([329]) الأعراف 29 .

([330]) رواه مسلم ح 2577 .

([331]) رواه البخاري ح 1496.

([332]) يونس 13 .

([333]) الكهف 59 .

([334]) القصص 59 ،ولاحظ الإعجاز العددي في رقم هذه اللآية والتي قبلها وتطابق مضمونهما!

([335]) صحيح البخاري ح 4304و2648 ،ومسلم ح 1688.

([336]) مسلم ح 2582 .

([337]) رواه البخاري ح 7.

([338]) رواه ابن اسحاق في السيرة،ومن طريقه أحمد في المسند ح1751 بإسناد صحيح.

([339]) أحمد في المسند ح2017 ،والترمذي ح3232 وقال(حسن صحيح).

([340]) القصص 56-59 .

([341]) الأنعام 121-123 .

([342]) النساء 60 .

([343]) الإسراء 16.

([344]) الأحزاب 67 .

[345] النساء 75 .

([346]) رواه ابن إسحاق في السيرة كما في تهذيب ابن هشام 2/264 .

([347]) سورة ص 6 .ورواه الترمذي ح 3232 وقال (حسن صحيح).

([348]) طه 58-64 .

([349]) الأعراف 109 .

([350]) الأعراف 123 .

([351]) يونس 79 .

([352]) غافر 27 .

([353]) آل عمران 103 .

([354]) الأنفال 63 .

([355]) الشورى 15 .

([356]) المائدة 5 .

([357]) النحل 90 .

([358]) الممتحنة 8 .

([359]) المائدة 42 .

([360]) الطرق الحكمية في السياسة الشرعية ص 14 .

([361]) الأعراف 29 .

([362]) الحديد 25.

([363]) الشورى 36- 43 .

([364]) الحجرات 10 .

([365]) رواه مسلم في صحيحه ح 2564 .

([366]) رواه البخاري ح 13،ومسلم ح 45 .

([367]) رواه أبوداود ح 4530،والنسائي ح 4738 .

([368]) التوبة 71 .

([369]) رواه أبوداود ح 236،والترمذي ح 113،بإسناد حسن.

([370]) رواه مسلم في صحيحه ح 2504 .

([371]) رواه الطبراني وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 6/130(فيه كثير بن عبدالله المزني ضعفه الجمهور،وحسن الترمذي حديثه) .

([372]) رواه البخاري ح 3754.

([373]) رواه البخاري ح 7175.

([374]) الأحزاب 72 .

([375]) الممتجنة 10 .

([376]) أبو داود في السنن ح1630 .

([377]) الترمذي ح 2120و2121 وقال(حديث حسن صحيح).

([378]) يوسف 76 .

([379]) هود 119 .

([380]) ابن جرير الطبري في تفسيره سورة البقرة آية 107 .


بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ