الجمعة 1439/01/30 هـ
الأخبار ||

الحركات الإصلاحية الخليجية بين الحالة الثورية والمحاولة السلمية

الحركات الإصلاحية الخليجية بين الحالة الثورية والمحاولة السلمية
4/18/2013 6:20:12 AM
الحركات الإصلاحية الخليجية بين الحالة الثورية والمحاولة السلمية

بقلم د . حاكم المطيري

يشهد الخليج العربي حراكا سياسيا وفكريا كبيرا منذ عقدين من الزمن تقريبا تقوده نخب سياسية وتجمعات حركية إسلامية ووطنية إصلاحية سلمية أو ثورية ترى أن الوقت قد حان لتغيير الواقع السياسي وضرورة تجاوز الحال العشائرية الأسرية في الحكم من جهة وحال التشرذم القطري لدول الخليج العربي من جهة أخرى تلك الحالتان اللتان فرضهما الاستعمار الغربي على المنطقة منذ ما قبل الحرب العالمية الأولى في حدود سنة 1900 م إلى اتفاقية سايكس بيكو سنة 1916م ثم ما تلاها من ترتيبات سنة 1920م تمت وفق مصالح الغرب الاستعماري على حساب مصلحة شعب الجزيرة والخليج العربي حيث ما زال هذا الشعب الواحد - بقوميته وهويته ولغته ودينه وثقافته وتاريخه وجغرافيته - يدفع ثمن تلك الترتيبات إلى اليوم سياسيا وعسكريا واقتصاديا وأمنيا واجتماعيا بعد أن كان إقليما واحدا منذ وحد النبي صلى الله عليه وسلم جزيرة العرب بالإسلام والتوحيد ثم قاعدة للخلافة الراشدة ثم أهم أقاليم الخلافة الأموية ثم العباسية ثم أهم ولايات الخلافة العثمانية حيث كانت الحاميات العسكرية العثمانية تحيط بالجزيرة العربية من الإحساء إلى مكة وجدة والطائف وعسير واليمن مدة خمسة قرون تقريبا حتى سقطت في آخر الحرب العالمية الصليبية الأولى سنة 1918م وما تزال إلى اليوم وهي تعيش تداعيات ذلك السقوط!

فعلى الصعيد العسكري ما تزال القواعد العسكرية الاستعمارية الأمريكية والبريطانية والفرنسية تنتشر في الخليج من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه باسم الاتفاقيات الأمنية وهي الاسم الجديد لاتفاقيات الحماية والاحتلال الأجنبي للمنطقة منذ مطلع القرن الماضي إلى اليوم حيث لا سيادة لحكوماته ولا استقلال لدوله ولا إرادة لشعوبه فيما يجري فيها وحولها من أحداث كبرى وحروب استعمارية تدفع المنطقة فاتورتها دون أن تحقق لها الأمن والاستقرار الدائم!

فقد بقي الحال في المنطقة كما هو عليه منذ الحرب العالمية الأولى إلى اليوم ولم يتغير شيء سوى أن بريطانيا عجزت عن حماية مستعمراتها فورثتها الولايات المتحدة واستبدلت الاتفاقيات الأمنية الأمريكية بمعاهدات الحماية البريطانية للمحافظة على وجود مصالحهما بالحفاظ على حلفائهما!

وكما يقول الكاتب الفرنسي جان بيربي عن السيطرة البريطانية على المنطقة (ونتيجة لتعهداتها القديمة التي تفرض عليها حماية علاقاتها وامتيازاتها، ترى بريطانيا نفسها مضطرة لحماية استقلال إمارات ومشيخات رجعية التركيب، في الوقت الذي يتطور فيه رعاياها بسرعة مذهلة ويفتحون عيونهم على ما يجري حولهم، وأي ضعف أو تهاون في المساندة البريطانية معناه انهيار نظام قائم على بضعة أشخاص مخلصين للصداقة البريطانية، وللاحتفاظ ببترول الخليج والأرباح الطائلة التي يدرها، تجد بريطانيا نفسها ملزمة أكثر فأكثر في وجوب تقديم مساندة مسلحة لكل أصدقائها في الخليج، مهما كانت نوعية تلك الدواعي، لقد عزمت وقررت نهائيا أن تربط بها مصير جميع الإمارات والمشيخات العربية الواقعة على الخليج العربي، دون أن تأخذ بعين الاعتبار كبر هذه الكيانات أو صغرها، وإنتاجها النفطي، وإمكاناتها الحياتية، في هذه المنطقة التي لا حدود لها فاصلة).[1]

وعلى الصعيد الأمني لا يوجد أي شعور بالأمن في كل دول الخليج العربي حتى صارت الأخطار تتهددها من كل جانب وأصبح الخليجيون في مهب الريح يترقبون المصير المجهول لهم بعد أن رأوا ما جرى في العراق من مجازر وحشية ذهب ضحيتها على يد قوات الاحتلال الصليبية وفرق الموت الطائفية والميليشيات الصفوية ما يقارب مليون قتيل وملايين المهجرين وهو ما يستدعي في الذاكرة الأحداث التاريخية لحروب التتار والشواهد اليوم أكثر من أن تحصى على خطورة ما يخطط له الصليبيون الصهيونيون والعلقميون الطائفيون بتحالفهم المشبوه اليوم في العراق وما يحضر له الصفويون من وراء الكواليس لمشرعهم الطائفي على حساب العرب خاصة والأمة عامة!

ولهذا صارت المنطقة كلها اليوم ضحية تقاطع المصالح الغربية الإيرانية وأسيرة التفاهم الأمريكي الإيراني كما جرى في العراق وأفغانستان وهو ما يجري اليوم في الخليج العربي أيضا الذي قد يتعرض لما تعرض له العراق سنة 2003م!

وعلى الصعيد الاجتماعي تعيش القبائل العربية الممتدة في الخليج العربي - حيث كانت وما تزال على أرضها وأرض آبائها وأجدادها - أزمة هوية تاريخية حيث تدفع القبيلة والأسرة العربية الواحدة الممتدة جغرافيا - المقسمة لشعوب ودول قطرية وطنية وهمية - ضريبة مشروع الاستعمار البريطاني للمنطقة منذ الحرب العالمية الأولى وهي حال اجتماعية غير طبيعية ولا يمكن لها أن تدوم ولا حل لها إلا بالوحدة بين شعب الخليج والجزيرة الواحد.

وعلى الصعيد الاقتصادي باتت ثروات المنطقة كلها تقريبا ملكا خاصا للمتنفذين في السلطة وحاشيتهم لا ملكا للدول والشعوب حيث يقدر ما تم إيداعه في البنوك الغربية بأسمائهم الشخصية نحو ترليون دولار أي ألف مليار دولار وهو ما يساوي ميزانية دول المنطقة كلها لمائة عام قادمة وهي أكبر سرقة عرفها التاريخ البشري!

كما فشلت الحكومات في استثمار الثروة في إيجاد قاعدة صناعية إنتاجية وتوطين الصناعة لمواجهة عصر ما بعد النفط في الوقت الذي استطاعت ماليزيا أن تقطع شوطا كبيرا في هذا المجال في زمن قياسي بينما بددت حكومات الخليج ثروتها دون تحقق تنمية اقتصادية حقيقية وقد صارت صالات القمار والمجون في العواصم الغربية أحد أهم مصادر استنزاف ثروات المنطقة على أيدي السفهاء من الأمراء والأثرياء الطارئين!

لقد دفعت المنطقة ثمنا فادحا لخطأ تاريخي ومخطط استعماري جعل حق منح امتياز النفط للشيوخ الذين تحالفوا معه قبل قيام الدول الخليجية نفسها إذ تم توقيع الاتفاقيات السرية معهم كمشيخات موانئ تحت ظل السيادة العثمانية للمنطقة وهو ما يجعلها اتفاقيات باطلة حسب القانون الدولي وكما تقول اليزبيث ستيفنز (والجانب المثير في اتفاقيات الامتياز هو أنه تم توقيعها باسم الشيوخ لا باسم الدول التي يحكمونها، ويرى بعض المحللين أن شركات النفط بتوقيعها تلك الاتفاقيات مع أولئك الشيوخ جعلت موارد النفط وكأنها ملك شخصي لهم).[2]

لقد خلقت تلك الاتفاقيات السرية غير القانونية دوليا واقعا إقطاعيا كما يقول بيربي عن الوضع في الجزيرة العربية (مازال يدير البلاد سيد، ويتصرف بالممتلكات والسكان كأنه يتصرف بأملاكه الخاصة).[3]

وعلى الصعيد السياسي تكاد الحكومات الخليجية تتشكل حصرا من المشيخات الحاكمة ومن يواليها من الأسر حيث يشكل الوزراء من هذه الأسر نحو نصف الوزراء في هذه الحكومات فهي حكومات أسرية أكثر من كونها حكومات وطنية وهي حالة عشائرية لا توجد في أي دولة في العالم كله إلا في الخليج العربي!

كما أصبحت كل وسائل الإعلام وتوجيه الرأي العام بأيدي أفراد من المتنفذين في السلطة!

وفي المقابل تواجه الحكومات تململ الشارع الشعبي في الخليج العربي الرافض لهذا الواقع - سواء من يرفض الاستبداد السياسي أو الفساد الاقتصادي أو التخلف التنموي أو الاحتلال الأجنبي وسواء كان الرفض بسبب دوافع دينية أو قومية أو ليبرالية - إما بالتضييق على الحريات أو بالاعتقالات حتى صارت السجون تمتلئ بالآلاف من سجناء الرأي حيث يقدر مجموع ما في سجون دول الخليج العربي نحو خمسة عشر ألف سجين رأي يتم اعتقالهم وسجنهم بدعوى المحافظة على الأمن الوطني بإيعاز من الاحتلال الأجنبي الذي لم يعد يستخدم الجزر لنفي كل من يرفض وجوده ولو بالكلمة كما كان يفعل في القرن الماضي بل أصبحت الحكومات نفسها تفتح السجون الواسعة لسجن كل من يرفض هذا الواقع الاستعماري الجديد ولو بشكل سلمي!

أو تواجه الحكومات ذلك بإثارة الأزمات الداخلية تلو الأزمات تارة طائفية وتارة فئوية وأحيانا بحروب حدودية مؤقتة ليظل الشارع السياسي الداخلي على صفيح ساخن حتى لا يقر للمجتمعات قرار فلا تفكر إلا بالأمن والاستقرار لا بالإصلاح والازدهار!

ويزداد المشهد السياسي تعقيدا بعد قيام المشيخات الأسرية ومنذ تأسيسها - بإشراف بريطاني - بإحداث تغيير ديمغرافي سكاني على سواحل الخليج العربي لمواجهة أي تغيير سياسي محلي وقد كان لبريطانيا يد فيما جرى سنة 1920م وما قبلها وما بعدها من تهجير قبيلة الدواسر العربية التي كانت تقف مع الخلافة العثمانية ضد الوجود البريطاني في البحرين وفتحها في المقابل الباب لهجرة الإيرانيين الشيعة إلى البحرين وكذا ما جرى في نفس الفترة في الكويت لترسيخ حكم المشيخات بعنصر أجنبي يرتبط بها ويكون حاشية لها أكثر من ارتباطه بالأرض وهذا ما جرى بعد ذلك في الإمارات بتوطين العنصر الهندي البوذي والسيخي والهندوسي! ليواجه العرب في جزيرة العرب أخطر تحد قومي في تاريخهم حيث ظلت الجزيرة العربية مهدا للقبائل العربية منذ فجر التاريخ ولم تشهد في تاريخها مثل هذا التحول الديمغرافي الخطير بوجود تجمعات سكانية غير عربية تحتفظ بمخزون قومي وطائفي وثقافي عدائي للعرب وللإسلام!

وتزداد الخطورة حين يتم العبث بالوحدة الوطنية والاستقرار الاجتماعي بالاستقواء بهذه الفئات الاجتماعية على شعوب المنطقة للحيلولة دون الإصلاح السياسي الذي يطمح إليه شعب الخليج والجزيرة العربية لمعالجة آثار سايكس بيكو حيث بات جليا أن بعض الحكومات تتكئ على بعض هذه الفئات الاجتماعية للحيلولة دون الدفع باتجاه الوحدة الخليجية ودون تعزيز الحريات السياسية للوصول إلى الحكومات المنتخبة ولهذا تعالت أصوات هذه الفئات ضد أي دعوة للإصلاح السياسي - كما جرى في الكويت مؤخرا حين تم طرح موضوع الوحدة بين دول الخليج وحين تم طرح موضوع العملة النقدية الخليجية الموحدة وكذا حين طرح موضوع الحكومة المنتخبة - إذ ترى هذه الفئة المستوطنة بأن مصلحتها الطائفية الفئوية ليست في الوحدة الخليجية ولا مع إرادة الأكثرية بل مع مشروع التجزئة الذي تم توطينها في المنطقة لترسيخه خشية أن تؤثر الوحدة الخليجية على وجودها وتأثيرها ونفوذها الذي يقوم على الارتباط بالأقلية الحاكمة لا مع الشعوب والأكثرية الرافضة لهذا الواقع الاستعماري!

إن هذا المشهد المعقد سياسيا واجتماعيا واقتصاديا حيث يتداخل النفوذ الاستعماري الخارجي الذي يرى أن المنطقة تمثل عمقا استراتيجيا حيويا له مع النزوع للاستبداد الداخلي الذي يستمد قوته ومشروعية وجوده من تحالفه مع الأجنبي!

وحيث تتداخل مصالح شركات النفط العالمية مع مصالح وكلائها من المشيخات الحاكمة وطبقة التجار وأصحاب رؤوس الأموال الذين أثروا في ظل هذا الواقع السياسي الاستعماري!

وتتداخل مصالح الفئات الاجتماعية المهاجرة مع مصالح الأقلية الحاكمة التي تستقوي بها على شعب المنطقة!

كل ذلك يجعل من مهمة الحركة الإصلاحية في الخليج العربي أكثر تعقيدا وصعوبة مما يتراءى لها على اختلاف توجهاتها الثورية والسلمية!

لقد أدى كل ما سبق إلى ظهور حركات احتجاج واسعة إسلامية ووطنية وقومية وهي تتفاوت في رفضها لهذا الواقع بين حالة ثورية تؤمن بضرورة التغيير بالقوة المسلحة ومواجهة الاحتلال بالجهاد في سبيل الله وحالة أخرى سلمية ترى بأن الإصلاح يجب أن يتم دون اللجوء إلى تغيير الحكومات بل من خلال التفاهم معها والضغط عليها بالوسائل السلمية للوصول إلى حكومات شعبية منتخبة في ظل الأنظمة الحاكمة وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي بشكل سلمي وهو ما يدعو إليه الإصلاحيون الدستوريون حفاظا على المكتسبات الوطنية دون اللجوء للعنف الذي قد يعصف بالمنطقة كلها وبين الحالتين الجهادية والدستورية تتوسط حالة إصلاحية ثالثة ترى بأن الحل هو في تغيير الحكومات بالتحضير لثورة شعبية سلمية بعيدا عن العنف المسلح كما تدعو إليه الحركة الإصلاحية الإسلامية..الخ

إن هذا التباين بين هذه الحركات الإصلاحية على اختلاف توجهاتها هو نتيجة للاختناق السياسي الذي تعيشه منطقة الخليج والجزيرة العربية وهو شبيه إلى حد ما بالحالة الإيرانية قبل الثورة حيث كان الشارع الإيراني يموج بكل ألوان الطيف السياسي من حزب توده الشيوعي اليساري إلى حزب الملالي!

إن أمام الحركات الإصلاحية في الخليج والجزيرة على اختلاف توجهاتها تحديات وحقائق لا يمكن القفز عليها ولا بد من الوقوف أمامها وهي:

أولا : أن النفوذ الاستعماري الدولي كان وما زال المؤثر الرئيس في واقع المنطقة السياسي وهو الذي كان وما زال وراء وجود هذه الحالة العشائرية وترسيخها وحمايتها والحيلولة أمام كل حركات التغيير في المنطقة منذ احتلاله لها في الحرب العالمية الأولى إلى هذا اليوم - فقد كانت بريطانيا وراء ضرب حركة مجلس الشورى في البحرين والكويت سنة 1937و 1938 - وهو الذي وراء تجميد النخب الحاكمة وحمايتها وفق اتفاقيات سرية مشبوهة ضمن لها فيه ولذريتها بقاءها في الحكم من جهة وحق منح امتياز النفط من جهة أخرى وهو ما لم تحتج بعده الحكومات إلى التفاهم مع شعوبها حول حقوق المواطنة والمشاركة في السلطة والثروة فقامت العلاقة بين الحكومات وشعوبها على أساس الرعوية حتى في أخص حقوق المواطنة وهي الجنسية التي صارت علاقة بين المواطن والحكومة ممثلة بوزير الداخلية لا بين المواطن والدولة بسلطاتها الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية!

كما أصبحت كل دول الخليج اليوم عضوا في حلف النيتو وازدادت تبعيتها للغرب الاستعماري أكثر فأكثر بعد ضعف مصر واحتلال العراق وأصبح الحلف يعقد مؤتمراته العسكرية السرية والعلنية في دول الخليج العربي وهذا النفوذ الاستعماري لن يتزحزح قيد أنملة عن تكريس وحماية هذا الواقع السياسي الاستبدادي إلا إذ أدرك خطورة الحالة الثورية على وجوده وأنه ليس من مصلحته الوقوف خلف الاستبداد على حساب حريات الشعوب وحقوقها واستقلالها وسيادتها.

إن وجود الحالة الثورية سببه هو تنامي نفوذ الاستعمار الذي يسيطر على المنطقة ويتحكم بها في ظل عجز الحركات السلمية عن تحقيق أهدافها وعجز حكومات المنطقة - التي قد يتفهم بعضها طموحات شعوبها - عن تحقيق الأمن والوحدة وليس من صالحها أمام هذا النفوذ الاستعماري عدم وجود حالة شعبية ثورية تكبح جماح هذه القوى الاستعمارية التي كشفت عن أقبح الممارسات الإجرامية التي يمكن تخيلها كما جرى على يد قواتها في العراق وأفغانستان وما زالت فضائحها تتولى مما يجعل الحديث عن الإرهاب أمام جرائم جيوش الاحتلال وميليشياته العميلة ضرب من الترف!

ثانيا : إنه ومع ضرورة الدفع باتجاه الإصلاح السياسي السلمي خطوة خطوة للمحافظة على المكتسبات التي تم تحقيقها في ظل الدول الحديثة والمحافظة على السلم الأهلي والاجتماعي - من خلال تطمين كل فئات المجتمع بما فيها الفئات المهاجرة بأن مشروع الوحدة الخليجية ومشروع المشاركة الشعبية في اختيار السلطة والرقابة على أدائها من قبل شعوب المنطقة سيكون لصالح الجميع على اختلاف فئاتهم الاجتماعية وأن حقوق المواطنة ستكون محفوظة للجميع بلا استثناء إذ تحاول القوى الاستعمارية وبعض الحكومات في المنطقة استغلال تناقضات المجتمع ومكوناته لصالح ترسيخ وجودها وتخويف كل فئة من الفئات الأخرى وهو ما زادت وتيرته في هذه المرحلة في بعض الدول الخليجية (تخويف الحضر من البدو والسنة من الشيعة) ليتمسك الجميع بالواقع السياسي الحالي خوفا من المجهول - فإنه لا مناص أمام الحركة الإصلاحية من تعزيز الروح الوحدوية من جهة وعدم الدخول في صراع مع الحالة الثورية من جهة أخرى على المستوى النظري والفكري إذ كل تجارب الأمم تؤكد أن الإصلاح السياسي السلمي لم يتحقق أصلا إلا في ظل تنامي حالة ثورية رديفة أو في ظل أنظمة حكم تعددية تختار الشعوب فيها حكوماتها ولم يعرف التاريخ السياسي أن حركة إصلاحية سياسية نجحت سلميا بتغيير واقع سياسي استبدادي دون اللجوء للشارع ولو من خلال المظاهرات والاعتصامات فهذا ضرب من الخيال وطلب للمحال وهو أحد أسباب إخفاق الحركة الإصلاحية الخليجية التي حاولت النأي عن الاصطدام بالسلطة حتى على مستوى الكلمة والرأي والفكر فتخلفت كثيرا عن تحقيق أهدافها!

ولهذا فوجود التيار الثوري والحالة السياسية الثورية - وشرعنتها سياسيا وفكريا وثقافيا - سيكون في ظل هذه الأوضاع الدولية في صالح الحركة الإصلاحية السلمية ومشروعها لمواجهة الاستبداد الداخلي من جهة، كما سيخدم الحكومات الوطنية أمام تنامي النفوذ الأجنبي من جهة أخرى، ولن يكون من صالح الجميع التخندق مع الحكومات أو مع الاحتلال ضد الحالة الثورية مهما كان الموقف منها إذ وجود هذه الحالة كان ردة فعل طبيعية لواقع سياسي بلغ أوجه من الفساد والتخلف وفقد السيادة والاستقلال ونهب ثروة المنطقة على نحو غير مسبوق في العالم كله!

ثالثا : لم تستطع الحركات السياسية السلمية الخليجية ولن أن تحقق نجاحا لمشروعها في ظل تشرذمها وانقسامها وهو ما يحول دون ترشيحها لتكون البديل عن الواقع السياسي الحالي وهذا يفرض عليها أن تتداعى لمشروع إصلاحي عام من خلال جبهة سياسية عريضة تتجاوز القطرية من جهة والحزبية الفكرية والتنظيمية من جهة أخرى لتضم كل الحركات الإصلاحية ذات الأهداف المشتركة في المنطقة فلا يمكن حل مشكلات دول الخليج العربي حلا جذريا من خلال الحلول القطرية إذ هي مشكلات تاريخية نتجت عن مشروع سايكس بيكو وتداعياته ويحتاج إلى حلول على مستوى الخليج والجزيرة العربية كلها فلن تستقل المنطقة ولن تتحرر عن النفوذ الأجنبي في ظل وجود قواعد عسكرية في أي بلد خليجي ولن تنعم الشعوب بالحرية السياسية في ظل فقد أوطانها لحريتها واستقلالها ولن تستطيع الحركات الإصلاحية حتى لو وصلت للسلطة سلميا أن تحافظ على ثروات شعوبها في ظل نفوذ استعماري أجنبي استطاع من خلال وصايته على حكومات المنطقة أن يستحوذ على ثروات دولها وهو ما يشكل تحد خطير أمام كل حركات الإصلاح السياسي في الخليج العربي ولعل في تسييل الصناديق السيادية الخليجية لصالح حل الأزمة الاقتصادية الغربية التي ذهب فيها ما يعادل 500 مليار دولار من أموال شعوب الخليج العربي في خلال سنة واحدة ما يؤكد مدى الهيمنة على المنطقة التي تتزاحم فيها القواعد الأمريكية العسكرية مع القواعد البريطانية والفرنسية التي توجت سيطرتها على المنطقة باحتلال العراق بشكل مباشر للسيطرة على ثرواته النفطية!

رابعا : لم تستطع الحركة الثورية مع ما وجدته من تعاطف شعبي وجداني إقناع شعوب الخليج بقدرتها على أن تكون البديل لعدم وضوح مشروعها السياسي إذ حاجة الشعوب إلى الأمن والاستقرار قد تكون أشد من حاجتها للحرية! وحاجتها للاطمئنان على مستقبلها أشد من حاجتها لتغيير واقعها ومن هنا لم تتجاوز الشعوب الخليجية في تعاطفها مع الحالة الثورية حد تأييدها في مواجهة الاحتلال دون قبولها لطرح نفسها كبديل للحكم فواقع الشعوب السياسي والاجتماعي والاقتصادي أشد تعقيدا من أن يتصدى له الثوريون لمجرد إيمانهم وإخلاصهم وتضحيتهم لقضيتهم وقضية أمتهم فإذا كانت المعارضة لا تحتاج من السياسة إلا إلى فن صناعة الأكثرية للوصول للحكم من خلال القدرة على استثارة الجماهير وإلهاب مشاعرهم وعواطفهم فإنها بعد الوصول للسلطة في حاجة إلى كل فنون السياسة ومهاراتها لإدارة شئون الحكم وهو ما يجعل الحالة الثورية تضطر في كل مجتمع للتحالف مع المعارضة السلمية الأقدر لظروفها على ملأ الفراغ السياسي حال حدوثه وهو ما حصل في الثورة الإيرانية حيث استعانت بمهدي بازركان والتكنوقراط من رجال السياسة والحكم المعارضين لنظام الشاه في إيران!

خامسا : من الخطأ تحميل الشعوب الخليجية فشل الحركات الإصلاحية بدعوى تخلف الشعوب أو ضعفها أو تبعيتها بل على الحركات تحمل مسئولية عجزها عن اكتشاف أدوات تحريك الشعوب وتفجير طاقاتها فقد يكون فقد الحركات الإصلاحية السياسية السلمية للديناميكية السياسية وفقدها لعنصر المبادرة والمغامرة وفقدها للطاقات والقيادات التاريخية أحد أهم أسباب تأخر مشروعها إذ تهيأت للمنطقة فرص تاريخية كبرى كان أمام الحركات الإصلاحية فرص لاستثمارها غير أنها تقاعست وفوتت الفرصة على نفسها وأمام الحركات الخليجية ثلاث تجارب يمكنها دراستها والاستفادة منها للتشابه بين ظروف كل منها والحالة الخليجية من جهة أو أخرى فهناك التجربة الماليزية التي حققت التغيير مع المحافظة على الشكل حيث نجحت الحركة الوطنية فيها بعد الاستقلال من إقامة نظام ملكي دستوري منتخب حيث يرأس الاتحاد الماليزي سلطان كل خمس سنوات يتم انتخابه من قبل سلاطين ماليزيا التسعة بينما ينتخب الشعب السلطة التشريعية والحكومة التي تشرف على إدارة شئون الدولة وهناك التجربة الإيرانية الثورية التي نجحت في إحداث التغيير بشكل ثوري جذري وأسقطت نظام الشاه وأقامت الجمهورية الإيرانية وهناك التجربة التركية وتحولاتها السلمية التدريجية بعد صراع ونضال سياسي شعبي مع المؤسسة العسكرية الحاكمة!

سادسا : كما على الحركات الإصلاحية أن تدرك ضرورة استثارة الحس القومي العربي المخزون بطاقة نفسية ووجدانية تاريخية خلاقة لصالح مشروعها السياسي إذ كان هذا الحس القومي العربي النبيل - وليس العصبية القومية الجاهلية - مع كونه أحد أهم مرتكزات الهوية والوحدة - وراء نهضة العرب بالإسلام بعد البعثة النبوية كما كان وراء حركة التحرر في نصف القرن الماضي ضد الوجود الأجنبي وهو ما لا يستطيع القيام به الحس الوطني الذي لا جذور له تاريخية ولا مشروعية سياسية لوجوده ولا شعور بالانتماء إليه وقد تحدث دكسون المسئول البريطاني في الخليج عن أثر المد القومي على شعوب المنطقة فقال(والمؤسف في ذلك كله أنه في الوقت الذي يتزايد فيه شعور الشبان المتطرفين القوميين ضد الأجانب وضد البريطانيين بصورة خاصة فإن عرب الصحراء القدامى وكبار تجار المدينة النافذين الذين مازالوا يحبون ويحترمون الإنجليز بدءوا يتحولون ببطء ضد الغربيين لأسباب تختلف تماما، فهؤلاء وهم مؤمنون متدينون يرون في التأثير الغربي بماديته خطرا يهدد عاداتهم وأخلاقهم وتقاليدهم وديانتهم.... وهكذا نجد أن العربي المرح! الذي ينتمي للمدرسة القديمة أصبح ضد الأجنبي على الرغم من أن الأسباب الموجبة لهذا الشعور ليست مماثلة للأسباب الدافعة لأبناء الجيل الجديد؟!).[4]

فالتدين الخليجي بطبيعته باعتراف دكسون لا يرفض الاحتلال الأجنبي وإنما يخشى فقط على عاداته وتقاليد آبائه أكثر من خشيته على وطنه وسيادته واستقلاله وهذا ما يفسر القابلية لدى الخطاب الديني الرسمي والشعبي اليوم لوجود الاستعمار الأمريكي للمنطقة وتذمره فقط من مظاهر التغريب التي جاءت معه دون رفض وجود الاستعمار ذاته!

ومن هنا فالحس القومي الوحدوي المدفوع بهاجس الخوف على ذاته وهويته أقدر على تحريك الشعوب الخليجية العربية نحو الوحدة والنهضة وهو ما يؤكده التاريخ العربي القديم والحديث ولعل تجاوب شعوب المنطقة العفوي مع جمال عبد الناصر وخطابه القومي العربي - مع وقوف الحكومات الخليجية ضده بإيعاز أمريكي بريطاني - أوضح دليل على هذا المخزون النفسي والوجداني الفطري لدى العرب وهو ما يجب على الحركات الإصلاحية السياسية التنبه إليه واستثماره لصالح مشروعها الوحدوي والتحرري!

وهو ما يفرض على الحركات الإصلاحية ذات التوجه الإسلامي الاستفادة من التجربة القومية وقدرتها على تحريك الشارع العربي كما يفرض على الحركة القومية العربية تجاوز حالة القطيعة مع الإسلام فقد أثبتت الأحداث أن الإسلام هو قدر هذه الأمة كما قال الملهم عمر بن الخطاب (نحن قوم أذلة أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله)!

كما على الحركات الإصلاحية الخليجية أن تدرس بعمق جذور الأزمة الطائفية التي جاءت في ظل تنامي وجود الاستعمار وحلفائه ويجب إدراك حقيقة أن العرب بفطرتهم وطبيعتهم ينزعون للقومية أكثر من نزوعهم للشعوبية والطائفية ولهذا وقف الشارع العربي بعفويته ونزعته العربية القومية الفطرية مع المقاومة اللبنانية دون نظر إلى هويتها الطائفية ولم تأثر به كل الفتاوى التي خرجت لصرفه عن موقفه العفوي كما لم يستطع التشيع الشعوبي أن يجد له بينهم موطئ قدم إلا في مناطق الأطراف إذ التشيع الغالي يحمل في طياته بذور الشعوبية وانتقاص العرب وتاريخهم منذ عهد الخلافة الراشدة والخلافة الأموية والعباسية إلى العصر الحديث ولا يرى في تاريخ العرب الإسلامي العظيم وإنجازاته التاريخية وفتوحاته وبطولاته إلا الظلم والظلمات والتخلف والهمجية تحت ذريعة مظلومية آل البيت النبوي - بينما حقيقته استبطان إرث عدائي تاريخي قومي للعرب - ولا يرى في أبطاله وعظمائه منذ أبي بكر الصديق وعمر الفاروق تاريخا يستحق الحفظ في ذاكرة الأمة الجماعي ولا يرى وجود للإسلام إلا في الدولة الصفوية الإيرانية والثورة الخمينية وفي المقابل يرى في ابن العلقمي ونصير الدين الطوسي والحلي وكل من جاء مع الغزو التتاري المغولي ووقف معه رموزا تاريخية وقد تأكد ذلك في هذا العصر حيث جعل الشعوبيون الطائفيون يوم سقوط بغداد تحت الاحتلال الأمريكي عيدا وطنيا للعراق! كما وقفوا مع المحتل جنبا إلى جنب يحاصرون المدن العراقية المقاومة بما في ذلك النجف وكربلاء العربيتين! وهم يعملون اليوم جاهدين على طمس تاريخ العرب الإسلامي من مناهج التربية والتعليم العراقية في عاصمة هارون الرشيد!

وهو ما يجعل بين التشيع الشعوبي وبين العرب كأمة سدا منيعا لا يستطيع اختراقهم إلا في ظل احتلال أجنبي كما حصل مع التتار سابقا ثم المد الإيراني الصفوي في القرون المتأخرة ثم الأمريكان لاحقا ولهذا السبب ذاته لم يتجاوز عدد الشيعة في العالم العربي الذي يبلغ سكانه نحو أربعمائة مليون إلا خمسة بالمئة أي عشرين مليون تقريبا نصفهم من أصول غير عربية! مما يؤكد أن الطبيعة العربية لا تتقبل التشيع الغالي المشحون بالحقد والضغينة على العرب المسلمين الذين فتحوا العالم ونشروا الإسلام وأقاموا حضارة إنسانية لم يعرف التاريخ الإنساني لها مثيلا إلى اليوم!

كما صار التشيع بهذه الصبغة الشعوبية والطبعة الصفوية مشكلة في حد ذاته بين الشيعة العرب وأمتهم العربية كما إنه مشكلة بين الإيرانيين والعرب خاصة والعالم الإسلامي السني عامة ولا حل للأولى إلا بتعزيز الحس القومي لدى العرب الشيعة الذين يجدون في عروبتهم جامعا لهم مع أمتهم حيث يعيش أكثرهم حالة اغتراب نفسي وفكري مع التشيع الشعوبي وهو ما جعل من حزب البعث ومشروعه القومي في العراق أملا لهم للخروج من هذه الشرنقة التي فرضها عليهم المذهب الصفوي الذي بسط نفوذه على العراق منذ قرون وضرورة استلهام تجربة العبقري الملهم عمر الفاروق في مراعاته لهذا الجانب القومي مع نصارى العرب في الشام!

كما في تعزيز الأخوة الإسلامية بين العرب والإيرانيين ومواجهة المد الصفوي الشعوبي من قبل الجميع حلا جذريا لعودة إيران إلى العالم الإسلامي بعد أربعة قرون من الانقطاع والانعزال عن الأمة بسبب التشيع الصفوي وهوسه الديني الذي تجلى في أبشع صوره بعد احتلال العراق!

ومن هنا فالتواصل بين حركات الإصلاح السياسي العربية الخليجية وحركات الإصلاح الإيرانية أمر في غاية الأهمية للتفاهم المشترك وتخطي الإرث الثقافي العدائي الذي شكله المذهب الصفوي مدة أربعة قرون باسم التشيع ولا شك بأن في كتابات مفكري إيران وعلماء الشيعة المعتدلين - كعلي شريعتي وآية الله البرقعي وأحمد الكاتب وموسى الموسوي وعلي الأمين ومحمد حسين فضل الله وغيرهم - ما يسهم في ردم الفجوة وقطع الطريق على المشروع الاستعماري الذي يستغل هذا الإرث العدائي لتوظيف الجميع لخدمة مصالحه على حساب استقرار المنطقة ومصالح شعوبها.

سابعا : يجب على الحركات الإصلاحية الخليجية الحذر من الوقوع في الشرك السياسي الذي يسوق له الإعلام الغربي وصداه العربي بأن العالم اليوم يعيش عصر ما وراء الأيديولوجيا وأن مهمة القوى الإصلاحية هو فقط في تحقيق واقع معاشي أفضل لشعوبها بعيدا عن الأيديولوجيا فهذه خديعة كبرى فالعالم كله يعيش صراع أديان وأفكار وقيم بما في ذلك البرغماتية النفعية التي أصبحت اليوم دين العصر وفلسفته وكل الشواهد السياسية تؤكد ذلك ولعل آخر تصريح لرئيسة وزراء ألمانيا ميركل من أن ألمانيا لها هويتها المسيحية اليهودية للرد على من أرادوا الاعتراف بالإسلام كمكون ثقافي في ألمانيا يكشف جانبا من هذه الحقيقة بالإضافة إلى ما ثبت من سيطرة المسيحية الصهيونية على مراكز القوى في الولايات المتحدة والتي جاءت ببوش ليقود حربا استعمارية على العالم الإسلامي باسم الصليب وما تزال رحى هذه الحرب دائرة إلى اليوم في أفغانستان والعراق حيث يتداخل العامل الديني بالسياسي والاقتصادي وراء شن هذه الحروب الهمجية الدموية ولن تستطيع شعوب المنطقة مواجهة هذه التحديات إلا باستعادة الهوية العقائدية والثقافية من جهة ووجود حالة ثورية تحقق توازن الرعب وحالة الردع المطلوبة لشعوب معزولة باتت تواجه الأخطار وحدها وحكومات مشلولة فاقدة الإرادة والمشروعية وفي حالة ارتهان للعدو ومشروعه الاستعماري!

ثامنا : كما على الحركات الإصلاحية الخليجية أن لا تقع ضحية تضليل الإعلام الغربي وشعاراته كشعار مكافحة الإرهاب ومواجهة قوى التطرف ..الخ فإن التجارب التاريخية تؤكد أن الغرب الاستعماري لا يفهم إلا لغة القوة وهو ما اضطر بريطانيا للجلوس على طاولة التفاوض مع الجناح السياسي للجيش السري الأيرلندي الذي كان يصنف كمنظمة إرهابية وكانت عملياته العسكرية تضرب قلب العاصمة البريطانية دفاعا عن حقوقه المشروعة حتى انتزع حقوقه من بين أنياب الأسود!

تاسعا : إن على الحركات الإصلاحية أن تدرك بأن مشكلتها هي مع الحكومات على وجه الخصوص وليس كما يحاول البعض تشخيصه بالمشكلة الثقافية أو الفكرية حتى وإن كان ذلك صحيحا إذ مهمة مواجهة الانحرافات والتشوهات الثقافية تقع على عاتق رجال العلم والفكر والقلم لا على الحركات الإصلاحية السياسية ومن هنا فالدخول في صراع داخلي فكري مع الحركات المحافظة يعيق مشروعها الإصلاحي وهو ما تراهن عليه الحكومات فيجب تجاوز حالة التجاذب فيما بين الحركات الإصلاحية والحركات المحافظة ومخاطبة الجماهير مباشرة من خلال كل القنوات المتاحة وبلورة مشروع تتجاوب معه شعوب المنطقة يجعل من الإسلام كمرجعية عقائدية وتشريعية ومن العروبة كهوية ومرجعية ثقافية أساسا لمشروعها السياسي الإصلاحي إذ هذا الجزيرة كانت وستظل مهد العرب ومهبط الإسلام وكل مشروع سياسي فيها يتجاوز هاتين الهويتين سواء كان مشروعا قطريا وطنيا ليبراليا أو مشروعا أمميا عالميا شيوعيا فمصيره الفشل وقد أدركت الحكومات والاحتلال الأجنبي من ورائها هذه الحقيقة فكانوا أكثر وعيا ومراعاة للحس الشعبي من بعض الحركات الإصلاحية التي أهدرت وقتها في نشر ثقافة دخيلة على المجتمعات وهو ما لا تتفاعل معه الشعوب والمجتمعات مهما كانت هذه الثقافة صالحة ومفيدة كما الثقافة الأصيلة التي قد يصل الحال بالشعوب الموت من أجلها!

عاشرا : إن على الحركة الإصلاحية السياسية في الخليج أن تبلور رؤى سياسية لحل المشكلات التي قد تواجهها في المستقبل بعد نجاحها ولو بشكل سلمي في المشاركة في حكومات منتخبة ولعل من أعقد تلك المشكلات وأشدها خطورة ملف الإثراء غير المشروع من المال العام ومن ثروات المنطقة حيث ذهب ما يعادل نصف ثروة شعوب الخليج من واردات النفط والغاز والثروات الطبيعية الأخرى لحساب المتنفذين وباتت في أرصدتهم في البنوك الغربية وأي حديث عن إصلاح سياسي لا يطرح تصورا لحل هذه الكارثة الاقتصادية التاريخية لن يكون جديرا بقيادة المنطقة في المستقبل وهناك تجارب يمكن الاستفادة منها كما حصل في إيران بعد الثورة وكيف أمكن معالجة هذه المشكلة لديهم.

كما على الحركة الثورية أن تدرك ضرورة وجود حركات إصلاحية سلمية مهما اختلفت معها في وجهة نظرها إذ الحركة الإصلاحية السلمية هي الأقدر على ملأ الفراغ السياسي حال حدوثه وهي الأقدر على قيادة المجتمعات بعد التغيير ومن هنا تتطلع المجتمعات إلى الحركات السلمية وتميل إلى قيادتها في حال السلم والاستقرار أكثر من ميلها إلى الحركات الثورية التي لا تحتاجها إلا في الظروف الاستثنائية لتحقيق التغيير سواء كان في مواجهة احتلال أجنبي حتى يخرج أو في مواجهة استبداد داخلي حتى يسقط وما لم تتناغم الحركات السلمية مع الحالة الثورية وما لم يتواكب المشروعان الثوري والسلمي ويستثمر الثاني نجاحات الأول على الأرض فسيبقى الاستعمار والاستبداد وسيبقى الخليجيون عبيد بلا أصفاد!

الأربعاء 26/11/ 1431 هـ

3/10/2010 م

بامكانك ارسال تعليقك والتعبير عن ر ايك.

جميع الحقوق محفوظة لموقع مؤتمر الأمة © 1439 هـ